الإصلاح الحقيقي يبدأ بالفصل بين المنظمة والسلطة وحركة فتح
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: المحامي زياد أبو زياد

لم يكن قرار انشاء منظمة التحرير الفلسطينية قراراً فلسطينياً بل قراراً عربياً في مؤتمر القمة العربية بالقاهرة عام 1964 وكان يكمن وراءه خوف عربي من أن تكون حركة فتح التي انطلقت منذ عام 1958 ذات بُعد إسلامي لما افتُرض من أن لبعض أعضائها المؤسسين صلة وعلاقة بحركة الاخوان المسلمين رغم تأكيدهم وللرئيس عبد الناصر مباشرة بعدم وجود تلك الصلة وبأن فتح هي حركة تحرير وطني فلسطينية الوجه عربية القلب، ولسعي بعض الأنظمة العربية للتحلل من الالتزام بقضية فلسطين كقضية قومية ومحاولة القاء عبء تلك القضية على الفلسطينيين أنفسهم باعتبارهم اصحابها.
وشاءت الأقدار ان تخرج م ت ف من تحت العباءة العربية بسبب حرب 1967 وظهور أهمية الدور العسكري للفصائل الفلسطينية في مقاومة الاحتلال وإعادة الشعور بالكرامة للعرب وخاصة بعد معركة الكرامة في آذار 1968 فاستُبدلت القيادة التقليدية للمنظمة بممثلي فصائل المقاومة وأصبح تشكيل مؤسساتها وأقصد المجلسين الوطني والمركزي واللجنة التنفيذية يخضع تدريجياً للكوته الفصائلية وتوليفة متفق عليها فصائليا. أي أن المجلس الوطني الذي تنبثق عنه اللجنة التنفيذية (حكومة المنظمة) وينبثق عنه المجلس المركزي (مجلس وطني مصغر) لم يتم في أي يوم من الأيام انتخابه مباشرة من الشعب الفلسطيني من خلال انتخابات حرة ومباشرة تخرج نتائجها من خلال ضناديق الاقتراع.
ورغم كل ذلك فإن قيام منظمة التحرير والاعتراف العربي والدولي بها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني هو أهم وأعظم انجاز حققته حركة التحرر الوطني الفلسطيني بكافة فصائلها ومكوناتها لأنه يعتبر اعترافاً دولياً بالهوية القومية والوطنية للشعب الفلسطيني التي لا تزال اسرائيل وحلفائها يرفضون الاعتراف بوجودها، وهذا الاعتراف بالهوية القومية للشعب الفلسطيني وبحقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتنازل هو انجاز لم يكن بالإمكان ان يتحقق لولا وجود “م ت ف”.
ولكن ومع الوقت اصبحت المنظمة تخضع لهيمنة حركة فتح باعتبارها الفصيل الأكبر على الساحة الفلسطينية وبفضل الشخصية الكاريزماتية للرئيس الراحل ياسر عرفات الذي شكل قاسما مشتركاً بين كل الفصائل وقائداً غير متنازع عليه لحركة فتح التي تحولت الى حركة جماهيرية واسعة، ولخص القائد الراحل جورج حبش دور ياسر عرفات القيادي المتميز بقوله " نحن قد نختلف معك ولكننا لا نختلف عليك".
وقد ظل أبو عمار منذ أواخر الستينيات الرئيس والقائد ليس لفتح وحدها بل للشعب الفلسطيني في كل المراحل التي شهدتها معركة التحرر الوطني الفلسطيني منذ الخروج من الأردن الى لبنان عام 1970 وبعد الخروج من لبنان عام 1982 والسنوات التي تلت ذلك والتي شهدت تراجعاً في فعل المقاومة بسبب قيود الجغرافيا والحصار السياسي ومحاولات تدجين فتح وفصائل المقاومة وتحويلها الى حركات سياسية تتخلى عن الكفاح المسلح بل وتستجيب للضغوط الدولية التي تطالبها "بنبذ الإرهاب" كشرط للدخول في النادي السياسي الدولي ففعلت ذلك دون ان تدرك بأن الإقرار بنبذ الإرهاب يعني للبعض ، على الأقل، إقرارا بأن الكفاح المسلح هو إرهاب.
وبينما خبت جذوة الفصائل وانتقلت فتح الى العمل السياسي انفتحت آفاق معينة لاحتواء فتح من خلال مبادرة الرئيس ريغان وبعده مؤتمر مدريد ومحادثات واشنطن ثم المفاوضات السرية التي أدارتها المنظمة في أوسلو بالتوازي مع مفاوضات واشنطن، والتي يُجمع العديد ممن كانوا في الميدان آنذاك بأن المنظمة ذهبت الى أوسلو من وراء الوفد المفاوض في واشنطن بقيادة المرحوم د. حيدر عبد الشافي فقط لأنها، أي قيادة المنظمة، كانت تخشى ان يتحول الداخل الى قيادة بديلة فأرادت ان تكون هي المفاوض المباشر على الطاولة رغم ان شخصيات الداخل وبشكل خاص مجموعة بيت الشرق بقيادة المرحوم فيصل الحسيني وكنت واحداً من أعضائها لم تدخر جهداً ولم تفوت فرصة للإعلان دون أي لبس او غموض بأن م ت ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وأن العنوان هو تونس ولا أحد غير تونس.
أقول ما أقول ليس استعراضاً تاريخيا وانما محاولة للتمهيد لما سأقول تالياً والذي قد لا يروق للبعض.
قلت فيما سبق ان المنظمة بمؤسساتها المختلفة لم تخضع في أي يوم من الأيام الى الانتخاب الحر المباشر من قبل الشعب عبر صناديق الاقتراع ولكنها تحظى بالدعم الكامل لكونها تجسد الهوية والبيت الوطني والملاذ الذي يمكن أن نلوذ اليه لاستكمال مسيرة التحرر الوطني اذا ما فشلت عملية أوسلو، والأرجح أنها ستفشل حتما، نتيجة التعنت والغطرسة الاسرائيلية وتصعيد الهجمة الاستيطانية المصحوبة بمخطط منهجي لتصفية السلطة الفلسطينية سعيا لشطب وجودهأ، وهنا يجب أن يدرك الجميع أهمية الحفاظ على “م ت ف” وابعادها عن فضاء محاولة تصفية السلطة الفلسطينية بالفصل بينهما.
وقلت أيضا أن الشخصية الكاريزماتية الفذة للرئيس الشهيد ياسر عرفات ظلت تتصدر قيادة م ت ف في كل المراحل حتى ما بعد توقيع اعلان مباديء أوسلو.
وهنا لا بد من الاعتراف بأن استحواذ ياسر عرفات على قيادة “م ت ف” بنفس الوقت الذي كان فيه القائد الأوحد لحركة فتح واصراره على الجمع بين رئاسة م ت ف ورئاسة السلطة ورئاسة فتح ربما كان بسبب الهاجس الذي كان لدى أبو عمار بأن الثورات تُسرق، ولكن هذا الوضع كان يجب ان لا يستمر بعد رحيله لما لمأسسة هذا الوضع من أثر سلبي على مجمل الوضع السياسي والوطني.
فمن الواضح جداً أن بقاء السلطة غير مضمون بل مشكوك جدا بإمكانية استمرار وجودها نتيجة الهجمة الشرسة التي تتعرض لها. ولما كان الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقوقه الوطنية وسيظل يعمل بكل الوسائل المتاحة الى ان تتحقق مطالبه بالعيش بحرية وسيادة في دولته المستقلة على ترابه الوطني وفقا لحقه في تقرير المصير وقرارات الشرعية الدولية ، فإن من الضرورة الحتمية الحفاظ على استقلالية “م ت ف” عن السلطة، لأن من غير الممكن استمرار حركة تحرر وطني تحت قبعة الاحتلال يحمل أعضاؤها بطاقات "شخصية مهمة" ويتمتعون بامتيازات يتحكم فيها الاحتلال وتتحول الى سيف مسلط على رقابهم.
فالمنطق يقول بأن علينا في ظل التطورات المحيطة بنا والتطورات المتوقعة ان يتم الفصل تماما بين قيادة م ت ف وبين قيادة السلطة وقيادة فتح. ولكن ما شهدناه مؤخراً من قرارات صدرت عن الرئيس محمود عباس يُعطي الانطباع بأن ما يجري هو التمهيد لاستنساخ الوضع الكارثي الحالي والاستمرار في حصر كل المهام القيادية في شخص واحد بالرغم من حقيقة ان ياسر عرفات هو شخصية لا يمكن أن تتكرر وبكل هذه السهولة، ولأن محاولة استنساخها في أي شخص تُشكل خطرا على هذا الشخص من جهة وتأليب لمن هم حوله عليه من جهة أخرى، ناهيك من انه لا يجوز وضع كل الإمكانيات القيادية للشعب الفلسطيني في سلة واحدة عرضة للخطر ، خلافا للقول المعروف بأن لا تضع كل البيض الذي لديك في سلة واحدة.
 وبعبارة أوضح فإن السلطة هي تجربة تخضع للنجاح والفشل، بينما لا يجوز السماح للمنظمة ان تفشل او تغيب عن الوجود سواء داخل الأرض المحتلة او الخارج،  كما لا يجوز ان يغيب عن الذهن بأن ما يمكن ان تحمله لنا الأيام القادمة قد يؤدي الى تصفية السلطة والى اضطرار  م ت ف وكل الفصائل بما في ذلك فتح الى التخلي عن بطاقات الشخصية المهمة والتخلي عن العمل العلني تحت مظلة الاحتلال والعودة الى البدايات ليس اختياراً بل اضطرار.
 فالفصل بين “م ت ف” والسلطة وفتح هو ضرورة حتمية ومطلب وطني مشروع ولا يمكن ان يتحقق أي اصلاح إلا من خلال هذا الفصل وبدءاً به.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد