القدس في الصحافة المحلّية: هل كنّا بالمستوى المطلوب، إعلامياً؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: المتوكل طه

هل استطاع الخطاب الفلسطيني، منذ النكسة حتى الآن، أن يكون بمستوى ما يجري في القدس، وأعني الخطاب الصحفي الإعلامي؟

إن المتبصّر بما آلت إليه الأحوال في القدس يتبيّن مدى التقصير الذي ألَمّ بخطاباتنا، ويكشف حالة الجَزْر والتراجع التي تعصف بنا، وبأننا ما فتئنا عاجزين ومقصّرين - رسميّاً وعربياً وإسلامياً - تجاه رمز قضيتنا وعاصمتنا الأبدية. وإذا ما ظهر تقصير ما، قبل اتفاقيات أوسلو، في خطابنا الصحفي في الأرض المحتلة العام 1967، فهل استطاع الخطاب الصحفي في إعلام وصحافة الثورة الفلسطينية أيام المقاومة في بيروت وتونس وقبرص، من الاحتفاء بالقدس وإظهارها بالصورة التي تليق بها؟ وهل استطاعت الصحافة والإعلام الفلسطيني، بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع 1994، من إبراز القدس والعلوّ بها وجعلها أولويّة لافتة؟

أكاد، بعد التنقيب والمتابعة، أن أقول؛ للأسف الشديد: ليس تماماً! لقد بقي التعامل مع القدس والتعاطي مع ما يخصّها؛ موسميّاً وفي المناسبات، وبطريقة ردّ الفعل، ما يظهر غياب المنهاج والرؤية وتوفير ما يلزم لاستراتيجية وازنة واعية متكاملة بوصلتها القدس. ونلاحظ أن  صحافة ما قبل أوسلو هي صحافة ناقلة وليست مؤصّلة أو رائية أو مُستشرفة، ولم تفطن كثيراً لما يعدّه الاحتلال للمدينة المقدّسة. إنها صحافة السطح وليس العمق. لم تنتقد هوامش الخطأ فينا، بقدر ما تُطري وتُمجّد وتثني على المسؤول أو الفصيل. كما أنها صاحبة خطاب مشغول باللحظة المتفجّرة الدامية والضرورة. وهي صحافة لا تستند إلى البحث والدراسة، وقد استمرأت قاموس السياسيّ والوطنيّ. عداك عن أنها صحافة الموضوعات السريعة وغير المتواصلة أو المتّصلة. وهي صحافة "علاقات عامة" أكثر منها صحافة مهنيّة، وتبرّر أحيانا وتنافح بنَفَس فصائليّ في بعض الأحايين. وهي صحافة أقرب للكتابة الميدانية التثويرية التي تتغيّا الشحذ، بسياق مباشر وخطابيّ..لكنها صحافة وطنية بامتياز ومنحازة للثورة والشعب والمقاومة. كما أنها متعددة المصطلحات المتضاربة، وتذهب أحياناً نحو الترميز، وتمجّد الصورة المُفترَضة عن الفلسطيني، بل إن خطابها يعجّ بالفَلَسْطَنة، ويطغى فيه السياسيُّ على الثقافي أو الفكريّ.

أما الصحافة الفلسطينية ما بعد أوسلو، أي بعد ما تكشّفت المخططات الاحتلالية وظهرت نوازع الشرّ الإسرائيلية التي تستهدف القدس، بكثافة، فقد صارت، الصحافة، أكثر انتباهة لما يمور في المدينة المقدسة، وراحت تتصدّى لإجراءات الاحتلال وتعرية مخططاته، وذهبت لجوانب لم تكن مطروقة من قبل، مثل الجانب القانوني والاستشراق وجدار الفصل العنصري، وعلاقة اسرائيل بالمدينة عبرالخطاب التوراتي. وتعمّقت الصحافة بعد أوسلو في التبصّر بما يجري من عمليات تستهدف عروبة المدينة وقدسيّتها، وتغريبها عن هويّتها، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمعمارية والتعليمية والدينية والفكرية..إضافة إلى رصد التحوّلات في المدينة ودراسة مكوّناتها، وراحت تنبش في الكتب التي تناولت القدس والرحلات التي قصدتها، وأبرزت الوثائق، وأجرت المقابلات مع المختصّين والخبراء، وتناولت المواقف الإقليمية السياسية تجاه المدينة، وحذّرت من المخططات الهيكلية، وأضاءت المناهج التي تناولت القدس..كل ذلك؛ بكيفية أكثر مهنيّة وحرفيّة ودراية وإحاطة، ومشفوعة بالاحصائيات والاثباتات، وبدأت تربط بين الظواهر والأسباب والعوامل، وتلاحق ارتداداتها وتداعياتها، وأضحت أقرب إلى الجانب الأكاديمي. بمعنى أنها صحافة شمّرت عن ساعديها بعمق، لتواجه كل ما يسعى إليه الاحتلال للنيل من المدينة، وباتت أكثر موضوعية وصراحة وخبرة ومباشَرة، لكنّ جزءاً منها لم يصل إلى الكيفيّة المطلوبة من حيث التكامل والزخم والتواصل.

ولو أخذنا نماذج من المجلات التي صدرت في المنفى(1972-1993)، وغير مجلة صدرت في القدس، وتصفّحنا معظم مطبوعات صحافتنا وأدبيّاتنا التي واكبناها وعايشناها، قبل أوسلو، في الضفة والقطاع، للاحظنا التعدّدية في الموضوعات، وهي تعددية ظهرت في الصحافة الفلسطينية وفي الخطاب الثقافي، بشكل عام وواضح، وهي تعددية في المرجعيات وتعددية في المصطلح، وكانت انعكاساً لما يجري في العالم من ثنائيات متضادة وأقطاب متصارعة، وكان أن انقسم العالم العربي بين كلّ هذه الثنائيات، ولكن ما كان يجري بين النخب السياسية والثقافية العربية كان لا يعني أحداً، بل بقي ثرثرة على السطح، أنتج انقسامات ودماء كثيرة من أجل قضايا الأقطاب الأقوى. ولهذا فإن كل الثرثرة التي قيلت يوماً ما نسيت تماماً وبقيت الدماء والحدود. وعلى الساحة الفلسطينية، رأينا تلك التعددية حيث اليسار ينقسم بشكل أميبي واليمين يتراقص على الحِبال المختلفة بسرعة الضوء، ولكن ذلك أنتج خطاباً ثقافياً وصحفياً متعدد الاتجاهات والميول، نادى بعضها بالثورة الأبدية، فيما نادى بعضها الآخر ب"السلام" أو بأسوأ منه.

ولاحظنا أن الترميز قد طبع المنتج الثقافي والصحفي الفلسطيني، فكان نتاجاً مرمّزاً وإشارياً ومختزلاً، يكتفي بالتلميح عن التصريح، ولهذا تميّز هذا الخطاب بالشِعارية، واكتفى بالعام عن الخاص، ولم يدخل هذا الخطاب بالتفاصيل والخطّة اليومية ومواجهة الحياة المعيشة، ولهذا كان هناك انفصام بين الحياة السياسية للفلسطيني، والحياة اليومية. واستطاع الاحتلال وغير الاحتلال أن يتحكّم باليومي من حياة الفلسطيني بحيث يغير أو يحوّر من خياراته واختياراته. ومع الضغط اليومي واستمراره وتواصله وقوته فإن الشعارات تهاوت الواحد تلو الآخر حتّى تم التصريح بنبذها على الملأ.

ورأينا تمجيداً للصورة المُفتَرَضة عن الفلسطيني، أي أن المنتج الفلسطيني وقع في افتراضه، ولم يتحدّث عمّا يراه ويلمسه، وهكذا، صارت هناك فجوة كبيرة بين الصورة والمثال! هناك مبررات لذلك، فرضها الواقع وظروف المواجهة، ولكن الصورة المفترضة عن الفلسطيني أبعدته عن شروطه الإنسانية بحيث صار فوق الزمان والمكان، واكتسب قدرات خارقة ولغة سماوية، ولكن ذلك كلّه انكسر، أيضاً، أمام المعطيات الجديدة، فالفلسطيني إنسان مثله مثل غيره، ينتصر وينهزم، ينكسر ويقوم.

كما وقع الخطاب الفلسطيني في ما يمكن تسميته بخطاب الفَلسْطَنة ذي الرائحة القطرية الضيّقة، بحيث كان بعض هذا الخطاب يحاول قطع الأواصر والعلائق مع البعد العروبي والعقدي، وقد يبرر أصحاب هذا التيّار أنفسهم بالكلام عن التخلّف والتردّي العربيين، ولكن هذا الكلام لا يثبت أمام الحقائق الموضوعية، فلا يمكن لخطاب قُطري أن ينجح أو يسود أو ينتصر، بالمعنى الشامل للنصر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكثيرين أكّدوا على الذات الفلسطينية، لأنها مهددة بالإلغاء، ولم يكن تأكيدهم إيماناً بالقُطرية الكريهة.  

إضافة إلى أن جهوية الخطاب الفلسطيني فرضت عليه تمايزاً واختلافاً واضحاً، فهناك خطاب صادر عن المناطق التي احتلّت العام 48، والمناطق التي احتلّت العام 67، والمنافي العربية المختلفة والمنافي العالمية الأبعد، ما خلق خطاباً فلسطينياً مناطقياً له أولويات مختلفة واستراتيجيات متباينة، الأمر الذي جعل من هذا الخطاب لا يُفهم إلاّ من خلال مكانه، بحيث صار يقرأ ويسمع مع الشرح والتحليل، وكأنّه خطاب مبرّر سلفاً، أو كأنّه خطاب يحتاج إلى تبرير ليفهم أو يستوعب.

وتميّز الخطاب الفلسطيني في الأراضي المحتلة 1967بأنه خطاب الضرورة، بمعنى أنه نشأ في ظرف استثنائي، تحت احتلال استثنائي، ما جعل هذا الخطاب منبريّاً ينضح بالتحدّي والغضب غير مبالٍ بالأناقة اللفظية أو الشكلية قدر اهتمامه بمضمونه وأثره على الجمهور. وبسبب من الرقابة العسكرية والملاحقة كان على هذا الخطاب أن يتواطأ مع جمهوره على رموزه ومرجعياته الذوقية والجَمالية والسياسية والثقافية، ولهذا فإن معظم هذا النتاج قد لا يفهم خارج مكانه، بسبب محلّيته المغرقة، وبسبب رمزيته التي يتعامل بها الجمهور.

ولاحظنا طغيان السياسيّ على الثقافي، والجَمْعي على الفردي، ذلك أن الخطاب الفلسطيني الذي حدّد مهامه في مقاومة الاحتلال وتحدّيه، اضطر إلى ترتيب أولوياته بحيث غابت الاجتهادات الشخصية وتأمّلات الذات والبحوث النظرية والمغامرات الجَمالية.

ويجب القول هنا؛ إن الخطاب الفلسطيني، وخاصة في الأراضي المحتلة67، كان بجهود فردية ومبادرات شخصية، تم استيعابها فيما بعد من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي أدّى إلى ظهور العديد من المنابر الصحفية والأدبية والفكرية والسياسية.

أما بعد اتفاق أوسلو، الذي كان بمثابة زلزال حقيقي على المستوى السياسي والثقافي وحتى النفسي، فقد كان ذروة زلازل أخرى سبقته، تمثّلت في انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، وأدّت إلى انكسار المُتَحَكِّم في الخطاب العام والخاص.

بعد هذه الزلازل، وبعد هذه الانهيارات الكبيرة، لم يعد بالإمكان التغطية على العيوب التي يعاني منها، ليس النظام العربي الرسمي فقط، وإنما تلك البنى العقلية السائدة التي انتهت إلى ما انتهت إليه.

وفي الوقت نفسه، فإن إسرائيل التي ما فتئت تدْهَم الصحافة الفلسطينية وتقتلها، تقوم بنشاط صحفي وإعلامي لتعزّز مقولاتها وادّعاءاتها وتغزو العالَم بوجهة نظرها المُلفّقة. وإذا ما حاولنا أن نعقد مقارنةً بين ما قمنا به إعلامياً وبين ما قامت به دولة الاحتلال، حول القدس على وجه الخصوص، فإن أداءنا الصحفي الإعلامي، حتى العام 1993 - اتفاقيات أوسلو، كان متواضعاً إلى حدّ جارح، لغير سبب، أهمها؛ عدم توفّر الإمكانيات المالية والكوادر الصحفية المختصّة، والحصار والملاحقة الاحتلالية، وضخامة وقوة وحداثة الآلة الإعلامية الإحتلالية، إذ  شكلت وزارة الخارجية الإسرائيلية، وحدها، العام 1970 إضافة إلى عشرات المنابر والمطبوعات والمناهج والمنشورات والمساقات والفعاليات الاسرائيلية، هيئةً استشارية من الشخصيات العامة والمثقفين المختصين في وسائل الإعلام لمساعدة الدائرة الاعلامية للوزارة ورسم الخطط الإعلامية، وذات مرة قال بن غوريون: "إن مهمة وزارة الخارجية الإسرائيلية هي أن تبرر وتفسر للعالَم المغزى الكامن وراء عمليات الجيش الإسرائيلي. ومن أهم ما قامت وتقوم به:

 الاتفاق مع كبريات الصحف العالمية على إصدار ملاحق خاصة بالقدس باعتبارها عاصمتهم ومدينتهم الموعودة التي عادوا إليها!
 وإصدار نشرات إعلامية بلغات متعددة حول الأحداث المتعلقة بالمدينة وموقف إسرائيل منها. 
 تنظيم جولات وزيارات ميدانية في المدينة بشقّيها والتجمعات السكنية المحيطة بها، ومرافقة الوفود الأجنبية إلى أماكن متعددة في المدينة وتقديم شرح يهودي حول تاريخ الأماكن والمعالم التاريخية والدينية.
وإقامة علاقات وثيقة مع التلفزة الأجنبية، والاتفاق معها على تزويدها بالأفلام الوثائقية الخاصة بالقدس من وجهة نظر إسرائيل. وإرسال المفكرين والإعلاميين، واستقدام مفكرين وإعلاميين إلى القدس، لإلقاء محاضرات وندوات تخدم أهداف إسرائيل في القدس.
وتعد وزارة الخارجية جهازًا إعلاميًا متكامل النشاطات، ويمكن القول إنها تمثل العمود الفقري للإعلام الإسرائيلي الرسمي الخارجي.

أما بعد السابع من أكتوبر، بطوفانه وعدوانه، فإن القدس قد اتخذت خطّا مركزيا في الإعلام الاسرائيلي، أكثر اتساعا وتمويلا وتعميما. وللحديث بقيّة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد