لا نريد قوائم جيلية بل قوى قادرة على التغيير
وكالة سوا الاخبارية -
2026/08/31

أتابع باهتمام الحراك الشبابي المتصاعد، واللقاءات والمشاورات التي تجري لبحث المشاركة في الانتخابات المقبلة واحتمالات تشكيل قوائم جديدة. 
وهي حالة إيجابية تعكس رغبة متنامية في كسر الجمود، واستعادة الفعل السياسي، و فتح الطريق أمام تجديد الحياة السياسية الفلسطينية.

لكن نجاح هذه الجهود يتطلب منذ البداية تجاوز عدد من المحاذير، وفي مقدمتها عدم اختزال فكرة التغيير في عنوان «القائمة الشبابية».

الشباب يجب أن يكونوا في قلب التغيير لكن التغيير ليس مشروعاً جيلياً مغلقاً، ولا يمكن أن تتحول مواجهة الإقصاء الجيلي إلى إعادة إنتاج إقصاء جيلي جديد. 
المطلوب هو تجديد جيلي متكامل، وتكامل بين الأجيال، وشراكة بين الشباب والخبرة، وبين الطاقات الجديدة وأصحاب التجربة، وبين الحضور المجتمعي والكفاءة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.

فالقائمة التي تريد أن تنافس على صناعة المستقبل لا ينبغي أن تسأل كم شاباً لدينا؟ بل يجب أن تسأل ماذا نمتلك من كفاءة وخبرة وحضور وقدرة وقوة وعلاقات وأدوات تمكننا من صناعة التغيير؟

القائمة القوية هي التي تجمع في بنيتها التنوع الجيلي، والتنوع الجغرافي، والتنوع الاجتماعي، والتنوع المهني والتخصصي، والتنوع الاقتصادي والثقافي والسياسي. 
تضم الشباب والنساء والخبرات، والأكاديميين والمهنيين، والفاعلين الاجتماعيين والميدانيين، والشخصيات العامة والأعيان، ورجال الاقتصاد والأعمال، وأصحاب العلاقات الإقليمية والدولية، وكل من يمتلك رصيداً حقيقياً من الثقة والحضور والقدرة على العمل العام.

وهنا يجب أن نقرأ المشهد الفلسطيني علي حقيقته والذي يعيش واقعاً وطنياً كارثياً، تجاوز بكثير حدود الأزمة السياسية التقليدية. 

غزة أمام كارثة إنسانية وعمرانية واقتصادية واجتماعية هائلة، والضفة تواجه بدورها ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية متصاعدة. وفي مثل هذا الواقع، لن يكون الناخب معنياً فقط بمن يرفع الشعارات الأكثر جاذبية، بل بمن يملك إجابة حقيقية عن سؤال أكثر قسوة من يستطيع أن يرفع المعاناة؟ ومن يستطيع أن يفتح أبواب الإنقاذ وإعادة الإعمار؟ ومن يمتلك أدوات التأثير والقدرة على تحويل الوعود إلى نتائج نحو تغيير النظام السياسي الشامل ؟

لقد ارتفعت كلفة الانتخابات المقبلة سياسياً ووطنياً. ولم يعد ممكناً التعامل معها باعتبارها منافسة تقليدية بين شعارات انتخابية وبرامج عامة متشابهة.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى منظومة قدرة وطنية واسعة تتمتع بمواصفات خاصة تمتلك علاقات دبلوماسية، قنوات إقليمية ودولية، شخصيات ذات تأثير، خبرات سياسية واقتصادية، رجال مال وأعمال، مؤسسات وصناديق تمويل، علاقات مع الجهات المانحة، خبرات في إعادة الإعمار، إدارة للمشروعات، وقدرة على استقطاب الدعم الدولي والعربي وتحويله إلى مشاريع وفرص وحياة للناس.

وهذه الأدوات لا يحتكرها جيل دون آخر، ولا فصيل دون آخر، ولا قطاع اجتماعي بعينه.

لذلك فإن الرهان على أن غضب الناس من الفصائل سيقود تلقائياً إلى التصويت لأي قائمة جديدة هو رهان غير كافٍ. 
الغضب لا يساوي الثقة، والرغبة في التغيير لا تعني قبول أي بديل.

الناخب قد يكون غاضباً من الماضي، لكنه في لحظة الاختيار سيبحث عن المستقبل.

كما أن القوى السياسية التقليدية لن تقف متفرجة. فهي تدرك طبيعة المزاج الشعبي، وتعرف قيمة الأصوات الجديدة والكتل المترددة، ومن المرجح أن تسعى إلى إنتاج قوائم أو تحالفات ومسارات موازية لاستيعاب هذا المزاج وعدم السماح باستنزاف قاعدتها الانتخابية.

وهنا تحديداً تصبح المعركة الحقيقية معركة القدرة على التجميع لا القدرة على التفتيت.

لا نريد عشرات القوائم التي تتنافس على الكتلة نفسها، فتشتت الأصوات وتستنزف الأوزان الانتخابية وتمنح الآخرين فرصة أكبر. 
نريد تجميعاً ذكياً للقوى الجديدة، وتحالفات عابرة للأجيال، وشراكات عابرة للفصائل، وائتلافات قادرة على إنتاج كتلة انتخابية ذات وزن وتأثير.

نريد الانتقال من التنافس الجيلي إلى التكامل الجيلي، ومن الإقصاء الجيلي إلى الشراكة الجيلية، ومن احتكار الخبرة إلى تدويرها، ومن احتكار الشباب إلى تمكينهم، ومن الصراع على المواقع إلى التنافس على القدرة.

فالبرلمان المقبل يجب ألا يكون انعكاساً لصراع الأجيال، بل مساحة لتمثيلها جميعاً.

نريد شباباً يمتلكون الطاقة والأفكار والأدوات الرقمية، وخبرات تمتلك المعرفة والتجربة، وشخصيات تمتلك الحضور والعلاقات، واقتصاديين يعرفون كيف تُدار الأزمات، ودبلوماسيين يعرفون كيف تُفتح الأبواب، ورجال أعمال قادرين على الاستثمار في إعادة الإعمار، وفاعلين اجتماعيين يعرفون نبض المجتمع، وشخصيات ميدانية تعرف احتياجات الناس هذه هي معادلة القوة الجديدة التي يريدها الناس.

والقوة هنا ليست قوة النفوذ أو المال وحدهما، وإنما قوة القدرة على جمع الموارد، وبناء العلاقات، وصناعة التحالفات، وتحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى حياة أفضل للناس.

لقد تجاوزت الانتخابات المقبلة مرحلة من سيرفع الشعار الأفضل الي صيغ اكثر جدية وواقعية حول من يمتلك قوة التغيير ودفعها إلى الأمام ومن يمتلك برنامجاً للإنقاذ والإعمار، ومن يمتلك شبكة علاقات قادرة على فتح الأبواب،ومن يمتلك الكفاءة والخبرة والحضور والثقة، ومن يستطيع أن يجمع الأجيال والقطاعات والمناطق الجغرافية والتخصصات تحت مشروع وطني واحد، فليتقدم.

أما من يعتقد أن مجرد امتلاك عنوان «الشباب» أو رفع شعار «التغيير» يكفي للحصول على ثقة الناس، فعليه أن يعيد حساباته.

الصندوق هو كلمة الفصل وهو الذي سيحسم بين القديم والجديد، وبين الشعارات والقدرة، وبين الادعاء والإنجاز، وبين القوائم التي تبحث عن تمثيل والقوائم التي تستطيع أن تصنع تغييراً.

لذلك لا نريد قوائم جيلية مغلقة، ولا قوائم أشخاص، ولا قوائم شعارات نريد قوائم برامج، وكفاءات، وقدرات، وشراكات، وتنوع، ورؤية.

نريد قوائم تستطيع أن تنقل المجتمع من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة الخروج منها، ومن انتظار المساعدات إلى صناعة الفرص، ومن إعادة إنتاج الواقع إلى تغييره.

فالمطلوب ليس أن يصل أكبر عدد من القوائم إلى الصندوق بل المطلوب اليوم أن تصل إلى البرلمان قوى تستطيع أن تحمل ثقل المرحلة، وأن تمتلك أدوات إنقاذ الناس وإعادة بناء الوطن فالعدد ليس هو القوة والقوة تكمن في القدرة، والقدرة في الكفاءة، والكفاءة في التنوع، والتنوع في الشراكة، والشراكة في صناعة التغيير.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد