لم الاصرار على تغييب الصوت المقدسي الحقيقي ؟!
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: احمد صيام 

في الوقت الذي تحتل فيه مدينة القدس موقعا مُتقدما جدا في الاستراتيجيات الاسرائيلية ، فانها تترنح في سلم الاولويات الفلسطينية ، ولم تعد تتصدر الاهتمامات سوى في الشعارات التي سرعان ما تتلاشى ، وازداد الوضع سوءا في القدس بعد رحيل أميرها الشهيد فيصل الحسيني عام 2001 ، والذي كان يشكل المرجعية الوطنية الوحيدة تقريبا للمقدسيين ، ومن بعده الرئيس المؤسس الشهيد ياسر عرفات الذي لم يكن يبخل حتى بدمه لتلبية احتياجات المدينة واهلها . اهلها الذين تشتتوا من بعدهما ووجدوا انفسهم منخرطين في صراع الولاءات مع تعدد المرجعيات ، والتي تشكلت بناءا على اعتبارات سلطوية ذاتية خاصة ، وليس ضمن رؤية وطنية موحدة ، ما ادى الى تداخل في الصلاحيات فيما بينها ، وخلق شكلا من اشكال الصراع والتصادم بينها ، وبات كل منها تتدعي المسؤولية والابوة للقدس ، حتى باتت غير مُقنعة ، بل وعاجزة عن ملىء الفراغ الذي بات سيد الموقف في القدس بعد رحيل الشهيد فيصل الحسيني ، الامر الذي ولد  فقدان للثقة من قبل المقدسيين بالسلطة الفلسطينية ومؤسساتها . 
وفي الوقت الذي تعيش فيه المدينة المقدسة واقعا مُعقدا للغاية ، حيث يواجه المجتمع المقدسي تحديات مُستمرة ومُمنهجة تهدف إلى طمس هويته العربية والفلسطينية ، وعزل سرديته عن المشهد المحلي والإقليمي والدولي ، فانها تتعرض الى تغييب مُتعمد وتهميش مقصود ، من ذوي الشان في الجانب الفلسطيني ، من حيث تعدد الأدوات والأساليب المُتبعة تحت ادعاء " تعزيز الصمود " ، والتي تساهم بشكل او باخر في مُصادرة وتغييب الصوت المقدسي الوطني ، واختصاره واختزاله بواقع باطل في اساسه ، زائف في مكوناته ، لا يُعبر عن نبض الشارع المقدسي الأصيل والحقيقي ، باهت في سياساته ، معزول عن واقع المدينة ومشاكلها ، مُقيد بتحركاته المرتبطة بسياسات الاعلى منه ، حتى لو كانت تتضارب والتحديات التي تعصف بالمدينة . 
المقدسيون باللغة العامية " بلا أب " ، ويواجهون فراغاً قيادياً حاداً ، نتيجة لغياب مرجعية شاملة موحدة وفاعلة ، تدير شؤونهم اليومية وتدافع عن حقوقهم ، وتلبي قدر المُمكن احتياجاتهم ، هذا الفراغ ناتج عن تداخل عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وميدانية ، اولا فلسطينية بحتة ، ومن ثم عوامل خارج الارادة الفلسطينية ، التقت وأدت إلى إضعاف ان لم يكن انهاء الدورالوطني داخل مدينة القدس ، فتعدد المرجعيات وصراعاتها واختلاف اولوياتها ، وغياب الشخصيات المؤثرة التي تحظى باجماع واحترام الشارع المقدسي ، فتح الباب على مصراعيه امام سلطات الاحتلال للاسراع في تمريرمخططاتها التهويدية للمدينة المقدسة على كافة الاصعدة ، الامر الذي خلق ازمة حقيقية ، مست القدرة الفلسطينية على التنظيم وتوحيد الصفوف لمواجهة هذه المخططات الى درجة الاستسلام ، والتسليم باجراءات الاحتلال ، ودفع الشارع الى تحولات قيادية اخرى ، كاللجان الوطنية ، او المخاتير ، اورجال العشائر ، وربما لجان الاحياء ، او قيادات من انتاج الاحتلال تغلغلت في الوسط المقدسي على شكل مؤثرين ومُقدمي خدمات باستطاعتهم تامين وسائل عيش مُمكنة من سلطات الاحتلال واجهزتها المدنية ،  ولكنها لم تكن فاعلة او مؤثرة بالشكل الذي من شانه ان يملىء الفراغ الوطني ، ، حتى القيادة الفلسطينية بجميع مكوناتها ، لم تعط الفراغ القيادي في القدس الاولوية المطلوبة ، وتراخت بالامر ، وربما لم تكن معنية بمواجهة السياسات والاجراءات الاحتلالية الاسرائيلية التي عمدت الى إلى تفكيك أي مركز تأثير مقدسي ، عبر ملاحقة الشخصيات الرسمية والشعبية الدينية والسياسية ، وإغلاق المؤسسات ، ومنع التمويل ، ومُحاصرة القيادات الاجتماعية الناشطة ، وهو ما اثر سلبا على مدار السنوات الماضية على قدرة المقدسيين على الثبات والصمود ، ودفع باتجاه هجرة مقدسية طوعية الى مناطق " العيش فيها اقل كلفة " ، وتراجعا في حضور النُخب الفكرية والتربوية والسياسية والاجتماعية التي كانت سابقاً تُشكل صمام أمان مجتمعي وقيادي في المدينة المقدسة ، وتراجعا كبيرا في دور المؤسسات الكبرى بكل اختصاصاتها . 
والصادم بالامر ، ان القيادة الفلسطينية ، وفي الوقت الذي باتت فيه القدس بعيدة عن الارادة الفلسطينية ، ما زالت تتغنى بالقدس وتختزلها بقياداتها المتناثرة غير الفاعلة ، دون ادنى اهتمام او ادراك لاهمية ومعنى ضرورة ترتيب البيت الوطني المقدسي ، الذي بات بامس الحاجة الى : توحيد الصفوف المقدسية الداخلية وتشكيل مرجعية وطنية وسياسية واجتماعية مُوحدة في المدينة  لمواجهة التحديات والدفاع عن المدينة ومقدساتها ، وجمع مختلف أبناء وفصائل ومؤسسات القدس على هدف مُشترك لدعم صمود المدينة ، وتشكيل قيادة ، غير تلك التي باتت عاجزة وفشلت في ادارة الشأن المقدسي ، أو إطارمجتمعي ووطني يمثل أهالي القدس بكل مكوناتهم ويحظى بثقتهم واجماعهم ، ولا يستثني أحداً ليدير شؤونهم بحنكة وحكمة ، ما من شأن ذلك ان يعمل على تقوية المؤسسات الأهلية والتعليمية والصحية والشبابية داخل المدينة المقدسة ، ويُعزز من سُبل وامكانية التصدي الجماعي للاعتداءات والمخططات التهويدية التي تستهدف الكل المقدس ياوقافه الإسلامية والمسيحية والوجود العربي الفلسطيني في القدس ، وهو ما يتطلب استراتيجية وطنية حقيقية تقوم على انكار الذات اولا ، ومن ثم تؤكد على ان القدس العاصمة الابدية لدولة فلسطين وتُعزز من تثبيت الوجود العربي الفلسطيني في المدينة المقدسة ، ومواجهة سياسات الاحتلال ، وترسخ الانتماء الوطني ، وحماية الهوية العربية الإسلامية والمسيحية للمدينة .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد