ثلاثمئة وأربعون مقعداً فارغاً
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: منير قليبو

بعيدا عن الدبلوماسية والكلام الناعم وصرخة الم اتحمل مسؤليتها أنا منير عارف قليبو من القدس

ثلاثمئة وأربعون مقعداً فارغاً

أعرف تماماً ماذا فعل الاحتلال بمركز قلنديا ولكن سؤالي هو : ماذا فعلنا نحن؟

في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2026، دخلت القوات الإسرائيلية مركز تدريب قلنديا التابع للأونروا وسيطرت عليه ورفعت علمها فوقه. جاء ذلك بعد يوم واحد من زيارة ممثلي أكثر من خمس وعشرين بعثة دبلوماسية ومنظمة دولية إلى الموقع، وبعد ما لا يقل عن خمسة اقتحامات للمركز منذ مطلع العام نفسه. وقبله بأشهر، في كانون الثاني/يناير 2026، جرى الاستيلاء على مقر الوكالة في الشيخ جراح وهدم منشآت فيه.[1][2]

ولن أكتب سطراً واحداً عن الوزير الذي قاد العملية ولا عمّا قاله فليس هذا من اهتماماتي لان هذا معروف ومفهوم ومتوقع من ذلك الوزير الشرس، ولا يحتاج إلى مقال.

ما لا أفهمه، وما أكتب من أجله، هو ما جرى — أو لم يجرِ — في الجهة المقابلة! جهتنا الفلسطينية الأبية والصامدة والمناضلة والمدافعة عن حق الإنسان في الحياة والتعليم والعمل اللائق .

فما الذي أُغلق بالضبط اذ لم يكن مركز قلنديا مجرد مبنى وفيه ساحات ومعدات واجهزة وكوادر متخصصة وصفوف منظمة وورشات عمل متخصصة ! أُنشئ عام 1952، وهو أقدم مركز تدريب مهني تابع للأونروا على الإطلاق، ويقوم على مساحة نحو ثمانين دونماً تضم ورشاً وقاعات ومساكن داخلية. يستقبل سنوياً نحو ثلاثمئة وأربعين شاباً من لاجئي الضفة الغربية، ويدرّس ستة عشر تخصصاً، منها الكهروميكانيك، وميكاترونيات السيارات، والنجارة، والبناء، والاتصالات، والتصميم الداخلي.

والرقم الذي ينبغي أن يوقفنا جميعاً: نحو تسعين في المئة من خريجيه يجدون عملاً بعد التخرج.[1][3]

توقفوا عند هذا الرقم لو تكرمتم لحظة واحدة . في بلد تبلغ فيه البطالة بين الخريجات الشابات أكثر من خمسين في المئة، وبين الشباب عموماً مستويات كارثية، وفي بلد أنفق ثلاثين عاماً على استراتيجيات التدريب المهني ومواءمة المهارات مع السوق، كان لدينا مؤسسة عمرها أربعة وسبعون عاماً تحقق ما نحلم بتحقيقه: تسعة من كل عشرة خريجين يعملون ، والان وقد أُغلقت اين ما العمل واين الطريق 

وهذا ليس الفصل الأول ، أبدا هذا فصل من كتاب وحلقة من مسلسل درامي ففي أيار/مايو 2025 أُغلقت مدارس الأونروا داخل حدود بلدية القدس: ثلاث في مخيم شعفاط، وواحدة في سلوان، وأخرى في وادي الجوز، وأخرى في صور باهر. كانت الوكالة تدير سبع مؤسسات تعليمية في المدينة يدرس فيها أكثر من ألف وثمانمئة طالب وطالبة، من بينهم متدربو قلنديا.[4][5]

بعبارة أوضح: خلال خمسة عشر شهراً، فقد أكثر من ألف وثمانمئة طفل وشاب مقدسي ولاجئ مؤسساتهم التعليمية والمهنية. ولم يكن ذلك مفاجئاً؛ فقد سبقته تحذيرات متكررة، وقانون إسرائيلي دخل حيز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2025، ومسار واضح لأي مراقب.

كان لدينا سنة كاملة على الأقل لنستعد فماذا أعددنا؟

أسئلة مباشرة، وأطلب أجوبة مكتوبة فقد كنت دبلوماسياً يوما لمدة طالت  خمسة وثلاثين عاماً، أختار الكلمات بعناية وأصوغ العبارة بما لا يزعج أحداً من الشركاء الحساسين جدا للسان الحق والصدق والامانة . لم يتغير شيء لذلك سأسأل الآن بلا مجاملة، وبلا دبلوماسية وأسمّي الجهات بأسمائها، وأطلب أجوبة منشورة لا تصريحات.

إلى وزارة العمل: التدريب المهني جزء أصيل من ولايتكم ؛ ثلاثمئة وأربعون متدرباً في ستة عشر تخصصاً فقدوا مقاعدهم فأين خطة الاستيعاب؟ كم مقعداً شاغراً في مراكز التدريب الحكومية والأهلية في رام الله والبيرة وبيت لحم والخليل ونابلس وجنين وأريحا ؟ كم مقعداً خُصص لهم فعلياً؟ وماذا فعل الصندوق الفلسطيني للتشغيل، المنشأ بمرسوم رئاسي رقم (9) لسنة 2003 لتفعيل سياسات سوق العمل، حيال حالة طارئة هذا وصفها بالضبط؟[6] وهل عُقد اجتماع طارئ واحد لهذا الغرض، ووضع على اجندة الحوار الاجتماعي ! وهل له محضر؟

إلى وزارة التربية والتعليم العالي: ما مصير الطلبة الذين أُغلقت مدارسهم قبل خمسة عشر شهراً؟ كم منهم في مدارس تدرّس المنهاج الفلسطيني اليوم، وكم منهم انتقل إلى مدارس تدرّس المنهاج الإسرائيلي في القدس ومحيطها ، وكم منهم خارج التعليم كلياً وانتقل إلى سوق العمل ؟ هذه أرقام تُحصى، ولا أعرف أنها نُشرت.

إلى وزارة التنمية الاجتماعية: هذه أسر لاجئة في مخيمات وأحياء هي الأفقر في المدينة فما الدعم الذي وصلها كي لا يتحول الطفل خارج المدرسة إلى طفل في ورشة أو على بسطة؟

إلى وزارتي المالية والتخطيط: هل فُتح بند واحد في الموازنة باسم هذه الحالة؟ وإذا كانت الأزمة المالية تمنع، فهل جرت إعادة توجيه أي تمويل قائم نحوها؟ هل خاطبتم الدول المانحة ام خشيتم إقلاقها وإزعاجها وتغير خطابها ومزاجها 

إلى الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين: هؤلاء عمال المستقبل، وهم بالتحديد الفئة التي يُفترض أنكم تمثلونها وخاصة انهم ضمنوا دخولهم سوق العمل دون ريب شكرا لمعاهد التدريب في الوكالة فهل عقدتم اجتماعاً طارئاً؟ هل خاطبتم الوزارة بمطلب محدد وموعد؟ هل عرضت نقاباتكم القطاعية — البناء، والمعادن، والنقل، والخدمات — أماكن تلمذة مهنية لهؤلاء الشباب في المنشآت التي يعمل فيها أعضاؤكم؟ الاستنكار والتوجه بالشكوى لمنظمة العمل الدولية واتحاد النقابات الدولية ليس تمثيلاً نقابياً وهو اقل درجات الايمان في هكذا حاله فاجعة .

إلى اتحاد الغرف التجارية والصناعية والزراعية: ستة عشر تخصصاً كلها تخدم منشآتكم مباشرة، وأنتم من يشكو دائماً من نقص العمالة الماهرة. ثلاثمئة وأربعون مكان تلمذة مهنية موزعة على الضفة كلها ليس رقماً بطولياً؛ إنه رقم صغير. كم مكاناً التزمتم به، وبأسماء شركات، وبتاريخ؟

إلى منظومة الحوار الاجتماعي كلها: لدينا لجان ثلاثية، ومجلس أعلى للتدريب المهني، واستراتيجية وطنية للتشغيل، ومصفوفات تنسيق فهل انعقدت واحدة منها لهذا الملف؟ ما القرار الذي اتُّخذ، ومن المسؤول عن تنفيذه، وما الموعد النهائي؟ هل سيتم إنقاذ ما تم تدميره ! 

إلى المانحين: لا أطلب منكم مالاً جديداً. أطلب أن تخبرونا كم من المال القائم — في مشاريع التدريب المهني والتشغيل الجارية الآن في الضفة — أُعيد توجيهه إلى هؤلاء الثلاثمئة والأربعين وإذا كان الجواب صفراً، فقولوه بصراحة واساسا لم اعد اثق بالشجب والقلق والتوتر والبيان ومحاسبة السلطه وفتح باب المناهج والنزاهة والشفافية والفساد لإلهاء الناس.

بحثت في السجل العام عن أثر لخطة استيعاب معلنة، أو اجتماع طارئ موثّق، أو التزام برقم ومهلة فلم أجد. وإن كان موجوداً، فأنا أول من يفرح بنشره، وأدعو أصحابه إلى نشره غداً واعتذر حينها رسميا عن ما بدر مني هنا في لحظة غيظ . أما إن لم يكن موجوداً، فليقلها أحدهم صراحة: لم نفعل شيئاً.

ما فعله الناس حين غابت المؤسسات
الأصدق أن نقول إن شيئاً ما حدث — لكن ليس من حيث ينبغي أن يحدث.

في مخيم شعفاط، حين أُغلقت المدارس الثلاث، لم تنتظر اللجنة التعليمية في المخيم. تواصلت مع وزارة التربية والتعليم العالي لاعتماد مدرسة بديلة في عقار تابع لدائرة الأوقاف الإسلامية، بثماني غرف صفية، من الصف الخامس حتى العاشر. الوزارة وفّرت الكادر التعليمي بعد تفاوض. أما كلفة التأسيس فدفعتها مؤسسات المجتمع المدني في المخيم نفسه.[5]

أي أن المخيم موّل الحل، والمخيم قاده، والمخيم لاحق الوزارة حتى استجابت.

وحتى مع ذلك، بقي نحو مئة وخمسين طفلاً خارج التعليم أشهراً طويلة، وانتقل آخرون إلى مدارس بلدية الاحتلال، ونُقلت خمسون طالبة إلى مدرسة في البلدة القديمة تدرّس المنهاج الإسرائيلي.[5][7]

وهنا بيت القصيد، وأرجو ألا يمر مرور الكرام: الهدف السياسي من إغلاق المدرسة لا يتحقق يوم الإغلاق، بل يتحقق في الشهر الذي يليه إذا لم يجد الطفل بديلاً. الاحتلال يغلق الباب؛ نحن من يقرر إن كان الفراغ سيبقى فراغاً. وكل شهر يمر بلا بديل هو طفل يُسجَّل في المنهاج الإسرائيلي، وشاب يترك التدريب المهني إلى العمل اليومي غير الماهر، ومهارة كانت ستدخل سوق العمل الفلسطيني فلم تدخله.

بهذا المعنى، للإغلاق فاعلان: من أصدر الأمر، ومن ترك الفراغ.

ما كان ينبغي أن يحدث خلال ثلاثين يوماً
ولئلا يكون هذا المقال شكوى أخرى، هذا ما كنت سأطالب به لو كنت ما زلت في موقعي، وما زلت أطالب به الآن:

حصر بالاسم خلال أسبوع وإعداد قائمة بالثلاثمئة والأربعين متدرباً: التخصص، وسنة الدراسة، ومكان السكن. لا يمكن التخطيط لمن لا نعرف عددهم بدقة.

مسح للطاقة الاستيعابية خلال أسبوعين تبين كم مقعداً متاحاً في كل مركز تدريب حكومي وأهلي وخاص في الضفة، في التخصصات الستة عشر نفسها؟ ينشر الرقم علناً.

الاعتراف بالسنة الدراسية وإيجاد آلية تعترف بما أنجزه المتدرب في قلنديا حتى لا يخسر سنته ويبدأ من الصفر — وهذا قرار إداري لا يكلف مالاً.

مهم بدل مواصلات فكثير من هؤلاء الشباب سيضطر إلى الالتحاق بمركز في مدينة أخرى، عبر حواجز. من دون بدل تنقل، سيتسرب نصفهم في الشهر الأول. هذا بند صغير في الموازنة وحاسم في النتيجة.

ان لا ننسى التلمذة المهنية بأسماء شركات والتزام مكتوب من الغرف التجارية والصناعية بعدد محدد من أماكن التلمذة، منشور بأسماء المنشآت.

مؤسسة واحدة مسؤولة وجهة واحدة تُسمّى، لا لجنة، وتُنشر تقريراً شهرياً علنياً: كم متدرباً استُوعب، وأين، وكم بقي خارجاً.

الأمر نفسه لطلبة المدارس، مع وزارة التربية: أين ذهب كل طالب، والرقم يُنشر شهرياً.
وأعرف الاعتراض مسبقاً: القدس خارج سيطرة السلطة، ومركز قلنديا يقع داخل حدود بلدية الاحتلال، والمؤسسات الفلسطينية الرسمية لا تستطيع العمل هناك علناً. هذا صحيح، وأعرفه جيداً.

لكنه لا يصلح جواباً هنا فمتدربي  قلنديا هم في غالبيتهم من لاجئي الضفة الغربية، ورام الله على بعد دقائق من موقع المركز والحاجز ليس هو العائق أمام استيعابهم في مركز تدريب في رام الله أو البيرة. العائق أن أحداً لم يتخذ القرار.

وأخيراً أقولها وأمري لله 

نُجيد الاستنكار وعندنا بيانات ممتازة، ومؤتمرات صحفية جاهزة، ومناشدات للمجتمع الدولي مكتوبة بلغة سليمة وقد كتبت أنا نفسي عشرات منها في حياتي المهنية.

البيان لا يعلّم طفلاً، ولا يدرّب سبّاكاً، ولا يوظّف كهربائياً.

فليخرج علينا أحد من هذه المؤسسات بورقة واحدة: اجتمعنا في التاريخ الفلاني، وقررنا كذا، وخصصنا كذا، واستوعبنا حتى اليوم هذا العدد، وبقي هذا العدد ! رجاء ورقة واحدة وسأكون أول من يشكرهم عليها علناً.

وإن لم توجد هذه الورقة، فليعرف الجميع أن ثلاثمئة وأربعين شاباً وأكثر من ألف وثمانمئة طفل دفعوا ثمناً مرتين: مرة حين أُغلقت مؤسساتهم، ومرة حين لم يفتح لهم أحد باباً بديلاً.

الاحتلال أغلق الأبواب. ونحن لم نفتح باباً واحداً.

اللهم اشهد اني بلغت

منير قليبو 
القدس

المراجع
وكالة فرانس برس ويورونيوز، تقارير 25 آب/أغسطس 2026 عن إخلاء مركز تدريب قلنديا التابع للأونروا ورفع العلم الإسرائيلي فوقه، وعن وقوعه بين كفر عقب ومخيم قلنديا، وتأسيسه عام 1952 بوصفه أقدم مركز تدريب مهني للوكالة، وخدمته نحو 340 فلسطينياً سنوياً.
الأمم المتحدة، بيان منسق الشؤون الإنسانية بشأن الاستيلاء على مركز تدريب قلنديا في 25 آب/أغسطس 2026، وحرمان 340 شاباً من لاجئي الضفة الغربية من حقهم في التعليم، وحصانة ممتلكات الأمم المتحدة بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
الأونروا، معطيات مركز تدريب قلنديا: ستة عشر تخصصاً (منها الكهروميكانيك، وميكاترونيات السيارات، والنجارة، والبناء، والاتصالات، والتصميم الداخلي)، ومساحة نحو ثمانين دونماً، ونسبة توظيف الخريجين نحو 90% بعد التخرج، وتكرار اقتحام المركز خمس مرات على الأقل منذ مطلع 2026.
تقارير أيار/مايو 2025 عن إغلاق مدارس الأونروا داخل حدود بلدية القدس: ثلاث في مخيم شعفاط، وواحدة في سلوان، وأخرى في وادي الجوز، وأخرى في صور باهر، تطبيقاً للقانون الإسرائيلي الذي دخل حيز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2025.
«القدس بلا مدارس أونروا… دفع الطلاب إلى المنهاج الإسرائيلي»، أيلول/سبتمبر 2025، ويتضمن بقاء نحو 150 طالباً بلا تعليم، وترتيب اللجنة التعليمية في مخيم شعفاط مدرسة بديلة في عقار للأوقاف الإسلامية بثماني غرف صفية للصفوف الخامس حتى العاشر، بكادر من وزارة التربية وتمويل تأسيس من مؤسسات المجتمع المدني في المخيم.
الصندوق الفلسطيني للتشغيل، التعريف بالصندوق المنشأ بموجب مرسوم رئاسي رقم (9) لسنة 2003 لتفعيل سياسات سوق العمل وخلق فرص عمل.
تقرير شباط/فبراير 2026 عن مؤسسات الأونروا التعليمية في القدس: أكثر من 1800 طالب وطالبة في سبع مؤسسات داخل حدود البلدية، بينها كلية التدريب المهني في مخيم قلنديا بـ344 طالباً، ونقل 200 طالبة إلى مدرستين داخل مخيم شعفاط و50 طالبة إلى مدرسة في البلدة القديمة تدرّس المنهاج الإسرائيلي، في ظل نقص يقارب 2000 غرفة صفية في القدس الشرقية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد