السلامة المهنية الشاملة كمدخل للتعافي الاقتصادي والصمود في غزة وفلسطين
وكالة سوا الاخبارية -
2026/09/01

تتجاوز السلامة المهنية الشاملة في مفهومها المعاصر الأطر التقليدية المحصورة في توفير أدوات الوقاية الفردية البسيطة أو تجنب الإصابات الجسدية المباشرة، لترتقي إلى فلسفة متكاملة تُعنى بحماية الإنسان في بيئة عمله من كافة النواحي الجسدية والنفسية والاجتماعية والبيئية.

إن العامل الذي يكدح يومياً لبناء مجتمعه ودعم اقتصاده لا يحتاج فقط إلى خوذة تحمي رأسه أو حذاء يقي خطاه، بل يحتاج بالقدر نفسه إلى بيئة عمل تضمن توازنه النفسي، وتصون كرامته الاجتماعية، وتوفر له الشعور بالأمان والاستقرار الوظيفي، وتحميه من المخاطر البيئية والمكانية الخفية.

ومن هنا يتطور مفهوم السلامة المهنية الشاملة ليصبح نهجاً استراتيجياً ومنظومة متكاملة تهدف إلى توفير الأمان التام للعامل في كافة أبعاد حياته المهنية — الجسدية والنفسية والاجتماعية والبيئية — من خلال التنبؤ بالمخاطر وتقييمها والسيطرة عليها، بما يضمن الوقاية من الإصابات والأمراض المهنية، ويدعم التوازن الاستقراري النفسي، ويُعزز الحماية الاجتماعية والعدالة في بيئة العمل، ضماناً لاستدامة رأس المال البشري وتحسيناً لجودة الحياة والإنتاجية.

فالإنسان هو جوهر العملية الإنتاجية، وحماية صحته النفسية والبدنية والاجتماعية ومواجهة ما يتعرض له من ضغوط واحتراق وظيفي ليست مجرد التزام أخلاقي أو حقوقي فحسب، بل هي المحرك الرئيسي لرفع كفاءة الإنتاج، وتحسين جودة الأداء المؤسسي، وخفض تكاليف الحوادث والإصابات، وعلى المستوى الكلي، يُسهم الاستثمار في السلامة الشاملة في تعزيز الصلابة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات، لاسيما في أوقات الحروب والأزمات والنزاعات، مما يضمن ثبات علاقات العمل واستمرارية عجلة التنمية المستدامة.

ويتضاعف هذا المفهوم أهميةً وتعقيداً عندما نلتفت إلى واقع العمال في فلسطين، وعلى وجه الخصوص في قطاع غزة ، الذي يمثل النموذج الأكثر قسوة وشاهداً صارخاً على انهيار مقومات البيئة اللائقة للعمل. فلقد فرضت الحرب والعدوان المستمر، والحصار الممتد، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة واقعاً استثنائياً يواجه فيه العامل الفلسطيني مخاطر مرادفة للموت في كل لحظة يؤدي فيها واجبه؛ بدءاً من الطواقم الطبية والإسعافية التي تعمل تحت القصف المستمر والإنهاك النفسي التراكمي، مراراً بطواقم الدفاع المدني وعمال البلديات الذين يتعاملون بأدوات بدائية مع الأنقاض والمياه العادمة والنفايات الصلبة المتراكمة، وصولاً إلى عمال إزالة الركام والشاحنات والصحفيين في الميدان.

وإن الصدمات النفسية المركبة واضطرابات ما بعد الصدمة التراكمية التي يعيشها عمالنا، والضغوط الهائلة الناتجة عن العمل تحت النار وفقدان الأمان الاجتماعي وضياع مصادر الرزق، باتت تهدد السلم الاجتماعي والمستقبل الاقتصادي برمته، مما يجعل من مفهوم السلامة الشاملة ضرورة حتمية لا تحتمل التأجيل أو المماطلة.

ولا يمكن للحديث عن السلامة المهنية الشاملة في الواقع الفلسطيني أن يستقيم دون الوقوف بجديّة أمام العدوان البيئي والمكاني الذي خلقه دمار البنية التحتية والمباني السكنية والمنشآت الاقتصادية، إذ إن العامل الفلسطيني اليوم لا يواجه فقط مخاطر الآلات أو أدوات الإنتاج التقليدية، بل يتحرك في بيئات عمل مفخخة بتهديدات بيئية وصحية جسيمة؛ بدءاً من التعرض المباشر للأجسام والمقذوفات الحربية غير المنفجرة المخبأة تحت الأنقاض، مروراً باستنشاق الأغبرة السامة والألياف المسرطنة وعلى رأسها غبار الأسبستوس المتطاير من ركام المباني المتهدمة، وصولاً إلى العمل في محيط ملوث بالغازات وتسرب مياه الصرف الصحي والمواد الكيميائية.

تلك التهديدات تتضاعف خطورتها في ظل العرقلة المتعمدة ورفض إدخال أجهزة فحص الغازات، وكواشف الأسبستوس، والأقنعة التنفسية المتخصصة بحجة تصنيفها كمواد "مزدوجة الاستخدام"، مما يحول دون التقييم البيئي للمخاطر قبل الشروع في أي عمل لإزالة الأنقاض وإعادة الإعمار، ويُنذر بفرض فاتورة صحية واقتصادية باهظة مستقبلاً جراء انتشار الأمراض الرئوية المزمنة، والسرطانات، وارتفاع معدلات الإعاقة الدائمة بين الأيدي العاملة الماهرة.

وعلى الصعيد التشريعي والقانوني، يكشف الواقع الميداني عن ثغرة هيكلية حادة تتمثل في قصور التشريعات العمالية التقليدية عن الاستجابة لظروف القوة القاهرة والحروب والأزمات؛ إذ إن أطر الحماية الحالية والعديد من التأمينات ضد إصابات العمل التقليدية تتنصل من حوادث العمل والإصابات الناجمة عن الأفعال الحربية أو الأزمات الكبرى، مما يترك العمال وعائلاتهم دون أي سند اجتماعي أو تعويض مالي عند التعرض للإصابة أو الشهادة أثناء أداء الواجب المهني.

ويضاف إلى ذلك اتساع رقعة القطاع غير المنظم في فلسطين، والذي يضم شريحة واسعة من العمال الذين يعملون دون عقود رسمية أو تغطية تأمينية، وهو ما يفرض تحديث المنظومة القانونية بشكل عاجل لسنّ تشريعات وطنية طارئة تضمن التغطية الشاملة لحوادث العمل أثناء الأزمات، وتلزم أرباب العمل بتوفير المعايير الدنيا للسلامة، وتستحدث شبكة أمان اجتماعي تكافلية تضمن صون كرامة العامل وحقوق أسرته تحت مختلف الظروف.

وأمام هذه التحديات الجسام، تتجه الرسالة اليوم بكل وضوح ومسؤولية إلى كافة الشركاء الاجتماعيين، من حكومات ومؤسسات رسمية، وأصحاب عمل، ونقابات عمالية، ومنظمات دولية وأهلية، للوقوف أمام مسؤولياتهم الوطنية والتاريخية. وللكي لا تظل هذه الرؤية مجرد شعارات نظريّة، فإن الشركاء مطالبون بتحويل هذا النهج إلى مصفوفة التزامات ومهمات عملية محددة؛ إذ تُطالَب الحكومة والجهات الرسمية بإصدار كود السلامة المهنية الشاملة الطارئ لإعادة الإعمار والتعافي، وتطوير أجهزة التفتيش الميداني وتزويدها بالمعدات والخبرات للرقابة على مواقع العمل الأكثر خطورة، مع إنشاء صندوق وطني تكافلي لإصابات العمل والشلل المهني لحماية العاملين في ظروف النزاع.

وفي المقابل، يجب أن يلتزم أصحاب العمل والقطاع الخاص أخلاقياً وقانونياً بتخصيص بند مالي ثابت للسلامة والصحة المهنية الشاملة ضمن ميزانيات كافة المشاريع، وتوفير أدوات الوقاية الشخصية المطابقة للمواصفات الدولية، وتطبيق بروتوكولات تفريغ نفسي وساعات راحة منتظمة لمنع الاحتراق النفسي والمهني لعمالهم.

بينما يقع على عاتق النقابات والاتحادات العمالية تشكيل لجان سلامة ميدانية مستقلة تمتلك صلاحية الرصد والإبلاغ للإيقاف الفوري للأعمال التي تشكل خطراً داهماً على حياة العمال، إلى جانب تنظيم ورش التوعية السريعة قبل بدء العمل حول المخاطر البيئية والمخلفات الحربية، والدفاع عن الحقوق التأمينية والقانونية للعمال المتضررين.

وتتكامل هذه الجهود مع المنظمات الدولية والأهلية المَرجُوّ منها الممارسة الفاعلة للضغط السياسي الدولي لكسر الحظر عن دخول معدات الوقاية الشخصية وأجهزة الكشف الحديثة إلى قطاع غزة وإنهاء ذرائع تصنيفها كمواد مزدوجة الاستخدام، بالإضافة إلى اشتراط معايير السلامة الشاملة والعدالة النفسية والبيئية كشرط إجباري لتمويل أي مشاريع تشغيلية أو مشاريع إعادة الإعمار والتعافي المبكر.

أخيراً، إن المطلوب اليوم هو صياغة عقد اجتماعي جديد يضع السلامة المهنية الشاملة للعمال على رأس الأولويات الوطنية في فلسطين، وبشكل عاجل وطارئ في قطاع غزة. ويجب أن تتضافر الجهود لإعادة بناء البنية التحتية لبيئات العمل وفق أحدث معايير الأمان، وتوفير أدوات الوقاية الشخصية والطبية والبيئية، وتفعيل برامج الدعم النفسي والاجتماعي المستدامة لمساعدة العمال على التعافي من آثار الحرب والعدوان.

إن حماية صحة العمال الجسدية والنفسية والاجتماعية والبيئية هي الحصن الأخير المتبقي لصمود مجتمعنا، والاستثمار الفعلي في حماية الإنسان هو الطريق الوحيد لتجنب التكاليف الاقتصادية الباهرة وحماية سوق العمل الفلسطيني، وصولاً إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتعافي الاقتصادي المنشود.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد