شبكة قدس الإخبارية - 9/3/2026 9:34:28 AM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: كان محمد منصور يتجول بين رفوف سوبر ماركت «الجابريات» في أحد أحياء مدينة جنين، يبحث عن بعض الحلوى لإسعاد أطفال شقيقته الذين كانوا ينتظرون زيارة خالهم، حين قطع هدوء تلك اللحظة اتصال سريع: قوات الاحتلال تحاصر منزلًا في بلدة كفرذان، غرب جنين.
لم يتردد كثيرًا. ترك ما كان بيده، واتجه إلى الميدان برفقة أربعة من زملائه الصحفيين.
وقبل أن يصل، ظهرت على شاشة هاتفه رسالة من والدته: «لا تتأخر، أبناء أختك في انتظارك».
قرأها وتوقف للحظة، لكنه قرر مواصلة الطريق.
في ذلك الثلاثاء، 3 أيلول/سبتمبر 2024، خرج منصور من شارع حيفا باتجاه كفرذان، بينما كان صوت إطلاق النار يتردد في المكان. يستعيد مصور وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا» تفاصيل ذلك اليوم وكأنه يعيشه من جديد.
يقول منصور: «لم أكترث لصوت الرصاص، وواصلت قيادة سيارتي. كنت أنا وزملائي نرتدي معدات الحماية، والمركبة تحمل شعار الصحافة. كنا نتجه إلى موقع الحدث».
لكن الطريق لم يكتمل.
في منتصف المسافة، سمع أزيز رصاصة، قبل أن تتغير تفاصيل ذلك اليوم بالكامل.
استقرت الرصاصة في يده اليمنى.
كانت طرق جنين مغلقة، وبلدة كفرذان محاصرة من مداخلها الثلاثة، فيما بدأ الصحفيون والمصابون يصلون تباعًا إلى المستشفيات.
لم تكن إصابة منصور جرحًا عابرًا. فقد قطعت الرصاصة أوتارًا في يده اليمنى، وتركت أثرًا مستمرًا في قدرته على أداء بعض الحركات الدقيقة التي يحتاج إليها في عمله.
لكن قبل أن يعرف منصور كيف ستغير الإصابة حياته المهنية، كان هناك من ينتظره في البيت.
حين يصل الخبر إلى البيت
في منزل العائلة، كانت والدة محمد تعد الغداء وتنتظر عودته مع الحلوى لأطفال ابنتها.
كان محمد قد أخبر شقيقته بأنه سيحضر إلى الغداء، وأنه سيشتري بعض الأشياء للأطفال الذين كانوا ينتظرون قدومه.
لكن محمد تأخر.
ومع مرور الوقت، بدأ القلق يثقل قلب والدته.
فتحت هاتفها وراحت تتصفح «واتساب» و«تلغرام»، قبل أن تصلها رسالة مبهمة من إحدى الجارات: «الله يطمن قلوبكم يا أم خالد، لعله خير».
لم تفهم الرسالة في البداية، لكنها شعرت بأن وراءها شيئًا. أسئلة ثقيلة دارت سريعًا في رأسها: لماذا أرسلت الجارة هذه الرسالة؟ ماذا حدث؟ أين محمد؟
قبل أن تدرك أن ابنها ينزف، وصلها الخبر: أصيب برصاصة في يده أثناء التغطية، ويرقد في مستشفى ابن سينا بمدينة جنين.
خرجت من البيت مسرعة، تريد الوصول إليه.
ويقول منصور إن الإصابة تركت علامة فارقة في مسيرته المهنية، لكنه عاد إلى الميدان رغم أثرها.
ما حدث لمنصور ليس تجربة منفردة، فالخوف يرافق الصحفي في الضفة الغربية، ويترصده على الحواجز، وفي الاقتحامات، وعند كل زاوية يفترض أن ينقل منها الحقيقة. لم يكن منصور وحده في مواجهة هذا الخوف؛ فالصحفيات يعشنه أيضًا.
الخوف يصل إلى الصحفيات أيضًا
دينا جرادات، ابنة مدينة جنين، تعمل صحفية ميدانية منذ عام 2022، وشهدت عدة عمليات عسكرية نفذها جيش الاحتلال في مدينة جنين ومخيمها.
تعرف هذا الخوف عن قرب.
فبعد الإفراج عنها من اعتقال بدأ في آب/أغسطس 2022 وانتهى في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، عادت إلى العمل الصحفي وهي تحمل تجربة الأسر وقيودًا لا تزال تلاحقها.
لم تكن حريتها كاملة، إذ كان على ملفها شرط قانوني يمنعها حتى من نشر الأخبار عبر حسابها على «فيسبوك».
لتجد نفسها في صراع دائم بين هذه القيود وبين مهنتها التي اختارتها.
لكن الخوف لم يبق مرتبطًا بالاعتقال وحده.
فخلال تغطيتها للعملية العسكرية في مخيم جنين، في 12 كانون الثاني/يناير 2025، وبينما كانت تقف برفقة عدد من العائلات، باغتها رصاص جنود الاحتلال.
ولم يكن أمامها وقت كافٍ للتفكير أو الابتعاد.
انتهت تلك اللحظات بإصابتها بكسر في اليد ورضوض في القدم.
منذ ذلك اليوم، تغيرت علاقتها بالميدان.
أصبحت تزن خطواتها بحذر، وتلجأ إلى العمل عن بعد وكتابة التقارير وتصوير القصص الإنسانية في الأماكن التي توجد فيها قوات الاحتلال.
لكن الابتعاد عن الميدان لم يلغِ الخوف.
فبين تجربة الاعتقال ووقف التنفيذ والإصابة التي حملتها معها من إحدى التغطيات، بقيت الصحافة بالنسبة إليها مساحة معلقة بين الرغبة في نقل الحقيقة والخوف من الثمن الذي قد تدفعه مقابل ذلك.
وإذا كان رصاص جنين قد ترك أثره في يد منصور، ودفع جرادات إلى إعادة حساب خطواتها في الميدان، فإن الوجع نفسه يتسع أكثر في قطاع غزة.
هناك، لا يترصد الخطر الصحفي عند الحاجز أو خلال الاقتحام فقط، بل يرافقه من موقع التغطية إلى الطريق، ومن الطريق إلى البيت.
في غزة.. الكاميرا وسط النار
هذا الواقع يعيشه الصحفي محمد صالحة من شمال قطاع غزة، الذي يعمل في الميدان منذ عام 2022، إذ يخرج كل صباح بعدسته وسط القصف وشح الطعام، مدركًا أن الوصول إلى الحدث لا يعني بالضرورة النجاة.
ففي أكثر من مناسبة، يقول صالحة، تعرضت أماكن وجود الصحفيين للاستهداف بعد وصولهم إليها.
ويتذكر إحدى أصعب اللحظات التي عاشها خلال تغطيته أحد مواقع توزيع المساعدات في غزة، في أواخر أيار/مايو 2025، خلال اشتداد أزمة الجوع.
بدأت النار من قبل قوات الاحتلال في محيط المكان، ووجد الصحفيون أنفسهم في وضع لم يكن واضحًا فيه طريق العودة.
يقول صالحة: «في هذه اللحظة، لم نرَ أي طريق للعودة».
ولم يكن الخطر مرتبطًا بموقع التغطية وحده.
فخلال رحلة نزوحه من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مر صالحة عبر حاجز نتساريم، الواقع في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، حيث خضع للتفتيش وانتظر ساعات طويلة، وشاهد عددًا من زملائه يتعرضون للاعتقال.
بالنسبة إليه، لم تعد المخاطر مرتبطة باللحظة التي يرفع فيها الكاميرا فقط. فالخطر قد يبدأ قبل الوصول إلى موقع الحدث، وقد يستمر بعد مغادرته.
هذه المخاطر ليست حوادث معزولة.
فقد وثق مركز مدى للحريات الإعلامية هذا الاتساع الخطير في الانتهاكات والاعتداءات التي تطال الصحفيين الفلسطينيين، وشملت القتل والإصابة والاعتقال ومنع التغطية واستهداف المنازل والمؤسسات الإعلامية.
ففي عام 2024 وحده، وثق المركز 953 انتهاكًا، بينها 885 انتهاكًا ارتكبها الاحتلال.
ولم يتوقف النزيف في العام التالي، إذ سجل المركز في عام 2025، بحسب الأرقام الواردة في المادة، 889 انتهاكًا، تضمنت 88 حالة استشهاد و89 حالة احتجاز و219 حالة منع تغطية واعتداء مباشرًا على الصحفيين.
لكن هذه الأرقام ليست مجردة أو منفصلة عن القصص.
فخلف كل رقم كاميرا لم تعد إلى صاحبها، وبيت انتقل إليه القصف، وأسرة انتظرت خبرًا مفجعًا، وصحفي يعود إلى الميدان وهو يعلم أن الخطر الذي نجا منه بالأمس قد ينتظره اليوم.
حين يصل القصف إلى البيت
وفي تجربة محمد صالحة، لا تتوقف المخاطر عند الميدان.
فهو يحمل أيضًا ذكرى تطاير شظايا القصف داخل منزله شمال مدينة غزة في تل الزعتر، في كانون الأول/ديسمبر 2023، وما خلفته من إصابة طفيفة.
لكن إصابته لم تكن الأثر الأثقل.
وإنما السؤال الذي يلازمه: ماذا يمكن أن يحدث لعائلته إذا لم يعد يومًا؟
هكذا يمتد الخوف من موقع التغطية إلى البيت، وإلى الهاتف الذي قد يحمل رسالة من الأم أو الزوجة أو الأبناء.
ومع ذلك، يواصل الصحفيون عملهم.
يجد الصحفي نفسه بين الخوف على سلامته، والقلق على عائلته المنتظرة، لكنه يخرج مجددًا، مؤمنًا بأن الابتعاد يعني ضياع القصة.
في أرض تمتلئ بمخاطر لا تظهر خلف الصورة، يمشي كمن يسير في حقل ألغام، يعرف أن خطوة واحدة قد تغير كل شيء، ومع ذلك يواصل حمل الكاميرا، لأن غياب الصحفي لا يعني غياب شخص فحسب، بل غياب شهادة وحقيقة كان يمكن أن تصل إلى العالم.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


