شبكة راية الإعلامية - 9/3/2026 11:44:27 AM - GMT (+2 )
الكاتب: علاء كنعان ـ كاتب وصحافي فلسطيني
ثمة شيء جديد في الحديث الأمريكي والإسرائيلي عن عنف المستوطنين في الضفة الغربية، إذ لم يعد الأمر يمر دائماً تحت عناوين عامة من قبيل "أحداث" أو "احتكاكات". فقد استخدم السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، تعبير "الإرهابيين الإسرائيليين" في وصف منفذي الاعتداءات على الفلسطينيين في بلدة قُصرة. كما تحدث يائير لابيد عن "الإرهاب اليهودي"، داعياً إلى التعامل معه بوصفه قضية أمنية وقانونية، في حين أدان بنيامين نتنياهو الأعمال الإجرامية، معتبراً أن مرتكبيها يضرون بإسرائيل و يعرقلون عمل الجيش.
هذه المواقف والتصريحات مهمة من الناحية السياسية، لكن أهميتها بالنسبة للفلسطيني تكمن بما يمكن أن يترتب عليها من أثر، وهنا يستحق الأمر أن يُنظر إليه من زاوية المواطن نفسه.
عندما يتعرض بيت أو مزرعة أو عائلة لهجوم، فإن أول ما يهم صاحب المكان هو أن يحمي نفسه وأهله وممتلكاته. وهذا حق لا يحتاج إلى نقاش. لكن السؤال العملي هو: هل المواجهة المباشرة هي دائماً الخيار الذي يخدم صاحب الأرض؟
في دقائق معدودة قد يتحول الاعتداء إلى مواجهة أوسع، وقد تنتهي الأمور بإصابة أو اعتقال أو خسائر إضافية. والأسوأ من ذلك أن تفاصيل الاعتداء الأصلي قد تضيع وسط روايات متقابلة عن "مواجهة" و"اشتباك"، فيجد صاحب الحق نفسه مضطراً إلى الدفاع عن روايته بدلاً من محاسبة من بدأ بالاعتداء.
المسألة، إذاً، ليست في التراجع أمام المعتدي، وإنما في إدارة اللحظة بأقل خسائر ممكنة؛ فحماية العائلة أولاً، وتجنب المواجهة المباشرة متى كان ذلك ممكناً، ثم توثيق ما جرى بما يشمل تحديد المكان والزمان، والتقاط الصور ومقاطع الفيديو، وحصر الأضرار، وإعداد التقارير الطبية عند وقوع إصابات، وتقديم البلاغ ومتابعته.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة في لحظة الغضب، لكنها قد تكون أهم ما يبقى بعد انتهاء الحادثة، فالصورة وحدها قد تفتح نقاشاً، أما الصورة المقرونة بالشهادة، والتاريخ، والمكان، والضرر المثبت، فتبدأ بصناعة ملف.
وهنا تظهر حاجة فلسطينية واضحة؛ فالمواطن الذي يتعرض للاعتداء لا يمكن أن يُطلب منه، في دقائق معدودة، أن يكون مصوراً، ومحققاً، ومحامياً، وناشطاً حقوقياً في الوقت نفسه.
إن المطلوب هو جهة فلسطينية متخصصة في هذا الملف، لا تقتصر مهمتها على إصدار البيانات فحسب، بل تشمل استقبال البلاغات، والتحقق من المعلومات، وحفظ الأدلة، ومتابعة الضحايا والشهود، فضلاً عن تحويل الوقائع المتفرقة إلى ملفات مهنية قابلة للمتابعة القانونية والسياسية، وإيصالها إلى الجهات الدولية، والأمريكية، والإسرائيلية المعنية.
ولا يتعلق الأمر بإضافة مؤسسة أخرى إلى المؤسسات القائمة، بقدر ما يتعلق بسد الفجوة بين وقوع الاعتداء وما يحدث بعده؛ فالحادثة التي تبقى في هاتف صاحبها قد تُنسى، أما التي تجد طريقها إلى المتابعة، فتظل حاضرة في سجل لا يعتمد على الذاكرة وحدها.
وتزداد أهمية ذلك في ضوء ما تشير إليه دراسات إسرائيلية؛ فقد ذكر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن أكثر من 90% من ملفات الجرائم ذات الدافع الأيديولوجي التي يرتكبها إسرائيليون (مستوطنون) ضد فلسطينيين تُغلق من دون لوائح اتهام، في حين لم يقدم نحو ثلثي الضحايا الفلسطينيين (66%) شكاوى في عام 2024.
وهنا تكمن إحدى حلقات المشكلة: ضحية لا تثق بإمكانية الوصول إلى نتيجة، وملف لا يكتمل، ومعتدٍ يعرف أن احتمال المحاسبة محدود. وإذا كانت واشنطن وتل أبيب قد بدأتا تتحدثان عن مواجهة عنف المستوطنين ومحاسبة مرتكبيه، فهذه فرصة ينبغي للفلسطيني أن يتعامل معها بواقعية وألا يهدرها في جدل جديد حول المواقف.
فالمواطن لا يحتاج إلى أن يخوض معركة أكبر من قدرته، ولا أن يحوّل كل اعتداء إلى مواجهة مفتوحة. يكفيه، حيثما استطاع، أن يحمي أسرته وممتلكاته، وأن يوثق ما جرى، وأن يقدم شكواه، لتكون هناك جهة تعرف كيف تتابع الواقعة وتحملها إلى المكان الذي يمكن أن تُبحث فيه المسؤولية.
في الميدان قد لا يملك المواطن سوى ثوانٍ معدودة لاتخاذ القرار، أما بعده، فهناك وقت للقانون، والمتابعة، والإعلام، والسياسة. لذلك، ربما لا يكون السؤال: هل يواجه الفلسطيني أم لا؟ بل السؤال الأهم هو: كيف يحمي نفسه، وأرضه، وحقه بأكثر الطرق فاعلية وأقلها كلفة؟ فالمواطن ليس مطالباً بأن يحل مشكلة المستوطنين بيديه. عليه أن يحمي نفسه، وأسرته، وأرضه قدر الإمكان، وألا يترك الاعتداء يمر بلا أثر.
أما المحاسبة، فإذا كان الحديث عنها قد وصل إلى واشنطن وتل أبيب، فالمطلوب الآن أن نرى ماذا سيحدث على الأرض؛ وفي النهاية، ليست القضية في كيفية الرد على كل اعتداء، بقدر ما هي في ألا يمر الاعتداء كأنه لم يكن، وألا يجد صاحب الحق نفسه في موقع المتهم. لقد قيل الكثير هذه المرة، و بعبارات أوضح من السابق، ويبقى الامتحان في ما سيأتي بعد الكلام.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


