وكالة شمس نيوز - 8/31/2026 8:54:19 AM - GMT (+2 )
شمس نيوز - وكالات
لا تنتهي مسيرة كبار مسؤولي أجهزة الاستخبارات بمجرد مغادرتهم مناصبهم، بل ينتقل كثير منهم إلى مراكز الفكر والجامعات والمؤسسات البحثية، في ظاهرة باتت تعرف بـ"الباب الدوار" بين أجهزة الاستخبارات ومجتمع البحث وصنع السياسات.
وتبرز هذه الظاهرة بوضوح في الولايات المتحدة، حيث أعلنت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي اختيار أفريل هينز، المديرة السابقة للاستخبارات الوطنية الأمريكية، رئيسة للمؤسسة اعتبارا من 28 سبتمبر/أيلول 2026.
وكانت هينز أول امرأة تتولى منصب مديرة الاستخبارات الوطنية بين عامي 2021 و2025، بعد مسيرة شملت العمل نائبة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية ونائبة لمستشار الأمن القومي.
ولا تعد هينز الحالة الأولى؛ فقد سبقها وليام بيرنز، الذي انتقل من رئاسة كارنيغي إلى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية في عهد الرئيس جو بايدن، ليكشف المساران عن فضاء مشترك تتبادل داخله أجهزة الأمن القومي ومراكز الفكر الخبرات والكوادر والأفكار.
كما اختار مسؤولون سابقون مسارات مختلفة بعد مغادرة الخدمة، فليون بانيتا واصل نشاطه عبر معهد بانيتا للسياسات العامة، بينما اتجه جون برينان إلى الكتابة والمحاضرات والعمل الأكاديمي والإعلامي، وانخرط جيمس كلابر في تأليف الكتب وشرح طبيعة العمل الاستخباري، في حين واصل مايكل هيدن نشاطه في الجامعات والمنتديات ومراكز الدراسات.
وتشير هذه النماذج إلى أن التقاعد من أجهزة الاستخبارات لا يعني بالضرورة الابتعاد عن المجال العام، بل قد يمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها إنتاج المعرفة والتأثير في النقاشات المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية.
لماذا تستقطب مراكز الفكر مسؤولي الاستخبارات؟
لا تبحث مراكز الفكر بالضرورة عن الشخصيات الأكثر إنتاجا أكاديميا، بقدر ما تبحث عن خبرة عملية اكتسبها المسؤولون خلال وجودهم في أعلى مستويات الدولة. فالمسؤول الاستخباري السابق يحمل فهما عميقا لآليات صنع القرار وإدارة الأزمات وتقييم المخاطر وبناء التقديرات في ظل نقص المعلومات وعدم اليقين.
كما تمثل شبكة العلاقات التي راكمها هؤلاء خلال عقود من العمل عاملا إضافيا، إذ تمنح مراكز الفكر قدرة أكبر على التواصل مع صناع القرار والخبراء والمؤسسات الحكومية.
وفي المقابل، لا ينقل المسؤول السابق معه المعلومات السرية التي اطلع عليها، إذ تمنعه القوانين من الكشف عنها، وإنما ينقل خبرة مؤسسية يمكن تحويلها إلى كتب ودراسات وأوراق سياسات ومحاضرات.
ولا تقتصر الظاهرة على الولايات المتحدة. ففي بريطانيا، انتقل عدد من كبار مسؤولي جهاز الاستخبارات الخارجية «MI6» بعد تقاعدهم إلى المؤسسات البحثية والأكاديمية، ومن بينهم جون ساورز وريتشارد ديرلوف ونايجل إنكستر.
أما في إسرائيل، فتبدو الصلة أكثر تشابكا، مع حضور بارز لقادة أمنيين متقاعدين في معهد دراسات الأمن القومي، الذي تولى قيادته عدد من الرؤساء السابقين لشعبة الاستخبارات العسكرية.
وبذلك، تكشف التجارب الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية أن الخبرة الاستخبارية لا ينظر إليها باعتبارها موردا ينتهي بانتهاء الخدمة، بل رأسمالا يمكن إعادة توظيفه في إنتاج المعرفة وتدريب الأجيال الجديدة والتأثير في النقاشات التي تسبق صناعة القرار.
وفي النهاية، فإن "الجاسوس المتقاعد" لا يختفي بالضرورة من المشهد، بل قد ينتقل من العمل خلف الأبواب المغلقة إلى مكاتب مراكز الفكر وقاعات الجامعات وشاشات الإعلام، حاملا معه عقودا من الخبرة التي تظل مؤثرة في فهم الأمن والسياسة وصناعة القرار.
إقرأ المزيد


