شبكة راية الإعلامية - 9/1/2026 10:55:21 AM - GMT (+2 )
تتسع تداعيات الحرب في قطاع غزة لتطال واحدة من أكثر تفاصيل الحياة ارتباطاً بالاستقرار الأسري، وهي السكن والزواج، في ظل دمار واسع أصاب الوحدات السكنية، واستمرار النزوح، وارتفاع كلفة الإيجارات إلى مستويات تفوق قدرة كثير من الأسر والشبان المقبلين على الزواج.
وقال الصحفي من غزة، سفيان الشربجي، إن أزمة السكن أصبحت من أبرز الأزمات التي أعادت تشكيل تفاصيل الحياة اليومية في القطاع، مشيراً إلى أن الدمار الواسع الذي طال الوحدات السكنية أدى إلى تراجع المعروض من المساكن، بالتزامن مع ارتفاع الطلب واستمرار حالة النزوح وعدم وضوح المستقبل.
وأوضح الشربجي، في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن تقريراً للبنك الدولي أشار إلى تعرض نحو 371 ألف وحدة سكنية للضرر، بينها أعداد كبيرة تعرضت لأضرار بالغة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على سوق السكن وعلى الأسر والشباب الذين يبحثون عن مكان للعيش.
الإيجار اليومي والأسبوعي.. نمط سكني فرضته الحرب
وأشار الشربجي إلى ظهور نمط جديد من الإيجار لم يكن مألوفاً قبل الحرب، يتمثل في الإيجار اليومي أو الأسبوعي، موضحاً أن الشاب المقبل على الزواج لم يعد بالضرورة يبحث عن شقة بعقد شهري أو سنوي، وإنما عن غرفة أو شقة لعدة أيام أو أسبوع أو أسبوعين.
وبحسب الشربجي، فإن هذا النمط فرضته الظروف الاقتصادية والإنسانية القاسية، إذ لا يمتلك كثير من المقبلين على الزواج القدرة المالية لدفع إيجار شهر كامل، كما أن حالة عدم الاستقرار تجعل من الصعب معرفة المدة التي يمكن خلالها البقاء في المكان نفسه.
وأضاف أن السكن الذي كان يمثل في السابق عنواناً للاستقرار وبداية حياة جديدة، تحول في غزة إلى محطة مؤقتة، ينتقل بعدها السكان إلى محطة أخرى بحثاً عن مكان أكثر أمناً أو أقل كلفة.
الزواج مؤجل بسبب غياب المسكن
وانعكست أزمة السكن بشكل مباشر على الشباب المقبلين على الزواج والأسر حديثة التكوين، إذ أصبح تأمين مكان للسكن واحداً من أصعب القرارات التي تسبق الزواج نفسه.
وتناول الشربجي في تقريره قصة الشاب محمد يونس، الذي اضطر إلى تأجيل زواجه لمدة عامين، على أمل أن تتحسن الأوضاع ويتمكن من تأمين منزل مناسب له ولزوجته.
لكن استمرار الظروف الصعبة دفعه في النهاية إلى اتخاذ قرار الزواج رغم عدم امتلاكه منزلاً دائماً، ليجد نفسه مضطراً إلى استئجار شقة لمدة أسبوع واحد مقابل نحو 200 دولار.
وقال الشربجي إن المبلغ الذي دفعه محمد مقابل أسبوع واحد كان، قبل الحرب، كافياً لاستئجار شقة لمدة شهر كامل تتوفر فيها ظروف ومقومات الراحة الأساسية.
مئات الدولارات مقابل شقق متضررة
وأكد الشربجي أن الصورة على أرض الواقع أكثر قسوة مما قد توحي به كلمة «شقة»، موضحاً أن الحديث لا يدور بالضرورة عن شقق فندقية أو مساكن مجهزة، بل عن وحدات سكنية تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة الحرب.
وأشار إلى أن إيجار الشقة التي كان يتراوح قبل الحرب بين 100 و150 دولاراً شهرياً، ارتفع في بعض الحالات اليوم إلى ما بين 500 و700 دولار، رغم أن هذه الشقق نفسها قد تكون متضررة وتفتقد إلى كثير من مقومات السكن الأساسية.
وأوضح أن بعض الوحدات تعاني من أضرار في الجدران أو فقدان أجزاء من بنيتها، فضلاً عن نقص أساسيات الحياة، بما في ذلك المياه وخدمات الصرف الصحي وغيرها من الخدمات الضرورية.
وأضاف أن ما يحصل عليه المستأجر في كثير من الحالات لا يتجاوز «سقفاً وأربع جدران» توفر قدراً نسبياً من الأمان، مقابل دفع مئات الدولارات ولمدة محدودة.
حتى «أربع جدران» لم تعد مضمونة
ولفت الشربجي إلى أن بعض المساكن في غزة لا تتوافر فيها حتى الجدران الأربعة بصورة كاملة، ما دفع السكان إلى الاعتماد على حلول بديلة، من بينها «السوادر»، التي أصبحت منتشرة بشكل واسع إلى جانب الخيام.
وبذلك، لم تعد أزمة السكن في غزة مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، وإنما أصبحت مرتبطة أساساً بغياب المساكن الصالحة للعيش، وتراجع الخيارات المتاحة أمام الأسر، وتحول السكن من مساحة للاستقرار إلى حل مؤقت للبقاء.
وتكشف قصة محمد يونس وغيرها من قصص الشباب المقبلين على الزواج حجم التحول الذي طرأ على مفهوم «عش الزوجية» في غزة؛ ففي الظروف الطبيعية يبدأ الزوجان حياتهما بالتخطيط لسنوات داخل منزل واحد، بينما أصبح السؤال اليوم بالنسبة لكثير من العرسان: أين سنعيش الأسبوع المقبل؟
إقرأ المزيد


