شبكة راية الإعلامية - 8/31/2026 8:10:23 PM - GMT (+2 )
في حلقة جديدة من بودكاست «ضيف الرايـــة» برعاية شركة جوال، استضاف البرنامج المدير التنفيذي لمسرح وسينماتك القصبة سامر مخلوف، في حوار تناول مسيرته المهنية في المسرح والثقافة، ودور المؤسسات الثقافية الفلسطينية في حماية الهوية والسردية الوطنية، إلى جانب واقع السينما والمسرح، ودور الشباب والجامعات في صناعة المشهد الثقافي الفلسطيني.
الحلقة هذه المرة فتحت نقاشاً واسعاً حول التحديات التي تواجه القطاع الثقافي الفلسطيني، وسبل الحفاظ على استمراره في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة وشح التمويل.
أكثر من عشرين عاماً في مسرح القصبة
استهل مخلوف حديثه باستعادة بداياته المهنية في مسرح وسينماتك القصبة، موضحاً أنه انضم إلى المؤسسة قبل أكثر من عشرين عاماً موظفاً في بدايات مسيرته، قبل أن تتوسع تجربته داخل المؤسسة ويتدرج في العمل الثقافي والإداري.
وقال إن السنوات التي قضاها في القصبة شكلت جزءاً أساسياً من تجربته الشخصية والمهنية، مشيراً إلى أن المسرح والسينما في القصبة ارتبطا بذاكرة أجيال فلسطينية، سواء من خلال العروض المسرحية أو الأفلام والفعاليات الثقافية.
وأكد أن القصبة لم تقتصر مهمتها على تقديم العروض، بل أسهمت على مدار سنوات في الحفاظ على التراث الثقافي والمسرحي الفلسطيني ونشر الثقافة الفلسطينية محلياً وعربياً ودولياً، من خلال المشاركات في المهرجانات المختلفة والجوائز التي حصدتها أعمالها.
وأضاف أن المؤسسة، رغم الظروف الصعبة التي مرت بها، استعادت حضورها في المشهد الثقافي الفلسطيني، وأن أبوابها اليوم مفتوحة أمام الجمهور والفنانين والفاعلين الثقافيين.
المسرح والثقافة.. مساحة لحماية الهوية الفلسطينية
وفي حديثه عن علاقته الشخصية بالثقافة، أوضح مخلوف أن ارتباطه بالمجال الثقافي بدأ منذ الطفولة، عندما شارك في المسرحيات المدرسية وتعلم الموسيقى والعزف، قبل أن يتعمق ارتباطه بالمسرح والفنون بعد التحاقه بمسرح القصبة.
ويرى مخلوف أن الثقافة ليست مساحة للترفيه فقط، بل تشكل حاجة أساسية للفلسطينيين، باعتبارها مجالاً للتعبير عن القضايا المختلفة، والتعريف بالقضية الفلسطينية محلياً وعالمياً.
وشدد على أهمية تعزيز الهوية الثقافية الفلسطينية في ظل ما وصفه بالحرب الشرسة على السردية والهوية الفلسطينية، مؤكداً أن المؤسسات الثقافية والفنانين والمثقفين يمثلون خط دفاع أساسياً في مواجهة محاولات التشويه والتزوير.
وقال إن السينما والمسرح والفن الفلسطيني لعبت خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في إيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم، مشيراً إلى أن انتشار الأفلام الفلسطينية والموسيقى والفنون المختلفة أسهم في زيادة التعاطف العالمي مع القضية الفلسطينية والتعريف بما يعيشه الشعب الفلسطيني.
«الثقافة الفلسطينية لا يجب أن تكون رهينة التمويل»
وتطرق مخلوف إلى أزمة التمويل التي تواجه المؤسسات الثقافية الفلسطينية، مؤكداً أن الاعتماد الكامل على التمويل الخارجي لم يعد خياراً مستداماً، خصوصاً في ظل التراجع الكبير في مصادر التمويل وظهور شروط سياسية مرتبطة ببعض أشكال الدعم.
وأكد أن المرحلة الحالية تفرض على المؤسسات الثقافية إعادة التفكير في نماذج عملها، وتحويل الثقافة والفنون تدريجياً إلى صناعة قادرة على تحقيق قدر من الاستدامة المالية، من دون التخلي عن الجودة أو الرسالة الثقافية.
وأشار إلى أن بعض التجارب بدأت بالفعل في الاعتماد على مصادر دخل ذاتية، من بينها بيع التذاكر وتأجير المساحات وتقديم البرامج والفعاليات، إلى جانب البحث عن شركاء ومصادر تمويل جديدة.
وأضاف أن هناك أيضاً اهتماماً من فلسطينيين في الخارج بالمساهمة في دعم المؤسسات والمشاريع الثقافية الفلسطينية، إلى جانب علاقات وشراكات مع مؤسسات ثقافية دولية متضامنة مع الشعب الفلسطيني.
القصبة تجاوزت خطر الإغلاق
وكشف مخلوف أن مسرح وسينماتك القصبة مر خلال السنوات الماضية بمرحلة صعبة وصلت إلى حد التهديد بوجود المؤسسة نفسها وإمكانية إغلاقها.
وأوضح أن مالك المبنى كان يعتزم هدمه وإقامة مجمع تجاري مكانه، وهو ما كان سيعني فقدان جزء مهم من الذاكرة الثقافية لمدينة رام الله.
وأشار إلى أن جهود العاملين في المؤسسة، إلى جانب دعم عدد من الأصدقاء والفاعلين الثقافيين ووزارة الثقافة والحكومة الفلسطينية، أسهمت في تجاوز الأزمة، مبيناً أن الحكومة الفلسطينية قامت باستمللاك مبنى مسرح وسينماتك القصبة.
وأكد أن المؤسسة استعادت نشاطها وأصبحت اليوم مستقرة وفاعلة وتقدم برنامجاً أسبوعياً متنوعاً في المسرح والموسيقى والسينما والفعاليات الثقافية.
السينما الفلسطينية تصل إلى العالم.. لكن الجمهور المحلي محروم منها
وفي محور آخر، تحدث مخلوف عن واقع السينما الفلسطينية، مشيراً إلى أن قطاع إنتاج الأفلام الفلسطينية حقق تقدماً لافتاً، وأن عدداً من الأفلام الفلسطينية وصل إلى مهرجانات وجوائز عالمية، بما فيها جوائز الأوسكار.
لكنه أشار إلى مفارقة تتمثل في أن هذه الأفلام التي تصل إلى الجمهور العالمي لا تحظى بالعرض الكافي أمام الجمهور الفلسطيني، بسبب قلة دور السينما في فلسطين.
وأوضح مخلوف في حديثه عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن «سينماتك القصبة» تركز على عرض الأفلام البديلة وغير التجارية، باعتبارها مساحة مخصصة للسينما الفنية والثقافية، في ظل محدودية عدد دور العرض السينمائي في فلسطين.
كما أشار إلى مشكلة القرصنة الرقمية، التي تؤدي إلى وصول الأفلام إلى الجمهور الفلسطيني بصورة غير قانونية، ما يحرم المشاهد من تجربة السينما الكاملة.
وأكد أن مشاهدة الفيلم في قاعة سينما مجهزة تختلف عن مشاهدته على شاشة الحاسوب أو الهاتف، نظراً إلى أهمية جودة الصورة والصوت والمؤثرات في اكتمال التجربة السينمائية.
ودعا إلى زيادة عدد دور السينما في المدن الفلسطينية، مستذكراً أن فلسطين كانت تاريخياً تمتلك عدداً أكبر من دور العرض السينمائي في القدس وغزة ونابلس وجنين ورام الله وغيرها، قبل أن تتراجع هذه الظاهرة بفعل التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
«القصبة حاضنة مفتوحة للشباب»
وشكل دور الشباب محوراً بارزاً في الحوار، حيث أكد مخلوف أن مسرح وسينماتك القصبة اتخذ منذ سنوات قراراً بتحويل المؤسسة إلى مساحة مفتوحة للفنانين، وخاصة الفنانين الشباب والمستقلين.
وأوضح أن كثيراً من الفنانين الشباب يمتلكون الموهبة والقدرة على الإبداع، لكنهم يفتقرون إلى المساحات التي تمكنهم من التدريب والإنتاج والالتقاء بالجمهور.
وقال إن القصبة توفر مساحات للتدريب والعروض والقراءات المسرحية واللقاءات، إضافة إلى بعض المعدات والأدوات، مؤكداً أن دور المؤسسة الثقافية هو خدمة المجتمع والفنانين، وليس إغلاق أبوابها أمامهم.
ووجه مخلوف دعوة مفتوحة إلى الفنانين والمجموعات الشبابية التي تمتلك أفكاراً أو مشاريع فنية للتواصل مع القصبة والاستفادة من المساحات المتاحة فيها.
أكاديمية الدراما.. تجربة خرّجت جيلاً من الفنانين
وتحدث مخلوف عن تجربة أكاديمية الدراما التي أطلقها مسرح القصبة واستمرت لعدة سنوات، موضحاً أنها كانت تجربة مميزة بالتعاون مع جامعة فولكفانغ في ألمانيا.
وأشار إلى أن الأكاديمية أغلقت في عام 2020 بسبب الأعباء المالية وعدم القدرة على تأمين التمويل اللازم لاستمرارها، إلا أن المؤسسة واصلت العمل في مجال التدريب المسرحي من خلال برامج ومساحات تدريبية مختلفة.
وأكد أن خريجي الأكاديمية خلال الفترة الممتدة تقريباً بين عامي 2010 و2020 أصبحوا اليوم جزءاً من المشهد الثقافي والفني الفلسطيني، ويعملون في مؤسسات مسرحية وثقافية ويشاركون في الأفلام والإنتاجات الفلسطينية.
وأشار إلى أن عدداً من المدربين العاملين اليوم في الجامعات الفلسطينية هم أيضاً من خريجي القصبة، الأمر الذي يساهم في نقل المعرفة والخبرة من جيل إلى آخر.
مهرجان المسرح الجامعي.. تسع جامعات تصنع عروضها
وفي سياق الحديث عن الشباب والجامعات، كشف مخلوف أن مسرح القصبة ينظم المهرجان المسرحي الجامعي الفلسطيني، الذي وصل إلى نسخته الثالثة، بمشاركة نحو تسع جامعات فلسطينية.
وأوضح أن المشروع يهدف إلى تأسيس أندية للدراما والفنون داخل الجامعات، وتوفير مساحة للطلاب للتعبير عن أنفسهم وتنمية قدراتهم على التفكير النقدي والتواصل مع الجمهور.
ويخضع الطلاب لتدريبات نظرية وعملية بإشراف مدربين متخصصين، فيما تعمل كل جامعة على إنتاج مسرحية من إعداد وكتابة وتمثيل الطلاب أنفسهم.
وتتنافس العروض في المهرجان أمام لجنة تحكيم تختار الأعمال الفائزة، إضافة إلى جوائز فردية في مجالات مختلفة.
وأكد مخلوف أن التجربة أظهرت نتائج مهمة، إذ تمكن عدد من الطلاب الذين كانوا يعانون من الخجل والتردد من الوقوف أمام الجمهور والتعبير عن آرائهم ومناقشة قضاياهم.
وأضاف أن بعض العروض والطلاب المشاركين تمكنوا لاحقاً من المشاركة في مهرجانات عربية، من بينها مهرجانات في تونس والمغرب، وهو ما منحهم فرصة لعرض قضاياهم وتجاربهم أمام جمهور عربي ودولي.
نابلس بحاجة إلى بنية تحتية ثقافية
وتوقف الحوار عند واقع الثقافة في مدينة نابلس، حيث اعتبر مخلوف أن المدينة، رغم تاريخها الثقافي العريق، تعاني اليوم نقصاً واضحاً في المؤسسات والمساحات الثقافية.
وأشار إلى أن المدينة كانت تاريخياً حاضنة للمسرح والحرف والسينما والفنون، لكنها اليوم تفتقر إلى عدد كافٍ من المساحات المجهزة للإنتاج والعروض.
ودعا الجهات الحكومية والمانحين والقطاع الخاص إلى توجيه مزيد من الاهتمام إلى المدن الفلسطينية خارج مركز النشاط الثقافي في رام الله، مؤكداً أن تطوير البنية التحتية الثقافية في هذه المدن من شأنه أن يساهم في اكتشاف المواهب ودعم الفنانين المحليين.
كما أكد أهمية المبادرات الشبابية في نابلس، مشيراً إلى مجموعات من الشباب التي تبحث عن مساحة لإنشاء مسرح واحتضان المواهب، ومؤكداً استعداد القصبة للتعاون معها وتوفير الدعم الممكن.
ما بعد المهرجان.. فرص جديدة أمام المواهب
وأوضح مخلوف أن مهرجان المسرح الجامعي لا ينتهي بانتهاء أيام العروض، بل يمثل بداية لمسارات جديدة أمام الطلاب المشاركين.
وأشار إلى أن بعض الطلاب يواصلون العمل في مجال التمثيل، بينما ينتقل آخرون إلى مجالات فنية وثقافية مختلفة، لافتاً إلى أن عدداً من خريجي برامج القصبة أصبحوا يعملون في مسارح وفرق إنتاج وأعمال درامية فلسطينية.
كما دعا إلى توفير موازنات أكبر للفرق الجامعية حتى تتمكن من المشاركة في المهرجانات العربية والدولية، مشيراً إلى أن العائق المالي يمثل أحد أبرز التحديات أمام انتقال هذه التجارب إلى الخارج.
وأكد أن مشاركة الشباب الفلسطيني في المهرجانات الدولية لا تعزز خبراتهم الفنية فحسب، بل تمنحهم أيضاً فرصة لطرح القضايا الوطنية الفلسطينية أمام الجمهور العربي والعالمي.
دعوة للقطاع الخاص لدعم الثقافة
وشدد مخلوف على أهمية دور القطاع الخاص في دعم الفنانين الشباب والإنتاجات الثقافية، باعتبار ذلك جزءاً من المسؤولية المجتمعية للشركات.
ورأى أن رعاية المشاريع الفنية والمسرحية والشبابية يمكن أن توفر فرصاً جديدة للفنانين، وتساعد على استمرار الإنتاج الثقافي الفلسطيني.
وأكد أن الفن والثقافة الفلسطينيين مرتبطان بقضية وطنية واضحة، وأن المؤسسات الثقافية لا يمكن أن تتعامل مع هذه القضايا باعتبارها منفصلة عن واقع المجتمع الفلسطيني.
«نحتاج إلى التعاون لا المنافسة»
وفي ختام الحوار، تحدث مخلوف عن مستقبل القطاع الثقافي الفلسطيني، معتبراً أن المؤسسات الثقافية تواجه مرحلة حساسة وصعبة بسبب شح التمويل وتراجع الدعم التقليدي.
وقال إن هذه المرحلة تتطلب إعادة التفكير في طبيعة العمل الثقافي ونماذج الاستدامة المالية، إلى جانب تطوير مصادر التمويل الذاتي والبحث عن شراكات جديدة.
وشدد على أهمية التشبيك بين المؤسسات الثقافية، معتبراً أن العمل الثقافي الفلسطيني يحتاج إلى التعاون والتكامل أكثر من المنافسة.
وأكد أن إغلاق أي مؤسسة ثقافية في أي مدينة فلسطينية يمثل خسارة للمجتمع، نظراً إلى الدور الذي تؤديه الثقافة في حماية الهوية وتعزيز السردية الفلسطينية.
واختتم مخلوف بالتأكيد على أن مستقبل الثقافة الفلسطينية يحتاج إلى تكاتف المؤسسات والفنانين والقطاع الخاص والجهات الرسمية والداعمين، من أجل ضمان استمرار المساحات الثقافية وحماية دورها في المجتمع.
وجاءت الحلقة الجديدة من بودكاست «ضيف الراية» ضمن سلسلة الحوارات التي تقدمها شبكة راية الإعلامية، وتسلط الضوء على التجارب المهنية والشخصية لضيوفها، بهدف التعرف إلى جوانب مختلفة من مسيرتهم والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم.
بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.
إقرأ المزيد


