الزِّيرُ وَالمَلِكُ
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. محمد عودة

كيف يمكن للدول أن تنهار وهي تبدو في ظاهرها متينة وقوية؟ سؤال يراود الكثيرين ممن يبحثون في أسباب ضعف الدول وتفكك المنظومات. فالتاريخ يخبرنا أن الانهيار لا يبدأ دائمًا من الخارج، ولا يكون دائمًا نتيجة ضربة مفاجئة؛ بل قد يبدأ من الداخل، من خلل صغير يتسع مع الوقت، ومن فكرة بسيطة تفقد معناها تدريجيًا، حتى تصبح المؤسسة أكبر من الهدف الذي أُنشئت من أجله.

يُحكى أن ملكًا خرج يومًا في جولة بين القرى، فرأى الناس في قرية الصيادين يقصدون النهر ليشربوا الماء بأيديهم. لم يكن المشهد يليق بكرامة الإنسان في نظره، فسأل عن السبب، فقيل له إن الماء متوفر، لكن لا يوجد ما يحفظه ويجعله قريبًا من الناس. عندها أمر الملك بشراء زير كبير ووضعه في مكان قريب من الطريق، ليشرب منه كل عابر سبيل.

كان القرار بسيطًا، والغاية واضحة: توفير الماء للناس بطريقة تحفظ وقتهم وكرامتهم. لم يكن المطلوب أكثر من زير وماء يستفيد منه الناس. لكن القرارات البسيطة، حين تدخل دهاليز الإدارة، قد تبدأ رحلة طويلة تفقد خلالها بساطتها، وربما تفقد معها الهدف الذي وُجدت من أجله.

اجتمع مستشارو الملك، ورأوا أن الزير يحتاج إلى حارس يحميه، وسقّاء يملؤه بالماء، فتم تعيين الحارس والسقّاء. وبعد فترة، قيل إن الحارس لا يستطيع العمل طوال اليوم، فلا بد من نظام ورديات، وإن السقّاء يحتاج إلى من ينظم عمله، فظهرت الحاجة إلى مشرفين ومسؤولين.

ومع مرور الوقت، أصبح للزير سجلّ، وللسجل قسم، وللقسم إدارة، وللإدارة مدير، وللمدير مساعدون. ثم ظهرت الحاجة إلى الشؤون المالية، والشؤون القانونية، والرقابة، والتدقيق، والتخطيط، والجودة، والعلاقات العامة، وأُنشئت لجان لتطوير الزير، ولجان لمتابعة أعمال اللجان، ولجان لتقييم أداء اللجان التي تتابع تطوير الزير!

ثم وُضعت رؤية ورسالة وقيم مؤسسية، وأُعدت خطط استراتيجية، ومؤشرات أداء، وتقارير فصلية، ودليل إجراءات، ونماذج رسمية، وأختام ومراسلات. كبرت مؤسسة الزير، واتسعت مكاتبها، وزاد عدد العاملين فيها، وأصبحت تمتلك من الأنظمة والتعليمات ما يكفي لإدارة مدينة كاملة، بينما ظل الزير نفسه ينتظر أن يملأه أحد بالماء!

لم يكن أحد من أولئك الذين التفوا حول الزير يريد إفساد الفكرة، ولم يكن أحد منهم يعتقد أنه يبتعد عن الهدف؛ فالحارس أراد حماية الزير، والسقّاء أراد ضمان استمرار الخدمة، والمحاسب أراد حماية المال العام، والمدقق أراد منع الخطأ، والقانوني أراد تحصين المؤسسة. كانت النوايا في بدايتها مشروعة، لكن المشكلة أن كل وظيفة بدأت تبحث عن ضرورة وجودها الذاتي، وكل إجراء بدأ يحتاج إلى إجراء آخر يحميه، حتى أصبحت الوسيلة هي الغاية، وأصبحت المؤسسة تسعى إلى حماية استمرارها أكثر مما تسعى إلى تحقيق رسالتها

وهكذا، لم تعد الوظائف تُنشأ لخدمة الزير، بل أصبحت تُنشأ لخدمة وظائف أخرى، والإجراءات تُستحدث لحماية الإجراءات التي سبقتها، حتى أصبح لكل قرار قرار يراقبه، ولكل لجنة لجنة تتابعها، ولكل تقرير تقرير يراجعه. وفي غمرة هذا التوسع، غابت الحقيقة البسيطة التي انطلقت منها الحكاية: أن الناس لم يكونوا بحاجة إلى مؤسسة ضخمة، بل إلى زير فيه ماء

بعد عامين من الجولة الأولى، وبالصدفة، قام الملك بجولة أخرى في نفس الأرياف. وعندما وصل إلى قرية الصيادين، تذكر الزير، فسأل مرافقيه، فأخذوه إلى مؤسسة الزير. استُقبل هناك بحفاوة كبيرة، وتقدم المسؤولون نحوه يحملون ملفات ضخمة، وبدأوا يعرضون عليه إنجازاتهم.

قال أحدهم: يا مولاي، يسعدنا أن نبلغكم أن مشروع الزير حقق نجاحًا كبيرًا؛ فقد توسعت المؤسسة، وارتفع عدد العاملين، وتم تطوير الأنظمة، وإنشاء وحدات متخصصة، وتحسين آليات المتابعة، ووضع خطط مستقبلية تضمن استدامة العمل.

استمع الملك بصمت، ثم سألهم: وكم عدد الناس الذين شربوا من الزير؟ ساد صمت قصير، ثم أجاب أحدهم: يا مولاي، هذا السؤال لا يدخل ضمن مؤشرات الأداء الحالية! لكن لدينا بيانات دقيقة عن عدد الاجتماعات المنعقدة، وعدد التقارير المنجزة، وعدد المعاملات التي تمت مراجعتها، ونسب الالتزام بالإجراءات.

نظر الملك إليهم وقال: لقد سألتكم عن الماء فأجبتموني عن الأوراق، وسألتكم عن الإنسان فأخبرتموني عن النظام، وسألتكم عن الغاية فأخبرتموني عن الوسيلة! أخشى أن تكونوا قد نجحتم في إدارة «مؤسسة الزير»، لكنكم فشلتم في معرفة لماذا وُضع الزير أصلًا. وأردف قائلًا: خذوني إلى الزير.

خرج الجميع برفقة الملك إلى المكان الذي وُضع فيه الزير، فإذا به مكسور، فارغ، يعلوه الغبار، وقد عُلّقت عليه لوحة كُتب عليها: «إعلان عن فتح باب التبرع لإصلاح الزير بناءً على توصية الإدارة العامة»! وكان الحارس والسقّاء يجلسان بالقرب منه ينتظران انتهاء الإجراءات.

وقف الملك طويلًا أمام المشهد، ولم يغضب بقدر ما شعر بالحيرة؛ فالمشكلة لم تكن أن الزير انكسر، بل أن الفكرة التي وُلدت لخدمة الناس تحولت إلى منظومة تبحث عن استمراريتها، وأن المؤسسة كبرت بينما صغر الهدف الذي أُنشئت من أجله. وكان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة ليس نقص المال أو الموارد، بل فقدان القدرة على مراجعة نفسها، والاعتراف بأن الوسيلة ابتعدت عن الغاية، وأن كثرة الإجراءات لا تعني بالضرورة جودة النتائج، وأن المحافظة على الشكل لا تعني بالضرورة الحفاظ على الجوهر.

لم يكن الملك ينظر إلى زير ماء فقط، بل كان يرى صورة مصغرة للدولة؛ فالدول لا تبدأ رحلة الانهيار لأنها تفقد قوتها أو مواردها فجأة، وإنما حين تنفصل مؤسساتها عن رسالتها، ويصبح الحفاظ على الهيكل أهم من تحقيق الهدف، وتتحول اللوائح والإجراءات إلى غاية في ذاتها، بينما يُنسى الإنسان الذي وُجدت المؤسسة لخدمته. وعندما يتضخم العقل الإداري، يصبح عدد التقارير دليلًا على النجاح، وعدد الاجتماعات بديلًا عن الإنجاز، وامتلاء الأرشيف بالملفات تعويضًا عن غياب الحلول؛ فتغدو المؤسسة قادرة على إنتاج الأوراق أكثر من إنتاج النتائج، وعلى تفسير الفشل بلغة النجاح، وعلى صناعة صورة توحي بأنها تعمل بينما تبتعد تدريجيًا عن رسالتها. وحين يختل ميزان المعاني، يصبح المجتمع قادرًا على التعايش مع الخلل لأنه لم يعد يراه خللًا، بل جزءًا من النظام اليومي.

ثم التفت الملك إلى مستشاريه وقال: لقد اختل إعراب الواقع... أعربوا لي هذا المشهد، تعجبوا من السؤال، فقال أحدهم: إنه مشهد يحتاج إلى إعراب جديد يا مولايالملك ، إذن اسمعوا الإعراب الدقيق للمشهد:

عندما تصبح الأخلاق فعلًا ماضيًا، وخدمة الناس فعلًا ناقصًا، والبيروقراطية فعلًا مضارعًا لا ينتهي، والسياسيون فاعلًا، والمواطن مفعولًا به، والمال مفعولًا لأجله، والفساد خبرًا لا يحتاج إلى دليل، والشفافية نعتًا لا يتبع منعوته، والعدالة بدلًا غائبًا، والكفاءة مضافًا إليه لا يُلتفت إليه، والواسطة أداة تعريف لكل منصب، والرواتب ممنوعة من الصرف، والضمير ضميرًا مستترًا تقديره غائب، والمصلحة مبتدأ، والوطنية خبرًا يُرفع في الخطب ويُخفض في الممارسة، والصدق منفيًا، والكذب توكيدًا، والانتهازية مفعولًا مطلقًا، والوظيفة أداة نصب، والموظف حرف جر، والخزينة اسمًا مجرورًا، والمستقبل مبنيًا للمجهول... عندها تأكدوا أن الانهيار أسرع مما تتصورون.

فالاختلال الحقيقي لا يبدأ عندما تعجز المؤسسات عن العمل فقط، بل عندما تنجح في إنتاج صورة توحي بأنها تعمل بينما تبتعد تدريجيًا عن رسالتها. عندها يصبح الشكل بديلًا عن المضمون، وتصبح اللغة وسيلة لتجميل الواقع بدل تغييره، وتتحول التقارير إلى مرآة تعكس ما نريد رؤيته لا ما يحدث فعلًا. وحين يختل ميزان المعاني، يصبح المجتمع قادرًا على التعايش مع الخلل لأنه لم يعد يراه خللًا، بل أصبح جزءًا من النظام اليومي.

ثم نظر الملك إلى الزير وقال: أما الزير، الذي كان مبتدأ الحكاية، فقد أصبح خبرًا مؤجلًا لا يلتفت إليه أحد! ولو كان للزير لسان ينطق، لقال: لم يكسرني العطش، بل كثرة من تحدثوا باسمي. لم أكن بحاجة إلى مؤسسة تحمل اسمي، بل إلى يد أمينة تملؤني بالماء. لم أحتج إلى عشرات التواقيع، بل إلى إنسان يتذكر لماذا وُجدت. لقد أصبحت مثل كثير من المؤسسات؛ بدأتُ فكرة صغيرة لخدمة الناس، ثم كبرتُ حتى أصبحتُ قضية، وضاع الإنسان الذي أنشئتُ من أجله بين المكاتب والملفات والأختام.

إن مأساة الزير الحقيقية أنه لم يُهزم بسبب نقص الإمكانات، بل بسبب كثرة من أحاطوا به دون أن يسألوا أنفسهم السؤال الأول: لماذا وُجد؟ فكل مؤسسة تبدأ بفكرة، وكل فكرة تحتاج إلى من يحمي معناها قبل أن يحمي شكلها؛ لأن الخطر الأكبر ليس في غياب الأنظمة، بل في أن تصبح الأنظمة حجابًا يحجب الإنسان عن الهدف الذي أُنشئت من أجله.

علّق الملك خاتمًا كلامه:عندما يختل إعراب الواقع، لا يعود مستغربًا أن يصبح الفقر حالًا، والأوجاع ظرفًا، والعدالة مضافًا إليه، والأمل اسمًا مؤجلًا، والحياة جامدة، والسرور مستثنى، والمستقبل مبنيًا للمجهول، ولا محل له من الإعراب! فالأوطان لا تموت يوم يجف الماء في الزير، بل يوم يقتنع الجميع أن وجود الزير أهم من وصول الماء إلى العطشان.

كانوا يعولون على أن يصاب الملك بجلطة تقتله على حافة الزير أو تُقعده، معتمدين على كبر سنه. وعندما لم يحصل ذلك، نصبوا له كمينًا على طريق عودته واغتالوه. والغريب أن أحدًا من المسؤولين لم يكلف نفسه حتى عناء ملاحقة مطلق النار.

وحين وصل خبر اغتياله إلى القصر، لم تسقط المملكة في ذلك اليوم؛ فالجدران بقيت قائمة، والرايات ظلت مرفوعة، والمكاتب استمرت في استقبال المراجعين، لكن شيئًا خفيًا كان قد انكسر. وعندما وصل جثمان الملك إلى مقابر الملوك في اليوم التالي، وقبل أن يُوارى الثرى، كانت المملكة قد بدأت تتحول إلى ممالك؛ كل صاحب منصب يبحث عن مملكته الصغيرة، وكل مؤسسة تدافع عن حدودها، وكل جماعة ترفع رايتها الخاصة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد