أسئلة الانتخابات: بين التشريعي والوطني
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: عاطف أبو سيف

هناك نقاش كبير عن الانتخابات التشريعية التي ستجرى في مناطق السلطة الفلسطينية، ونقاش قليل حول ما يتم التحضير له من انتخابات أو تشكيل للمجلس الوطني في الشتات. ثمة مساران متوازيان، أحدهما يتعلق بالانتخابات التشريعية والقوانين الناظمة لها بما في ذلك نسبة تمثيل المرأة مثلاً، فيما يتعلق الآخر بالجهود التي تبذلها اللجنة المكلفة بالخصوص لغاية إنهاء ترتيبات تكوين أعضاء المجلس الوطني من الشتات سواء في أماكن اللجوء أو في الساحات الخارجية. والحقيقة أن التحضيرات للانتخابات التشريعية حظيت بنقاش أوسع من تلك الجهود التي نعرف عنها فقط من خلال زيارات اللجنة الخارجية، فيما لا أحد يعرف طبيعة الأسئلة الكبرى التي يجب الإجابة عنها من أجل أن يتم تمثيل الشتات والاغتراب بطريقة حقيقية. ومثل هذا القول لا ينتقص من تلك الجهود المبذولة لكن حجم الأسئلة المقلقة المتعلقة بتكوين المجلس وطبيعة الشتات والجاليات يتطلب توضيحاً كبيراً حتى لا يعدو التشكيل الجديد موضوع خلاف واختلاف. وحقيقة الأمر يجب أن تزداد صعوبةً إذا ما اعتبرنا تلك الجهود تهدف حقاً إلى إعادة صياغة النظام السياسي وفق أسس سليمة وتمثيلية؛ ما يجعل المهمة أكثر تعقيداً وبحاجة لنقاش وطني أشمل وأكثر عمقاً. وأساس ذلك حقيقة أن منظمة التحرير بمؤسساتها هي الأشمل والأعم والأقدر على تمثيل كل الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة.

ولعل السؤال الأبرز المتعلق ببنية المجلس الوطني القادمة تتعلق حقيقة بطبيعة العلاقة التي ستربط أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين بأعضاء المجلس الوطني. فرغم عدم وضوح العلاقة بشكل نهائي بين المجلس الوطني والتشريعي، على الأقل في حدود ما نعرف، إلا أن ثمة فكرة رائجة تعتبر أن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين سيكونون أعضاء طبيعيين في المجلس الوطني الجديد، وهذا بحاجة لنقاش. ورد أن إعادة تخفيض عدد أعضاء المجلس المنتخبين تم دون تخفيض عدد تمثيل مناطق السلطة الفلسطينية في المجلس الوطني ما يعني ضمناً بقاء عشرات المقاعد التي لن يتم انتخابها بل سيتم تكليفها. وهي كما ورد في العديد من التوضيحات أو التكهنات ستكون حصصا للتوزيع الفصائلي لضمان تمثيل بعص الفصائل. في البداية، لا بد من الالتفات إلى أن المزاوجة في عضوية المجلس بين أعضاء منتخبين وآخرين مكلفين يعني وجود شرخ تشريعي حقيقي فالعضو المنتخب لن يكون مثل العضو غير المنتخب. والأساس إما أن يكون الجميع منتخبين أو مكلفين. هذا ينسحب أيضاً على المجلس الوطني بعموميته. ليس من الحكمة أن يكون نصف الأعضاء منتخبين ونصفهم الآخر بالتوافق. الأساس إذاً الفصل؛ بحيث يكون هناك مجلس تشريعي مهمته التشريع للسلطة الفلسطينية ومنح أو حجب الثقة عن حكومتها والرقابة البرلمانية في حدود الاختصاص وعلى المؤسسات التي تقع ضمن الإشراف العام للسلطة وليس لدولة فلسطين. بهذا يتحقق أمران. الأول، نضمن تعزيز الفصل والتداخل بين السلطة وبين المنظمة مع إقرار الولاية القانونية للمنظمة على السلطة بما يعنيه هذا من رقابة ومساءلة ووقف تغول مؤسسات السلطة على هيئات المنظمة، والثاني، ضمان استقرار مركبات المجلس التشريعي ومركبات المجلس الوطني.

هل يقتضي هذا وجود جسمين برلمانيين؟ الكثير من دول العالم لديها أكثر من هيئة برلمانية. هناك مجلس أعلى ومجلس أدنى لتقريب الأمر. في الحالة الفلسطينية، يمكن إقرار الفصل التام بحيث يتم تقييد المجلس التشريعي بمهامه المتعلقة بالسلطة وتعميم مهام المجلس الوطني. يمكن وقتها العودة للنظام السابق الذي يحدد انتخابات التشريعي من قبل سكان الضفة الغربية وغزة وتكليف المجلس الوطني وفق تفاهمات فصائلية واسعة تحافظ على أطر واتحادات منظمة التحرير أيضاً وتجنبنا فكرة أن يكون بعض أعضاء الشتات منتخبين (حيث أمكن) وبعضهم بالتوافق وفق معايير مختلفة. كما يمكن إقرار نظامين انتخابيين، واحد للمجلس التشريعي وواحد للمجلس الوطني حيث ينتخب المواطن قائمتين، واحدة للمجلس التشريعي وأخرى للمجلس الوطني. يحدث هذا في عشرات الدول في العالم؛ ويتم بالتزامن. هل هناك من يبتسم ويقول، إن هذا النموذج ستنتج عنه طبيعة مختلفة في التنافس وتفضيل البعض للتشريعي (الراتب) عن الوطني؟ هناك حلول لكل شيء.

بالعودة لجهود اللجنة في التجمعات الفلسطينية في الشتات والمهجر فإن ثمة أسئلة مقلقة حقاً. لعل أولها تبادراً للأذهان يتعلق بوجود إحصاءات رسمية عن تعداد الفلسطينيين في البلدان المختلفة. مثال صغير على ذلك هو الهجرة الفلسطينية التي تمت من سورية خلال الحرب هناك في العقد والنصف الماضيين؛ خاصة لألمانيا. يوجد تقديرات حول هذه الأعداد ولكن هل توجد لدينا أرقام حقيقية؟ وهل يتم شملهم أيضاً ضمن تمثيل فلسطيني سورية؟ السؤال نفسه يتعلق بالهجرة التي تمت من غزة خلال الحرب وخلال حكم «حماس» الجائر لغزة في العقدين الماضيين. هل نعرف تعداد سكان غزة الذين خرجوا خلال تلك الفترة. انتبهوا فإن الإحصاء الفلسطيني يتم على الهوية رغم وجود بحث ميداني. وحتى في ظل وجود بحث ميداني فإن رب العائلة يقدم أوراقاً ثبوتية بأفراد العائلة الذين هاجروا  للخارج. وعليه فكل من يحمل هوية غزة ويعيش في السويد والنرويج (التجمعات الكبرى) يتم شمله أيضاً ضمن تعداد ٢.٢ مليون في غزة. ما اقترحه هو وجوب تحضير إحصاء رسمي حقيقي للتجمعات في الشتات قبل الذهاب لتجسيد التمثيل.

سؤال آخر يتعلق بالاتحادات الشعبية التابعة للمنظمة التي كانت دائما العمود الفقري لحضور المنظمة في المهن والأعمال المختلفة ووفرت مساحات حقيقية لتمثيل قطاعات واسعة من شعبنا في أماكن مختلفة في العالم. لا أحد يعرف مصير تمثيل الاتحادات. بعض هذه الاتحادات أجرت انتخابات وبعضها لم يجرِ أي انتخابات عامة حقيقية.

مرة أخرى، الصيغ التجبيرية لا تفيد هنا. إذ إن أساس البرلمان إما أن يكون منتخباً أو مكوناً على أساس توافق وطني شامل. والتوافق هنا هو توافق من يقبل أن يكون شريكاً في النضال التحرري تحت مظلة الجسم الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني؛ أي منظمة التحرير، وليس من يرى في الأمر «بدي حصتي». ولعل الإبقاء على الصيغة التي كانت سائدة حتى اللحظة أفضل وأسلم وطنياً.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد