مأزق الوعي الفلسطيني في لحظة الانهيار
شبكة قدس الإخبارية -

تمضي إسرائيل في جرائمها في قطاع غزّة والضفّة الغربية والقدس، وتوسّعها ضمن مخطّط استراتيجي شامل لا تختزله الحسابات الانتخابية لليمين المتطرّف، وإن كانت جزءًا منه. ما يحدث عملية إبادة ممنهجة، وتطهير عرقي مدروس، وسيطرة متزايدة على الأرض، وتحويل للسكّان إلى نازحين داخل وطنهم، ودفعهم نحو طَرق أبواب الهجرة واللجوء، وإحكام القبضة على المسجد الأقصى المبارك، وإعادة صياغة قواعد العلاقة مع السلطة وقوى المقاومة الفلسطينية. وأيّ قراءة للجرائم الإسرائيلية بعضها بمعزل عن بعض، أو كأنّها غير متّسقة ضمن إطار ناظم، تقودنا إلى نتائج خاطئة. وينبغي لنا أن نقرّ، ابتداءً، بأنّ الكلّ الفلسطيني، في مختلف أماكن وجوده، والمشروع الفلسطيني برمّته، يواجهان أزمةً وجوديةً لم نرتقِ إلى مستوى إدراكها بعد، ولا يبدو أنّ هذا يلوح في الأفق.

في سياق هذا التوصيف، لا يمكن فصل اعتداءات قطعان المستوطنين على الفلسطينيين في الضفّة الغربية، ونهب منازلهم وأراضيهم وقراهم وحرقها، والاستيلاء على بعضها، بحماية من جيش الاحتلال، عن جرائم هذا الأخير في الضفّة نفسها. وتشمل تلك الجرائم، عدا القتل والاستهداف والاعتقالات المستمرّة والمتواصلة، مصادرة الأراضي بذرائع أمنية، والتوسّع الاستيطاني، وهدم بيوت الفلسطينيين، لا في مناطق “ج” فقط، التي تشكّل نحو 60% من مساحة الضفّة وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، مدنيًا وأمنيًا، أو مناطق “ب”، التي تشكّل نحو 22% من مساحة الضفّة وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية، بل وصلت إلى مناطق “أ” نفسها، التي تشكّل نحو 18% من الضفّة الغربية وتخضع، نظريًا، لسيطرة فلسطينية كاملة إداريًا وأمنيًا، بحسب اتفاق أوسلو (1993).

وفي الوقت نفسه، تمضي إسرائيل في توحّشها في قطاع غزّة، غير آبهة بالاتفاقات التي وقّعتها لوقف إطلاق النار. فهي تسيطر على قرابة 70% من مساحة القطاع، ولا تتوقّف عمليات القتل والهجمات التي تشنّها ضدّ المدنيين وعناصر المقاومة يوميًا، في حين تستمرّ في سياسة خنق أكثر من مليوني فلسطيني عبر التحكّم في مستويات دخول الماء والغذاء والدواء والوقود إليهم. ولا تخفي تل أبيب أنّ الغاية التي ترجوها في قطاع غزّة هي تهجير سكّانه جميعًا إلى خارجه وتهويده بالكامل.

في مواجهة هذا الواقع الكارثي فلسطينيًا، نجد السلطة الفلسطينية وكأنّها في حالة غيبوبة، في حين تترنّح القوى والفصائل الأخرى، وتحديدًا حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، تحت وطأة الضربات الإسرائيلية على مدى السنوات الثلاث الماضية. وربما لا يكون من العدل، من ناحية مبدئية، المساواة بين مَن يقاوم جلّاده، مهما كان ميزان القوى مختلًّا ومهما وقع من خلل في الحسابات، ومَن يتواطأ مع ذلك الجلّاد و”ينسّق” معه. غير أنّ الواقع العملي، على غلاظته، يرغمنا على القول إنّ كلّ الأطراف، سلطةً وفصائلَ ومقاومةً، تعاني درجات متفاوتة من إنكار الواقع، وربّما الانفصال عنه.

إنّك لتصاب بالدهشة حين ترى هذه الأطراف كلّها تحشد لسباق التنافس في الانتخابات التشريعية المفترضة في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، “في كافة أراضي دولة فلسطين: الضفّة الغربية بما فيها القدس، وقطاع غزّة”، بحسب “المرسوم الرئاسي” الصادر في يوليو/تمّوز الماضي. لن أخوض هنا في “سلبطة” رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس واستئثاره بقرار الانتخابات وإجراءاتها واشتراطاتها، وهو الفاقد للشرعية الشعبية والدستورية منذ عام 2009، لكنّ مرسومه في حدّ ذاته أحد تعبيرات الأزمة، أو الكارثة الفلسطينية.

أيّ انتخابات ستجري في قطاع غزّة الذي ليس فيه وجود للسلطة الفلسطينية أصلًا! وكانت “حماس” قد أعلنت، في يوليو الماضي، حلّ لجنة الطوارئ الحكومية التي كانت تديرها، تمهيدًا لتسليم المهام الإدارية إلى “اللجنة الوطنية لإدارة غزّة” (لجنة التكنوقراط) التي يترأّسها علي شعث، بحسب “خطّة السلام” التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. والمفارقة أنّ إسرائيل لا تزال تمنع دخول هذه “اللجنة الوطنية” إلى القطاع لممارسة مهامها. دع عنك، طبعًا، الواقع المعيشي والأمني المرير هناك. وينسحب الأمر على القدس المحتلّة، التي تعدّها إسرائيل عاصمةً موحّدةً وأبديةً لها، خصوصًا بعد اعتراف ترامب في إدارته الأولى بذلك عام 2017. أمّا الضفّة الغربية، فواقعها المزري سبق توصيفه أعلاه.

المفارقة الأخرى هنا ما أُعلن، الشهر الماضي (أغسطس/آب)، من مساعٍ مشتركة بين حركتَي حماس والجهاد الإسلامي، والتيّار الإصلاحي في حركة فتح بقيادة محمّد دحلان، والملتقى الوطني الديمقراطي، وألوية الناصر صلاح الدين، وغيرهم، لتشكيل ائتلاف انتخابي سياسي واسع لخوض الانتخابات التشريعية المفترضة. ومكمن المفارقة ليس فقط في احتمال تحالف حركات مقاومة، مثل “حماس” و”الجهاد” وألوية الناصر صلاح الدين، مع مَن كانوا يصفونه قبل سنوات بـ”عرّاب التنسيق الأمني” مع الاحتلال الإسرائيلي، وخاضت “حماس” معركةً عام 2007 مع تيّاره الذي كان يسيطر على قطاع غزّة، بل في أنّ دحلان رجل الإمارات التي ترتبط بتحالف جوهري مع إسرائيل.

هذا فضلًا عن أنّ عبّاس جعل واحدًا من شروط الترشّح للانتخابات الاعتراف والقبول باتفاق أوسلو ومخرجاته، التي ترفضها “حماس” و”الجهاد” و”الناصر”. وعلى فرض إجراء الانتخابات، وهو أمر مشكوك فيه، خصوصًا في ظلّ خشية حركة فتح من خسارتها على خلفية انقساماتها، ومعركة خلافة عبّاس الجارية فيها، ودخول ابنه ياسر على الخطّ، فهل تريد “حماس” و”الجهاد” العودة إلى موقع السلطة والمسؤولية، وإن كان ائتلافيًا، بعد كلّ ما جرى على مدى السنوات الثلاث الماضية؟ وهل يثقون فعلًا بدحلان؟

تلك بعض تعقيدات الداخل الفلسطيني وتشرذمه، لكنّ الأزمة لا تقف عند ذلك الحدّ. واقع الفلسطينيين في الشتات ليس أحسن حالًا. وحتّى لا نغرق في تفاصيل وتفريعات كثيرة، تكفي الإشارة هنا إلى أنّ القوى والتيّارات والشخصيات الوطنية الفلسطينية عجزت، سنوات طويلة، عن تشكيل أجسام وأطر فاعلة لتعويض غياب منظّمة التحرير الفلسطينية، التي عمل عبّاس على تقويضها وتعطيلها وإجهاضها عقدَيْن. وكلّ المحاولات التي رامت “إصلاح” منظّمة التحرير انتهت إلى فشل ذريع. صحيح أنّ ثمّة أسبابًا كثيرة هنا، لكنّ جزءًا منها أسباب ذاتية، وليست فقط موضوعيةً خارجةً عن سيطرتهم. ومرّة أخرى، يبدو أنّنا على أعتاب إعادة عبّاس تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بآلية التعيين للمحسوبين عليه وعلى تيّاره، بعيدًا من الكفاءات الهائلة التي يملكها الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كلّها.

الحقيقة المُرّة أنّنا أمام كارثة جارفة تهدّد الكلّ الفلسطيني وقضيته، من دون أن نملك تصوّرًا أو مشروعًا للتصدّي لهذا التهديد الوجودي. والخطوة الأولى تتمثّل في الاعتراف بحجم التحدّي، أمّا الثانية فتتطلّب تحييد الأنا، والتواضع، في سبيل بناء إطار جامع على أساس الكفاءة والقدرة على الفعل والتأثير، لا على مجرّد الرمزية والتاريخ.