عامان من الجوع والضرب والإهانة والإذلال.. ماذا يعني أن تعيش أسيرًا في سجون الاحتلال؟
شبكة قدس الإخبارية -

عامان كاملان خلف القضبان ليستا مجرد مدة زمنية يمكن اختصارها برقم في ملف أسير، عامان يعنيان مئات الأيام التي تبدأ بصوت الأبواب الحديدية والاقتحام وتنتهي في الزنازين، ووجبات قليلة لا تكفي، ونومًا متقطعًا، وخوفًا دائمًا من التفتيش والاقتحام والعقوبة، وقلقًا لا يفارق الأسير على عائلته ومصيرها.

خارج السجن يمضي الزمن بصورة طبيعية، أما داخله فإن اليوم الواحد يمكن أن يبدو طويلًا كأنه شهر، والشهر قد يتحول إلى عام كامل من الانتظار والألم.

في سجون الاحتلال، لا يبدو الجوع مجرد غياب للطعام، بل يتحول إلى حالة يومية تفرض نفسها على تفاصيل حياة الأسير، أن تستيقظ وأنت تفكر في موعد الوجبة التالية، وأن تتلقى طعامًا لا يكفي جسدًا أنهكه المرض والإرهاق، ثم تضطر إلى تقسيم ما حصلت عليه من خبز أو طعام حتى تتمكن من مواجهة الساعات المقبلة.

ومع مرور الأيام، يتحول الطعام من حاجة طبيعية إلى هاجس يسيطر على التفكير، ويصبح الشبع نفسه أمنية يصعب الوصول إليها، فالجوع الطويل لا يتوقف تأثيره عند المعدة، وإنما يترك آثاره على الجسد كله، يفقد الأسير من وزنه، وتضعف قدرته على الحركة، وتتراجع مقاومته للأمراض، فيما تصبح الأمراض المزمنة والإصابات أكثر خطورة في ظل نقص العلاج والرعاية الطبية.

وقد تحدث أسرى محررون عن فقدان أوزان كبيرة خلال فترة احتجازهم، وعن حالات إغماء وضعف شديد نتيجة نقص الغذاء وسوء ظروف الاحتجاز، وهذا كان يزيد بدرجة كبيرة في فترة الأعياد اليهودية، وخاصة ما يعرف بالبيسح، لأن الوجبات تقل، لتصبح المناسبات الدينية عندهم مرتبطة بالمزيد من العقاب والإذلال والجوع.

لكن الجوع ليس الوجه الوحيد للألم، هناك وجع آخر لا يظهر بسهولة في التقارير الطبية، هو وجع الإهانة اليومية ومحاولات كسر الكرامة الإنسانية.

أن يُعامل الإنسان كرقم، وأن يُصرخ في وجهه، ويُشتم في كل وقت وحين، وأن يخضع للضرب والتفتيش المتكرر، وأن يُجبر على تنفيذ أوامر مهينة، وأن يعيش في حالة دائمة من الترقب والخوف من العقوبة؛ كل ذلك يترك أثرًا يتجاوز الجسد إلى النفس.

الإذلال في السجن لا يحدث بالضرورة في لحظة واحدة، وإنما يتراكم يومًا بعد يوم، إهانة صغيرة تتبعها أخرى، وصراخ يتكرر، وتفتيش مهين، وحرمان من أبسط الخصوصية، حتى يصبح الأسير أمام محاولة مستمرة لتحويل الإهانة إلى جزء طبيعي من حياته. ولذلك فإن مقاومة الأسير لا تكون دائمًا في صورة مواجهة مباشرة، بل قد تبدأ من أشياء بسيطة جدًا: أن يحافظ على ترتيب مكانه، أن يرفع معنويات زميله، أن يقرأ، أو يحفظ، أو يتعلم، أو يشارك آخرين ما لديه من طعام.

داخل الزنزانة، تصبح التفاصيل الصغيرة ذات قيمة مختلفة، قطع صغيرة من الخبز يتقاسمها أسيران قد تكون وجبة كاملة في لحظة جوع، كلمة من رفيق قد تمنع انهيارًا نفسيًا، خبر يصل من العائلة قد يغير مزاج يوم كامل، ورسالة قصيرة من طفل يمكن أن تكون أقوى من كل جدران السجن، فالأسير لا يعيش فقط ألم ما يحدث له، بل يحمل معه عالمًا كاملًا تركه خلفه.

عامان من الاعتقال يعنيان أيضًا عامين من الغياب عن الأسرة، طفل يكبر دون أن يرى والده، أم تنتظر خلف الباب، زوجة تتحمل أعباء البيت وحدها، ومناسبات عائلية تمر دون صاحبها، قد يعود الأسير ليجد أن أبناءه تغيروا، وأن طفلًا كان يحمله بين ذراعيه أصبح فتى، وأن والديه تقدما في العمر، وأن تفاصيل كثيرة من الحياة التي كان يفترض أن يعيشها معهم أصبحت مجرد ذكريات.

ولهذا فإن الأسر لا ينتهي بالضرورة عند لحظة فتح باب السجن، فقد يخرج الأسير بجسد أنهكه الجوع والمرض، وبآثار إصابات أو مشكلات صحية لم تكن موجودة قبل الاعتقال، لكنه قد يحمل أيضًا آثارًا نفسية لا يمكن رؤيتها بسهولة، الأرق، الخوف من الأصوات المفاجئة، القلق، اضطراب النوم، والانشغال المستمر بما عاشه داخل السجن، كلها قد تبقى معه بعد أن يغادر الزنزانة.

ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحدثت مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية عن تدهور حاد في ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، بما يشمل شكاوى متكررة من سوء التغذية، والاكتظاظ، والاعتداءات، والحرمان من العلاج، وسوء ظروف النظافة، إضافة إلى القيود المشددة على الزيارات والحقوق الأساسية للأسرى.

لكن الأرقام وحدها لا تستطيع أن تشرح ماذا يعني أن يعيش إنسان عامين في هذه الظروف، وهناك الآلاف من يعيشونها حتى هذه اللحظات، الرقم يقول إن مدة اعتقالي 730 يومًا تقريبًا، لكنه لا يقول كم مرة نام الأسير جائعًا، وكم مرة تحمل الألم دون دواء، وكم مرة أُهين أمام إخوانه، وكم مرة أخفى خوفه حتى لا يراه الآخرون، وكم مرة فكر في أمه وزوجته وأطفاله وهو خلف باب مغلق.

السجن في هذه الحالة لا يصبح مجرد مكان تُسلب فيه الحرية، بل عالمًا كاملًا تُعاد فيه صياغة تفاصيل الحياة وفق قوانين القوة والمنع والعقاب، الطعام يصبح امتيازًا، النوم يصبح تحديًا، العلاج يصبح مطلبًا، والخصوصية تتحول إلى حلم، بينما يحاول الأسير كل يوم أن يحافظ على الحد الأدنى من شعوره بذاته وكرامته.

وقد يكون أقسى ما في تجربة الأسير أن السجن لا يكتفي بسرقة حريته؛ فهو يحاول أن يجعل الألم اعتياديًا، وأن تصبح الإهانة جزءًا من الروتين، وأن يتحول الجوع إلى أمر مألوف.

لكن الإنسان الذي يخرج من السجن بعد كل ذلك، وهو لا يزال قادرًا على تذكر اسمه، وأهله، وبيته، وأحلامه، وعلى الحديث عما عاشه، يكون قد احتفظ بالشيء الذي حاول السجن انتزاعه منه طوال تلك السنوات: إحساسه بأنه إنسان.