خاصl قراءة في كتاب "الخطاب السياسي المبتور".. هل خطاب "دولة لكل مواطنيها" هو الحل؟
شبكة قدس الإخبارية -

خاص قدس الإخبارية: أعاد مركز مدى الكرمل، قبل أسابيع، إصدار كتاب "الخطاب السياسي المبتور" للكاتب والباحث الفلسطيني عزمي بشارة، بعد إصداره للمرة الأولى عام 1999 عن مؤسسة مواطن في رام الله. ويأتي إعادة الإصدار، وفق ما أوضح المركز، في ظل واقع ما بعد حرب الإبادة، والأسئلة السياسية الكبرى التي تواجه الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948، بما يفرض العودة إلى الإشكالات والأفكار النظرية والسياسية التي يطرحها الكتاب.

يضم الكتاب مجموعة من المقالات في 210 صفحات، جُمعت تحت أبواب عدة، وكانت قد نشرت أساساً في صحف ودوريات مختلفة تصدر في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948. وتعالج المقالات، في بنيتها الفكرية والسياسية، قضايا مرتبطة بالواقع السياسي للمجتمع الفلسطيني في الداخل، وتعريفه لذاته، والمساواة، والتهميش، والأسرلة، والارتباط بالقضية الوطنية الفلسطينية، والعلاقة مع الضفة الغربية وقطاع غزة، وغيرها من الانشغالات المرتبطة أساساً بالسؤال الذي فرضه التحدي الاستعماري على المجموعات الفلسطينية في ظل تناثرها المفروض بعد تدمير الاجتماع الفلسطيني خلال حرب النكبة.

تفكيك تحولات الهوية والسياسة في الداخل

يفكك بشارة، في المقالات التي يضمها الكتاب، التحولات المؤثرة في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي لدى الفلسطينيين في الداخل، وصولاً إلى الحالة التي يرصدها وينقدها ضمن مشروعه البحثي، منذ السنوات الأولى للنكبة عام 1948.

فقد فُرض على الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم الحكم العسكري، إلى جانب الرقابة الاستخباراتية والأمنية من أجهزة الاستعمار الإسرائيلي، وتطورت آنذاك مقاربتان سياسيتان تجاه المجموعة الفلسطينية المحاصرة أمنياً واقتصادياً وسياسياً.

عبّر عن المسار الأول المخاتير والوجهاء الساعون إلى كسب ود الإدارة الإسرائيلية، وكانت وسيلتهم إلى ذلك التقرب من حزب "ماباي"، المسيطر آنذاك على دولة الاحتلال بما فيها الجيش والأمن وسائر الأجهزة، والقيام بدور الوسيط بين "الدولة" والجماهير العربية، كما كانت تعرفها الأدبيات الخطابية الإسرائيلية.

أما المسار الثاني، فقاده الحزب الشيوعي، الذي انضمت إلى صفوفه كوادر فلسطينية انخرطت في خطابين؛ أولهما الدعوة إلى المساواة في الدولة الإسرائيلية، من دون تعريف واضح لمتطلبات هذه المساواة، والثاني التعبير، بأشكال متعددة، خصوصاً في الشعر والأدب، عن الانتماء إلى الشعب العربي الفلسطيني، وتأييد المشروع القومي العربي المتمثل حينها في مصر، قبل هزيمة عام 1967، في مرحلة حافظت فيها فئات من الفلسطينيين في الداخل المحتل على ارتباطها بالأمة العربية عبر الإذاعة.

وتطورت، في مرحلة لاحقة، كما يقول بشارة، تيارات قومية رفضت الاعتراف بدولة "إسرائيل"، ورأت في نفسها تعبيراً عن الهم الوطني الفلسطيني، المعبّر عنه قومياً عبر استراتيجيات وخطابات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الجسم السياسي الذي انضمت إلى صفوفه تنظيمات الحركة القومية والوطنية. إلا أن هذه التيارات قوبلت بالقمع الإسرائيلي، خصوصاً عبر الأدوات القانونية.

وفي المقابل، تراجع الحزب الشيوعي لأسباب يرى بشارة أن جزءاً منها مرتبط موضوعياً بخطابه ونفور الجماهير منه، في وقت تراجع فيه أيضاً حضور الخطاب السياسي التقليدي الصادر عن زعامات رأت أن مصالحها تنسجم مع تولي دور الوساطة بين الإدارة الاستعمارية الإسرائيلية والمجتمع.

وأتاح احتلال قطاع غزة والضفة الغربية في حرب عام 1967 فرصة لاجتماع الشعب الفلسطيني، لكنه لم يحقق، وفق بشارة، اتحاداً في الأهداف والرؤى تجاه الواقع. وإن كان ما يجمع الفلسطينيين هو الثقافة والدين والقومية واللغة وغيرها، فإن الواقع يشير إلى أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 تمتعوا بـ"حقوق منقوصة" على هامش الدولة الإسرائيلية، أتاحت لبعضهم مراكمة الثروات عبر انخراطهم على هامش الاقتصاد الإسرائيلي.

خصوصاً مع توجه حكومات الاحتلال نحو الهيمنة على اقتصادات الفلسطينيين ومنع تشكل اقتصاد مستقل لهم، بعد أن حوّلتهم من مزارعين وفلاحين، عقب مصادرة أراضيهم، إلى أيادٍ عاملة في السوق الإسرائيلي، بالتوازي مع تحطيم المدينة الفلسطينية، وهي العملية التي يربطها بشارة أساساً بإعاقة بناء حداثة فلسطينية من جديد.

ويرى أن الشكل الراسخ في المبنى الاجتماعي والسياسي في الداخل يتمثل في نموذج مشوه من القرى المتضخمة سكانياً، من دون مركز مديني يتيح إنتاج ثقافة سياسية ومدينية تطور الوعي الجماعي نحو هوية قومية تنازع الأجهزة الحكومية على انتزاع حقوقها.

في المقابل، عانى الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة من نسب فقر مرتفعة، وواجهوا سياسات قمعية استعمارية مادية شديدة، خاصة خلال الانتفاضة الأولى، التي أظهرت التفاوت في الخطابات على جانبي الحدود بين الأراضي المحتلة عام 1948 وتلك المحتلة عام 1967.

وفي حين كان تطور الوعي الوطني في الداخل المحتل خلال سبعينيات القرن الماضي يسير، كما يقول بشارة، في اتجاهين؛ الأول نحو الوعي بالإسرائيلية، باعتبار أن امتلاك الجنسية يتيح حقوقاً فردية جزئية، والثاني نحو الفلسطينية، بفعل الانفتاح على بقية الشعب الفلسطيني.

وجاء يوم الأرض تعبيراً عن مسارات مختلفة من ترابط الهم القومي والنضال على الأرض في مواجهة الأجهزة الاستعمارية الإسرائيلية، إلى جانب الخطاب الحقوقي المدني. وأظهرت جماهير الفلسطينيين في الداخل المحتل قوة، لكنها خافت لاحقاً من قوتها، كما يقول بشارة، وهو ما ظهر في الاحتفال الموسمي والسنوي بالذكرى من جانب الأحزاب والقيادات، من دون تثمير سياسي وفهم للحدث بما يتطلبه من استراتيجيات وسياسات وطنية وتنفيذية.

ويحتج بشارة على خطابين يراهما عاجزين عن تقديم الفهم المطلوب، من وجهة نظره، لواقع الفلسطينيين في الداخل المحتل.

الأول هو السائد بين الجماهير والمنابر الثقافية والإعلامية العربية، والذي يرى في الفلسطينيين في الداخل تجسيداً للصمود والثبات على الأرض والبقاء، رغم أن البقاء قد يكون سياسياً ضمن قبول الأسرلة، على هامش دولة الاحتلال.

أما الثاني، فيأتي في سياق التخوين، إذ يرى بشارة أن الواقع أكثر تعقيداً، وأن سؤال الهوية قد لا يمنح القدرة الكافية على تفكيك اتجاهات المجتمع، الذي قد يطور آليات للتكيف؛ فما قد يكون اضطراراً في البداية يمكن أن يتحول لاحقاً إلى انسجام بين الناس وواقعهم، خصوصاً مع الاحتياجات المعيشية والحياتية والاقتصادية المنضوية في خطاب المطالبة بالمساواة.

ويشير إلى التحولات التي شهدتها تسعينيات القرن الماضي، مع اتجاه فئات وأحزاب في الداخل الفلسطيني إلى التصويت للأحزاب الصهيونية تحت شعار "التأثير"، خصوصاً مع دعمها لتوجه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية نحو عقد اتفاقيات تسوية مع دولة الاحتلال.

ويرى أن ذلك خدمها في المطالبة بالاندماج في الدولة الإسرائيلية والمساواة، المفصولة عن سؤال الهوية القومية والانتماء الجماعي للشعب العربي الفلسطيني. وفي الوقت ذاته، وفر لها إراحة للضمير، إذ إن قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما ترى، يمنحها براءة أخلاقية وسياسية ووطنية من خطابها المتردد بين معادلتين: السعي نحو الذوبان في الدولة، وتبرير كل خطوة بالسعي إلى التأثير، مقابل مكونات هوية منتمية إلى الشعب الفلسطيني، مضافاً إليها علاقاتها مع قيادات منظمة التحرير.

تنظير لمشروع "دولة لكل مواطنيها"

يقدم بشارة، في مقالات الكتاب، مشروعه الفكري والثقافي الذي خرج لاحقاً في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، انطلاقاً من نقد عملية "التأسرل"، بوصفها هاوية وخطراً داهماً لن تنجح في تحقيق حقوق الفلسطينيين.

ويستند في ذلك إلى أن "الأسرلة" لن تحقق تغييرات في "الهوية القومية الإسرائيلية"، القائمة أساساً على ارتباط تعريفي للأمة بالدين؛ بمعنى أن "إسرائيل"، في تعريفها الأساسي لذاتها، هي دولة لليهود، بينما يحصل "غير اليهود"، كما تعرفهم الإحصائيات، على حقوق فردية مقتطعة، من دون الاعتراف بهم كهوية قومية جماعية، بل على شكل "ملل" دينية.

وينتقد الفصل الميكانيكي الواقع في الخطابات حول "المساواة" خلال السنوات الماضية، بين ما يسميها الحقوق المدنية في دولة "إسرائيل" للفلسطينيين في الداخل، والخطاب القومي، ويرى أن بينهما اتصالاً واجب التحقق، لمنع التدهور نحو "خطاب الأسرلة والاندماج المشوه"، لأن المطالبة بالمساواة من دون حقوق قومية قد تجرف الفلسطينيين وأحزابهم في الداخل نحو مساواة في الواجبات، أي تجنيدهم في جيش الاحتلال.

ويرى بشارة، من جانب آخر، أن الخطاب الوطني الصادر عن أحزاب رفضت المشاركة في الحياة السياسية الإسرائيلية من داخلها، كما في الترشح لانتخابات "الكنيست"، إنكار للواقع، حسب تعبيره، ورفض للنضال من داخله من أجل تغييره.

وينظر في طرحه هذا إلى النضال من داخل "المواطنة الإسرائيلية"، عبر خطاب يدمج بين المساواة والقومية، ويحاجج بأن ما يسميها "دولة لكل مواطنيها" تعني السعي النضالي إلى تحويل "إسرائيل" إلى دولة تعترف بالحقوق القومية والمدنية لجميع مواطنيها، كما يسميهم، مع نزع الحصر الديني القائم فيها أساساً، بوصفها تعرف نفسها كدولة لليهود.

ويقول إن هذا المشروع يعيد فتح أسئلة جدية، من قبيل العلاقة بين الدولة والدين في "إسرائيل"، وطبيعتها الصهيونية، والتناقض بين الديمقراطية الليبرالية وتعريف الدولة الإسرائيلية لنفسها. ويحاجج بأن الواقع الإسرائيلي يحتم على الحركة الوطنية خوض الصراع من خلال بنيتها القائمة، بما في ذلك "الكنيست"، باستخدام لبنة أساسية من هذا الواقع، وهي المواطنة الإسرائيلية، وفق تعبيره.

ويقدم بشارة تصورات عملية على مستوى الواقع الثقافي والتعليمي والتربوي والاقتصادي وغيره لتحقيق جزء من مشروعه، ويستند في مقارباته للتغييرات الجوهرية في شكل "إسرائيل" إلى مناقشة نظرية لأفكار الديمقراطية الليبرالية والإثنية، ويوجه انتقادات لأطروحات صادرة من داخل الأكاديميا الإسرائيلية حول المجتمع الفلسطيني في الداخل.

كما يطرح تنظيرات حول الهوية القومية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948، بوصفهم جزءاً من الأمة العربية، في سياق دعوته إلى حركة ثقافية فلسطينية تقوم على الهوية القومية العربية، ليس كحنين إلى الماضي أو إحياء للقديم أو فلكلور، بل كاتجاه تحديثي يواجه النزوع نحو هويات ذرية صغيرة، على شكل الانتماء إلى العائلة الصغيرة أو الممتدة أو القرية، باعتبارها بديلاً عن الهوية الجماعية.

ويفكك شكل العلاقات بين الفلسطينيين في الداخل المحتل وأحزابهم، ومنظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية، بداية من الحزب الشيوعي الذي هيمن لسنوات على السياسة في الداخل بعد النكبة، وهجومه على النشاط القومي الفلسطيني الذي ولد أساساً في مخيمات الشتات، ثم الازدواجية التي تخلقت داخله بين خطابات المساواة داخل الدولة، من دون تعريف لشكل هذه المساواة، والانتماءات الهوياتية والخطابية لدى كوادره في تبنيهم خطابات منظمة التحرير.

ويتناول بشارة أيضاً سعي التيار المركزي في منظمة التحرير إلى بناء علاقات مع القوى الفلسطينية في الداخل والتيارات اليسارية اليهودية، ثم توجهه نحو تبني خطاب الدولتين، وانخراطه في دعم أحزاب عربية وحتى عرب داخل الأحزاب الصهيونية، تحت شعار محاولة التأثير في السياسة الإسرائيلية من داخلها عبر التصويت في الانتخابات، وهي عوامل يراها بشارة ضارة.

وينتقد ما يسميه تحول العلاقة مع منظمة التحرير في الداخل إلى شيء من "العلاقة الخارجية" و"التضامن"، مع منع أي انتقاد لقياداتها، وتحديد الانتماء الوطني بالعلاقة معها دون الفعل السياسي الوطني المباشر. ويدعو إلى تحول في الخطاب والممارسة عبر تولي قيادة وطنية تتبنى الحقوق القومية الفلسطينية لمسارات عمل على مستوى قطري لا محلي جهوي.

كيف فسر ظهور الحركة الإسلامية في الداخل؟

من بين المقالات التي يضمها الكتاب، يناقش بشارة ما يسميه "التيار الإسلامي السياسي في ظروف الأقلية القومية"، ويربط ظهور الحركة الإسلامية في أراضي 1948 بعوامل عدة، منها التفاعل الحضاري والسياسي والنفسي مع السياق العربي-الإسلامي، ثم خصوصية الظواهر التي ينتجها هذا التفاعل في السياق المحلي: ظروف الأقلية، والمواطنة الإسرائيلية، وثقافة القرية وغياب المدينة، والتحديث القسري، والتفاعل مع الشعب العربي الفلسطيني وغيرها.

ويقدم بشارة تأطيرات اجتماعية واقتصادية في تحليله لظهور الحركة الإسلامية في الداخل، لها علاقة بشكل القرية العربية المحافظة على الانتماءات الجماعية، والتي لم تعرف التفكك والتذرر. ورغم أنها تقع على هامش المدينة اليهودية، فإنه يوضح فروقات جوهرية بين القرى العربية في الداخل وأحزمة الفقر في الدول العربية، مثل مصر وغيرها، التي شهدت ولادة حركات إسلامية مختلفة.

كما يتناول افتراقات في الخطاب بين هذه الحركات والحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة عام 1948، التي يقول إنها لم تقدم خطاباً نضالياً وسياسياً صدامياً مع النظام القائم، ولم تنخرط في صراعات دموية مع بقية المكونات الحزبية الوطنية والقومية واليسارية.

ويرى أن الحركة الإسلامية في الداخل فقدت شرط وجودها القائم عليه في دول عربية أخرى، وهو الدعوة إلى قيام دولة الشريعة، بسبب طبيعة الدولة الإسرائيلية، ويحاجج بأن معركتها قائمة على أسلمة الجماهير الفلسطينية، بما ينقل صراعاتها، كما يعبر، إلى داخل القرية العربية، في وقت قبل فيه تيار داخل الحركة الإسلامية باللعب ضمن متطلبات الحالة الحزبية الإسرائيلية.

هل "دولة لكل مواطنيها" هي الحل؟

يبرز التناقض الأساس في التنظيرات المقدمة من بشارة في الكتاب في تعريف الضرورة الوطنية الفلسطينية في الداخل، بوصفها تقديم مشروع لـ"دولة لكل مواطنيها"، رغم ما تتضمنه من مقدمات نظرية تضع يدها على أخطاء خطاب المطالبة بـ"المساواة" دون أخذ الحقوق القومية للشعب الفلسطيني على محمل الجد، ودفع المنظور الوطني المتناقض مع الاستعمار نحو ظل الإخفاء.

إذ أثبتت التجربة، وفق هذا الطرح النقدي، استحالة تحول "إسرائيل" إلى شكل جديد منزوع من سياقه الاستعماري، لانعدام القدرة على تقديم خيارات متعددة في نظام قائم أساساً على نفي الآخر. وإن كان النظام يقدم بعض الحقوق لمجموعات من الفلسطينيين، فإن الصيرورات الاجتماعية والسياسية المستمرة في مجتمع المستوطنين تدفع بالمشروع إلى حالته القصوى، في كونه مشروعاً للإبادة والطرد، وإقامة الدولة الدينية اليهودية على أرض فلسطين الكاملة، والسعي نحو التمدد في الدول العربية.

ورغم تأكيدات بشارة على البعد النضالي في المشروع، أي السعي نحو فرض "دولة لكل المواطنين" على النظام الإسرائيلي، ونفيه أن يكون الطموح قائماً على سذاجة من يرون إمكانية تحققه عبر مشروع قانوني أو اعتراف من أعلى، إلا أنه، وفق القراءة النقدية للكتاب، يسقط تعقيدات المشروع الصهيوني الذي قامت عليه "إسرائيل"، في قيامه أساساً على ذراع عسكري تدميري استعماري هو الجيش الإسرائيلي، المانح للمستوطنين قدرة على التهديد الدائم لحياة الفلسطينيين، والطمع في السيطرة على مزيد من الأرض، وتحقيق مشروع الإبادة، ومنع قيام نظام مستقل عربي أو إسلامي يتحدى متطلبات الهيمنة.

ويقيم بشارة مقارباته وتحليلاته لشكل النظام الذي يحقق "حلاً عادلاً وسطاً" على مناظير مقتبسة من النقاشات حول الليبرالية والديمقراطية في أنظمة أخرى وتجارب في العالم تبدو مختلفة ومستقرة، من سياق واقعي طامح، في تلك السنوات، إلى تقديم انطلاقة سياسية وفكرية جديدة في الداخل الفلسطيني المحتل، بعد التدهور الذي أصاب الأحزاب والتجمعات عقب اتفاقية أوسلو، والقناعات المنتشرة حول السعي نحو الانصهار في الدولة الإسرائيلية.

لكن يبدو، وفق القراءة النقدية، أن واقع كون "إسرائيل" دولة استعمارية، وإن كانت لها خصائص مختلفة عن تجارب استعمارية أخرى، يجعلها تحتفظ بالهيكل الاستعماري الذي يجعل من طرح مشاريع عليها قائماً في النظري، دون أن تكون له فرص واقعية، لامتلاك المستوطنين ودولتهم قدرة العدوان المادي والعسكري.

ويبدو أن الأطروحات الفكرية والنظرية والسياسية في الكتاب، وإن كانت تحاول تقديم طريق ثالث بين طريقين، لا ترى للنضال طريقاً سوى حصراً في تعريفاتها لمتطلبات السياسة الفلسطينية في الداخل. ورغم أنها تقدم مقاربات صحيحة للواقع والتنظيم والخطابات العربية والفلسطينية، إلا أنها قد تكون ضيقت المخيال عن خيارات أخرى لها علاقة بالتفكير خارج كل معادلات العمل ضمن اشتراطات السياسة الإسرائيلية.

فإن الخطاب القومي مع المساواة، في سياق الاعتراف بحقوق وطنية فلسطينية، بعد تورطه في إكراهات السياسة عبر الترشح لـ"الكنيست"، قد يجد نفسه متورطاً في تفاصيل وعناوين السياسة نفسها.

ويأتي كتاب بشارة في وقت شديد الحساسية، بعد حرب الإبادة، وانخراط أعمق لمكونات في الأحزاب العربية في الداخل نحو الانجراف في ما تسميه مساعي "التأثير في السياسة الإسرائيلية من الداخل".

ويصلح النقد المبثوث في المقالات لمحاكمة هذا الخطاب، الزاعم أن مزيداً من الأسرلة يتيح قوة أكبر في التأثير على خيارات الحكومة الإسرائيلية، لكنه، من وجه آخر، يتيح رؤية خطورة مشروع القبول بالدخول في الحياة الحزبية الإسرائيلية عبر انتخابات "الكنيست"، إذ يتحول إلى الخيار الوحيد بعد الانفصال عن الجماهير العربية، التي لا ترى القيادات منها سوى مطالبها بالمساواة والحقوق الاقتصادية، دون أن تفكر في تطوير مشروع وطني حقيقي. وهو الانفصال الذي ظهر واضحاً خلال هبة الكرامة في أيار/مايو 2021.