في زمن الاستيطان .. الأولوية للإستثمار في الإنسان
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: فادي أبو بكر

في ظل التحوّلات المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية، يبرز الاستيطان بوصفه أحد أخطر التحديات التي تهدد الأرض والوجود الفلسطيني معاً. فعلى الرغم من استمرار الرفض الدولي الرسمي والقانوني للاستيطان، والتأكيد على عدم شرعيته ومخالفته لقواعد القانون الدولي، فإن التوسع الاستيطاني المتواصل على الأرض، وما يرافقه من اعتداءات وإرهاب تمارسه ميليشيات المستوطنين بهدف تهجير الفلسطينيين، يثير مخاوف متزايدة من تحوّل هذا الواقع إلى أمر واقع يصعب تغييره. ولا تقتصر خطورة ذلك على مصادرة الأراضي وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي، بل تمتد إلى تقويض مقومات قيام الدولة الفلسطينية وتهديد فرص تحقيق حل الدولتين، بما يجعل الاستيطان تحدياً مباشراً لمستقبل القضية الفلسطينية ولإمكانية الحفاظ على الوجود الفلسطيني وحقوقه الوطنية على أرضه.

وفي ظل توسع الاستيطان وتعمّق الوقائع التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي على الأرض تزداد الحاجة إلى تعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود، ليس فقط من خلال المواقف السياسية والقانونية، وإنّما أيضاً من خلال بناء الإنسان الفلسطيني وتعزيز قدراته، عملاً بالقاعدة التي تقول "أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان".

في فلسطين .. يُشكّل تمكين الكفاءات الوطنية استثماراً مباشراً في الصمود وفي القدرة على بناء المستقبل. فالانسان الفلسطيني هو الثروة الأكثر استدامة، وما يمتلكه من معارف ومهارات وخبرات يمكن أن يشكل أساساً لمواجهة الظروف الصعبة والحفاظ على قدرة المجتمع على الإنتاج والتطور رغم القيود والتحديات.

إن الاستثمار في الإنسان يعني تطوير التعليم ودعم الجامعات والبحث العلمي وتعزيز التدريب المهني والتقني وتمكين الشباب وخلق فرص العمل والاستفادة من الطاقات والكفاءات الوطنية في مختلف المجالات. كما يعني توفير بيئة مؤسساتية تشجع على الإبداع والمبادرة وتمنح أصحاب الكفاءة فرصة حقيقية للمشاركة في بناء المجتمع وصناعة القرار.

وفي المقابل، فإن إهدار الكفاءات وإحباطها ومحاربتها ودفعها إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل يمثل خسارة وطنية مضاعفة. فكل كفاءة فلسطينية يتم تمكينها داخل الوطن هي إضافة إلى قدرته على الصمود، وكل طاقة يتم تهميشها هي فرصة ضائعة في معركة بناء المستقبل.

يحتاج الاستثمار في الإنسان إلى بيئة سياسية ومؤسساتية قادرة على احتضان هذا الاستثمار. ولذلك فإن أي مرحلة سياسية مقبلة، وفي حال إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية، يبنغي أن تكون فرصة لمراجعة جادة وعميقة للسياسات والأداء بما يعزز الثقة بالمؤسسات ويستجيب لأولويات المجتمع واحتياجاته، فالاستقرار الاجتماعي يشكل المقدمة الأساسية لأي استقرار سياسي مستدام. ولا يمكن بناء مجتمع قادر على مواجهة تحديات الاستيطان والاحتلال في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.

ومن هنا تصبح معالجة البطالة والفقر وتحسين الخدمات وتعزيز العدالة الاجتماعية وتمكين الشباب جزء أساسي من استراتيجية الصمود الوطني، لأن مواجهة الاستيطان تتطلب إلى جانب الجهد السياسي والقانوني بناء مجتمع أكثر قوة وقدرة على الاستمرار. فالأرض هي جوهر الصراع ولكن الإنسان هو من يحميها ويبني عليها المستقبل.

ولهذا، فإن الاستثمار في الإنسان الفلسطيني يجب أن يكون في صدارة الأولويات الوطنية. فالمستوطنات قد تتمدّد على الأرض، ولكن بناء الانسان وتعزيز علمه وكفاءته وقدرته على الإنتاج والعطاء والمشاركة يمكن أن يصنع قوة وطنية يصعب اقتلاعها.

إن معركة المستقبل ليست فقط معركة على الأرض، بل هي أيضاً معركة على الإنسان وقدرته على البقاء والبناء. وبين الاستيطان الذي يسعى إلى فرض واقع جديد، والاستثمار في الإنسان الذي يصنع واقعاً فلسطينياً أكثر قوة، تتحدّد ملامح المستقبل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد