سوسيولوجيا التكافل والضغط البنيوي بين النازح والمقيم في غزة
وكالة سوا الاخبارية -
2026/09/02

منذ الساعات الأولى للحرب والعدوان على غزة في السابع من أكتوبر 2023، تجلّت في القطاع ملحمة أخلاقية ونموذج فريد من التكافل التلقائي؛ حيث فُتحت البيوت وتشارك الناس المأوى واللقمة في تجسيد حي للوعي الجمعي بالخطر الموحَّد. غير أنه مع تطاول زمن العدوان وتراكم طبقات المحو، وانحسار مساحة العيش إلى ما دون ربع جغرافيا القطاع بعد تحويل معظمه إلى مناطق محرمة، أصبح مجتمعنا يمر بإنهاك بنيوي ومأزق أخلاقي غير مسبوق، وبناءً على هذا التحول القسري، بدأت تطفو على السطح سلوكيات مستجدة وقاسية، تتردد بين استغلال النازح عبر استنزافه مادياً، أو محاولات إجلائه، أو تحميله مسؤوليّة مأساته، وهي مظاهر لا يهدف رصدها مطلقاً إلى المساس بكرامة النازح ولا تبرير موقف المقيم، بل يسعى إلى تفكيك سوسيولوجيا الضغط المكاني المفرط والإنهاك الاقتصادي، وفهم كيف يؤدي الإجهاد البنيوي إلى تآكل العلاقات البشرية، بغية علاجها وحماية جبهتنا الداخلية.
وهنا تتجلى سوسيولوجيا المجال الحيوي كمدخل رئيسي لتفسير هذا التحول؛ إذ تؤكد النظريات الاجتماعية والنفسية أن السلوك البشري يرتبط وثيقاً بمساحة الحركة المتاحة، فعندما يضغط الاحتلال على أكثر من مليوني إنسان في حيز ضيق جدا في قل من 25% من مساحة قطاع غزة، يتحول المتر المربع من مجرد مساحة جغرافية إلى موضوع لنزاع وجودي يومي يُجهد الأعصاب ويقلل القدرة على التحمل، ونتيجةً لشح الموارد وتراكم الإرهاق، يُمارس العقل الجمعي أحياناً ميكانيزم الإزاحة النفسية؛ حيث يُسقط الفرد المنهك غضبه وسخطه التراكمي على النازح القريب منه بدلاً من المحتل المتسبب الرئيسي في الأزمة، فيراه منافساً على الخدمات المحدودة والبنية التحتية المتهالكة بدلاً من كونه شريكاً في المأساة تستوجب حالته الدعم والإسناد، وقد امتد هذا الضغط البنيوي ليعصف بالبناء الأسري الداخلي، إذ شهد الاحتكاك اليومي في المساحات الضيقة تآكلاً للخصوصية الفردية وانكساراً في بعض العلاقات نتيجة نفاذ المدخرات، مع ظهور سلوكيات حدية وعدوانية طارئة لدى فئات الأطفال والشباب جراء الصدمات المركبة وانقطاع التعليم والنزوح المستمر.
ولم يكن هذا الاحتقان النفسي ليتفاقم لولا اقترانه بظهور اقتصاد الحرب وتعاظم الفراغ المؤسسي؛ إذ إن استهداف الاحتلال للمقرات الإدارية والأجهزة الشرطية خلق حالة من الفراغ السيادي والأمني، شلت آليات الضبط الحكومي وأطلقت يد الاحتكار والسوق السوداء، وفي ظل الانقطاع التام للسيولة النقدية وانهيار القدرة الشرائية، وجد المقيم نفسه عاجزاً عن تأمين القوت الأساسي لأسرته في ظل توقف عجلة الإنتاج، بينما تحول النازح إلى الطرف الأضعف مالياً بعدما استُنزفت مدخراته أمام الارتفاع الجنوني لإيجارات الأراضي والبيوت، وهذا الواقع المالي المعقد جرف العلاقة التكافلية التلقائية لتتحول في بعض جوانبها إلى استنزاف متبادل يغذيه غياب الرقابة على القوانين الناظمة وتفشي الممارسات الاحتكارية.
غير أن التحليل الديموغرافي والجغرافي لهذه الديناميات يقتضي عدم النظر إلى مجتمع غزة ككتلة واحدة صامتة؛ فأنماط الاحتقان تختلف باختلاف الطبيعة الجغرافية ونوع المأوى، فبينما يكتسي الضغط في شمال غزة والمناطق المحاصرة طابع النضال الوجودي القاسي من أجل قطرة الماء وحبة القمح، يتخذ في مناطق الوسط والجنوب شكل الاكتظاظ المفرط والتنافس المحموم على البنية التحتية المنهارة، هذا ويختلف التفاعل الاجتماعي داخل البيوت والعائلات المستضيفة -حيث تعاني من استنزاف مواردها وخنق خصوصيتها- عنه في مراكز الإيواء والمخيمات المفتوحة التي تتصدرها نزاعات الفضاء العام والتنافس المباشر على المعونات الإغاثية.
ورغم مرارة هذه التطورات، فإن التفكيك النظري المنصف يمنعنا من الوقوع في فخ التعميم؛ فالأغلبية العظمى من أبناء شعبنا ما زالت تضرب أروع الأمثلة في الصمود والشهامة عبر عائلات تقاسم الخيمة والماء، ولجان محلية متطوعة تعمل ليل نهار لخدمة النازحين، ومن هذا المنطلق، فإن المظاهر الاستغلالية الطارئة لا تعبر عن سقوط أخلاقي شامل، بل هي عوارض ناتجة عما يمكن تسميته سوسيولوجياً بـالهندسة الاجتماعية للإبادة؛ وهو مخطط (إسرائيلي) خبيث يستهدف تحويل صراع الفلسطيني ضد محتله إلى صراع بنيوي بين الضحايا أنفسهم على شربة ماء، أو متر مربع لإقامة خيمة، أو كابونة إغاثية.
واستناداً إلى هذه الحقيقة، فإن إعادة بناء التماسك الاجتماعي تشكل جزءاً لا يتجزأ من معركة الصمود وإفشال مخططات التهجير والمحو، وهو ما يتطلب ترجمة عملية عاجلة تتوزع فيها الأدوار والمسؤوليات؛ إذ يُنتظر من لجان الإصلاح والوجهاء التدخل الميداني الحاسم بالعرف العشائري لفرض سقوف لإيجارات الأراضي والبيوت وتجريم الطرد التعسفي لتعويض غياب السلطة التنفيذية، مع تشكيل لجان سلم أهلي مشتركة في كل حي ومخيم تفض الخلافات اليومية بروح الأخوة، وبالموازاة مع ذلك، يقع على عاتق علماء الدين تجديد الخطاب الإيماني بالتأكيد على حرمة أكل أموال النازحين بالباطل واعتبار حسن استضافتهم رباطاً في سبيل الله واعتبار الاحتكار مساهمة غير مباشرة في أهداف العدوان، بالتزامن مع دور المؤسسات الإغاثية في ضمان عدالة التوزيع وإسناد العائلات المستضيفة لتخفيف العبء المالي عنها، ودور النخب الإعلامية والأخصائيين النفسيين في تكثيف التوعية بهذه الديناميات النفسية وتوفير مساحات للتفريغ الانفعالي والدعم النفسي الاجتماعي للحد من السلوكيات العدوانية الطارئة.
أخيراً، يتضح جلياً أن النازح والمقيم يقعان تحت سقف بلاء واحد أمام عدو لا يفرق بين من غادر بيته ومن بقي فيه؛ ومن ثَمّ فإن استيعابنا لبعضنا البعض، والتغاضي عن الخلافات الصغيرة، وتقاسم المتاح بشرف وتكافل، هو سلاحنا الأخير لكسر أهداف العدوان، لنكون الجدار الساند لبعضنا البعض حتى ينكسر هذا العدوان ونعود جميعاً إلى ديارنا سالمين معززين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد