التهجير من غزة عبر "إيرز".. هل تعود الخطة إلى الواجهة؟
شبكة قدس الإخبارية -

أعاد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس ملف تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الواجهة، بعدما تحدث عن وجود ترتيبات وتجهيزات وخطط لإخراج أهالي القطاع إلى دول لم يحددها، في خطوة تثير مخاوف فلسطينية واسعة من إعادة طرح سيناريو التهجير القسري أو ما تسميه إسرائيل «الهجرة الطوعية».

الجديد في الحديث الإسرائيلي هذه المرة هو الإشارة إلى أن عملية خروج الفلسطينيين قد تتم عبر حاجز إيرز شمال قطاع غزة، وليس عبر معبر رفح في الجنوب، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول طبيعة الترتيبات التي تجري في المنطقة المحيطة بالمعبر.

فهل ما يجري في إيرز مجرد ترتيبات أمنية ولوجستية مرتبطة بالمرحلة الحالية، أم أن إسرائيل تهيئ بالفعل بنية تحتية يمكن استخدامها لاحقًا في تنفيذ خطة لإخراج أعداد كبيرة من أهالي القطاع؟

لماذا إيرز؟

اختيار إيرز كنقطة محتملة لخروج الفلسطينيين يحمل دلالات سياسية وميدانية. فمنذ بداية الحرب، كان معبر رفح هو المعبر الرئيسي الذي ارتبط بأي حديث عن خروج الفلسطينيين من غزة، إلا أن الموقف المصري الرافض لتحويل سيناء إلى وجهة لتهجيرهم شكّل عائقًا أمام أي خطة إسرائيلية بهذا الاتجاه.

ومن هنا، فإن الحديث عن إيرز قد يعكس محاولة إسرائيلية للبحث عن مسار بديل، بعيدًا عن الحدود المصرية، لتنفيذ ما تسميه «خروج السكان» من القطاع.

كما أن الحديث عن تجهيزات وترتيبات في منطقة إيرز يكتسب أهمية إضافية في ظل التصريحات الإسرائيلية المتكررة بشأن مستقبل قطاع غزة، ومستقبل شعبنا وأهلنا ، وإمكانية فتح المجال أمام من يرغب في مغادرة القطاع.

هل تخلت إسرائيل عن خيار رفح؟

من المبكر القول إن إسرائيل تخلت نهائيًا عن خيار رفح، لكن من الواضح أن الموقف المصري يمثل عقبة رئيسية أمام أي محاولة لفرض واقع يؤدي إلى دفع الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية.

القاهرة أكدت في أكثر من مناسبة رفضها تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى خارج أراضيهم، خصوصًا إلى سيناء، انطلاقًا من اعتبار أن مثل هذا السيناريو يهدد القضية الفلسطينية ويحوّل النزوح المؤقت إلى عملية اقتلاع دائمة.

ولهذا فإن البحث عن منفذ آخر لخروج الفلسطينيين، إذا تأكدت هذه الترتيبات، يمكن قراءته باعتباره محاولة لتجاوز واحدة من أهم العقبات أمام مشروع التهجير.

خطة لم تغادر مكتب نتنياهو

رغم تغير الظروف السياسية والميدانية، يبدو أن قضية تهجير الفلسطينيين لم تختفِ من أجندة الحكومة الإسرائيلية.

فالحديث عن «الهجرة الطوعية» تكرر على مدار الحرب، وسبق أن طرحت شخصيات إسرائيلية أفكارًا تتعلق بتشجيع سكان غزة على مغادرة القطاع إلى دول أخرى.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في السؤال: هل يمكن أن تكون هناك «هجرة طوعية» حقيقية في ظل ظروف حرب وحصار ودمار وانهيار اقتصادي وإنساني؟

عندما يعيش شعبنا وأهلنا تحت القصف الإسرائيلي ، ويواجهون نقصًا في الغذاء والمياه والدواء والمأوى، فإن دفعهم إلى الاختيار بين البقاء في ظروف قاسية أو مغادرة وطنهم قد يجعل مفهوم «الطوعية» محل تساؤل كبير.

الضوء الأخضر الأمريكي

يبقى العامل الأمريكي أحد أهم المتغيرات في هذا الملف. فأي عملية واسعة لإخراج أعداد كبيرة من الفلسطينيين من قطاع غزة ستكون ذات تبعات سياسية وإقليمية ودولية ضخمة، ولذلك يصعب فصلها عن الموقف الأمريكي.

وقد يكون ملف التهجير حاضرًا في النقاشات السياسية، حتى إذا لم يكن مطروحًا بصورة علنية كخطة تنفيذية مكتملة.

وهنا تبرز المخاوف من أن تنتظر الحكومة الإسرائيلية لحظة سياسية مناسبة، أو تفاهمات إقليمية ودولية، تسمح بتحويل الأفكار والخطط إلى خطوات عملية على الأرض.

حتى الآن، لا يمكن الجزم بأن عملية تهجير واسعة ستبدأ غدًا، ولا يمكن اعتبار كل تجهيز في إيرز دليلًا قاطعًا على بدء تنفيذها. لكن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، إلى جانب التحركات الميدانية، تستحق المتابعة الجادة وعدم التعامل معها باستخفاف.

فملف التهجير، على ما يبدو، لم يغادر الحسابات الإسرائيلية.

والسؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل نشهد في المرحلة المقبلة محاولة فعلية لفتح بوابة جديدة لخروج الفلسطينيين من غزة، أم أن هذه الترتيبات ستبقى في إطار الضغط السياسي والعسكري؟
لا أحد يستطيع أن يقدم إجابة قاطعة الآن.

لكن المؤكد أن أي محاولة لتحويل التهجير إلى أمر واقع ستفتح فصلًا جديدًا وخطيرًا في الحرب على غزة، وستضع المنطقة أمام تداعيات سياسية وإنسانية لا يمكن التنبؤ بحدودها.