لقد افتروا على الله، فكيف لا يفترون على البشر ليبرروا أطماعهم وهمجيتهم؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. محمد عودة

تتحرك ماكينة الجيوسياسة العالمية بخطى ثابتة نحو إلباس السياسي المادي ثوب الغيبي المطلق، وتحويل المصالح والأطماع الأرضية إلى قضايا تبدو وكأنها صادرة عن إرادة تتجاوز الإنسان والتاريخ، ولعل أخطر ما في هذا المسار هو إعادة توظيف مدونات دينية قديمة، صاغها عقل إنساني محكوم بزمانه وبيئته، بوصفها حقائق سرمدية تصلح لتفسير الحاضر وتبرير أفعاله.

وحين ننظر إلى نصوص العهد القديم باعتبارها نتاجًا بشريًا تَشكَل وصيغَ وتم تناقُله في سياقات تاريخية محددة، تتكشف أمامنا هذه البنية البشرية بوضوح، ولا سيما في النصوص التي تصوّر الخالق في حالات من الندم والتراجع وتغيّر القرار، بما يعكس الطريقة التي حاول بها الإنسان القديم فهم إرادة الإله وتفسير تفاعله مع واقع بشري مضطرب ومتقلب.

هذا العقل القديم لم يكن ينقل رسائل سرمدية معزولة عن أرض الواقع، بل كان يترجم صدمات بيئته واضطراباته السياسية إلى لغة غيبية تُضفي شرعية على ما يعجز العقل البشري عن تفسيره بمفرده في لحظات التصدع الوجودي.

تتضح البنية البشرية لهذه المدونات أولًا في سفر التكوين، وتحديدًا في الآية السادسة من الإصحاح السادس، حين يُصوَّر الخالق كمن يراجع أفعاله قائلًا: «فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه»، وهو تصوير يعكس ألم الإنسان القديم وصدمته أمام تفشي الفساد، ويقدم الخالق في السردية كمن يتراجع عن خطوته الأولى في الخلق.

وستمضي هذه الصورة البشرية لتظهر بوضوح في سفر صموئيل الأول، بالإصحاح الخامس عشر، حين يرد تعبير «ندمت على أني جعلت شاول ملكًا»، وهو تصوير يمكن قراءته بوصفه انعكاسًا لصراعات السلطة السياسية وتبريرًا بشريًا لتغيير الحكام وإسقاط الملوك وفقًا للمتغيرات العسكرية والقبلية التي تحكم الواقع السياسي للكاتب.

وهو ما يبرز بوضوح اضطراب المفاهيم داخل النص ذاته، حين يقدم ذات السفر في الآية التاسعة والعشرين من نفس الإصحاح تناقضًا صارخًا بقوله: «ونصير إسرائيل لا يكذب ولا يندم لأنه ليس إنسانًا»، ما يكشف تباين التصورات داخل النص واختلاف الصياغات والأيدي المحتملة في تشكيله.

ولا يتوقف الأمر عند حدود صراعات الملوك، بل يتجسد في مشاهد التدخل المباشر لرفع النكبات، كما يظهر في سفر صموئيل الثاني، بالإصحاح الرابع والعشرين والآية السادسة عشرة، في تصوير مباشر لتخفيف الضربة الوبائية عن الشعب بعد إحصاء داود، بقوله: «فندم الرب عن الشر». أما سفر الخروج، في الإصحاح الثاني والثلاثين والآية الرابعة عشرة، فتتجلى فيه نتيجة صراع الإرادات وشفاعة موسى التي عدلت من مسار الغضب الإلهي المزعوم، بندم الرب عن الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه.

ويتسع النمط ذاته في سفر يونان، بالإصحاح الثالث والآية العاشرة، حين تتراجع العقوبة لرؤية أعمالهم وتوبتهم، وفي سفر إرميا، بالإصحاح الثامن عشر والآية الثامنة، حيث يرتبط المآل بالفعل البشري وتغير السلوك، كما تتكرر الصيغة في إرميا السادس والعشرين والثاني والأربعين، بما يعكس حضور هذا التصور في الأدب الديني القديم، وصولًا إلى سفر اليوبيل، في الإصحاح الخامس والآيتين السابعة عشرة والثامنة عشرة، حيث يرتبط الرجوع عن الخطأ بالغفران والرحمة.

لكن القضية الأعمق ليست في وجود الخير والشر داخل الإنسان؛ فاجتماعهما فيه أمر طبيعي، وربما كان هذا هو جوهر الاختبار الإنساني، أن يتحول الشر من نزعة تحتاج إلى كبح إلى قوة تفرض إرادتها، ثم تُمنح شرعية دينية تجعلها تبدو وكأنها إرادة الله، وإذا كانت الوصايا العشر، في جوهرها الأخلاقي، تضع حدودًا واضحة أمام القتل والسرقة والكذب والاعتداء، فإن الخطر يبدأ عندما تُفرغ هذه المبادئ من معناها، فيصبح القتل دفاعًا، والاقتلاع حقًا، والظلم عدالة، ويُطلب من الإنسان أن يرى الشر خيرًا لأنه الشر ارتدى ثوبًا مقدسًا.

هذه المدونات المتكاملة كانت أيضًا محاولات بشرية لتفسير تقلبات الواقع وأزمات المجتمعات ، لكن الخطورة الحقيقية تكمن في هندسة إعادة إنتاجها في عالمنا المعاصر، إذ يعمد النظام العالمي المهيمن اليوم إلى نفض الغبار عن بعض تلك النصوص ليحولها قسرًا من وثائق قابلة للنقد إلى قواعد أبدية عابرة للتاريخ، وحين تُفرض هذه الثنائية، يُصار إلى ترسيخ صورة نمطية زائفة ومطلقة لبني إسرائيل تشريعًا ووجودًا، متجاوزين عمدًا ما ترويه النصوص ذاتها من هشاشة وتمرد دائم.

هذا التوظيف ليس مجرد قراءة نظرية للنصوص القديمة، فقد دخلت بعض هذه السرديات بالفعل إلى خطاب صناع القرار السياسي والعسكري في إسرائيل، ففي سياق العدوان على غزة، استدعى بنيامين نتنياهو رواية عماليق التوراتية بقوله: «اذكر ما فعله بك عماليق»، وهي إحالة إلى ذاكرة دينية قديمة أُعيد إدخالها في خطاب سياسي معاصر.

كما أن التصور الديني لحق اليهود في كامل «أرض إسرائيل» لم يبقَ في المجال اللاهوتي وحده، بل ظهر في المبادئ الحاكمة للائتلاف الإسرائيلي وفي برنامج بتسلئيل سموتريتش السياسي، الذي ربط بين «الحق الطبيعي» لليهود في أرض إسرائيل وبين تطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، إضافة إلى ظهور لغة تنزع عن الخصم صفته الإنسانية، كالوصف الذي أطلقه يوآف غالانت على الابرياء في غزة،حيوانات بشرية ، أو ما صدر عن عميحاي إلياهو بشأن استخدام السلاح النووي؛ لتكشف هذه الأمثلة بوضوح كيف تحولت بعض السرديات الدينية إلى أدوات حاضرة في الخطاب السياسي والعسكري الحديث.

هذا التلاعب الممنهج يفرغ النصوص من سياقها الأنثروبولوجي ليحولها إلى هراوة أيديولوجية تُستخدم في قمع أي محاولة نقدية، وتُسوغ الهيمنة المطلقة تحت ذريعة الانتساب إلى وعْد إلهي أبدي مزعوم، متجاهلة تاريخ التمرد البشري الموثق في ذات النصوص لصناعة مظلومية مقدسة.

إن الاستثمار المعاصر في نصوص الندم الإلهي المزعوم وصراعات الإرادات القديمة ليس ترفًا فكريًا، بل يمكن أن يتحول إلى وقود للحروب المدمرة، فعندما تحتاج القوى الكبرى إلى تمرير أجنداتها الاقتصادية والسيطرة على مقدرات الشعوب، قد تُستدعى هذه الذاكرة الأيديولوجية لحشد البشرية نحو العنف، وتصبح السرديات الدينية القديمة غطاءً أخلاقيًا لآلة الحرب، فيُقتل البشر على الأرض بتبرير الهي مزعوم، بينما تُدار المصالح في غرف التحكيم المادي والجيوسياسي.

إن تحويل الصراعات الجيوسياسية على حقول النفط والغاز والمعادن النادرة وممرات التجارة والنفوذ إلى معارك وجودية ومقدسة يضمن تدفق الدم البشري بسخاء، لأن المقاتل حين يقتنع بأنه ينفذ مشيئة إلهية أزلية قد يتحرر من أي وازع أخلاقي أو إنساني، محولًا الأرض إلى ساحة تصفية حسابات لصالح نخبة تحتكر القرار.

فالافتراء على الخالق لم يكن سوى المحطة التمهيدية الكبرى التي سبقت بالضرورة الافتراء على البشر، ومن تجرأ على نسب أطماعه الأرضية ونزواته الدموية إلى إرادة إلهية أزلية لن يجد غضاضة في اختلاق الأكاذيب وشيطنة الشريك في الإنسانية لتسويغ إبادته.

عندما يُختزل المطلق إلى مجرد ظهير أيديولوجي لمشروع سياسي استعماري، يسقط بشكل متتالي كل وازع أخلاقي، وتصبح صناعة الوضاعة البشرية وتلفيق التهم للخصوم جزءًا لا يتجزأ من هندسة الصراع الحديث، فالشعوب المستهدفة اليوم لا تُستباح دماؤها إلا بعد أن تُغتال أسماؤها وتُنسج حولها شبكة هائلة من الأكاذيب الممنهجة التي تصورها كعقبة أمام مسيرة الحضارة أو تهديد وجودي يجب محوه، تمامًا كما صيغت النصوص القديمة لتبرير اجتياح الأرض وأهلها تحت يافطة التفويض الإلهي.

إن هذا التطابق المذهل بين الخطابين يفسر لنا سر البشاعة التي تُدار بها صراعاتنا المعاصرة، فالقوة الكبرى لا تحتل أرضًا إلا بعد أن تحتل وعي قطاعات واسعة من شعوبها، مقنعة إياهم بأن الضحية ليست سوى كائن أدنى يستحق المصير الذي يلاقيه.

وحين ينزع الجلاد عن خصمه صفة الإنسان، فإنه يعلن قطيعته التامة مع أي مفهوم أخلاقي مشترك، مستندًا إلى مظلومية تاريخية متخيلة أو تفوق مزعوم يستمد شرعيته من ذات العقلية التي صاغت أساطير الندم والتراجع لخدمة مصالح الملوك والكهنة في العصور الغابرة.

إن وعي الإنسان المعاصر برفض هذه الوصاية الفكرية يمثل خط الدفاع الأول ضد هذه الميكانيزمات الاستعمارية، وحين نجرؤ على تفكيك هذه السرديات ونرفض إخضاع عقولنا لسطوة نصوص بشرية أُلبست قسرًا لباس القداسة المطلقة، فإننا نكشف عري المصالح المادية الكامنة خلف خطابات الدمار لنستعيد للإنسان حريته وقدرته على إعادة كتابة تاريخه خارج أسوار الأيديولوجيات المهيمنة.

فإسقاط القداسة المزيفة عن هذه المدونات ليس نزوعًا عبثيًا بقدر ما هو طوق نجاة أخلاقي يضع حدًا لمهزلة استغلال الخالق في تبرير همجية الأرض، ويفتح الباب أمام أفق إنساني جديد يرتكز على العدالة والعقل لا على أساطير الدم والمظلوميات المصطنعة، ويبقى السؤال معلقًا أمام كل عقل حر: متى نتحرر من توظيف التاريخ القديم، ونرفض أن نحرق حاضرنا بأيدٍ تدّعي أن الله خوّلها ذلك؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد