شبكة راية الإعلامية - 9/6/2026 6:30:39 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
تتكون لديّ في الأيام الأخيرة قناعة متزايدة، أتمنى أن تكون خاطئة، بأن احتمال تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني لم يعد احتمالاً بعيداً .
لا أقول إن قراراً بالتأجيل قد اتُخذ، ولا أملك معلومات تسمح بالجزم بذلك ، لكن قراءة المشهد الفلسطيني والإقليمي، والمصالح المتعارضة مع إجراء الانتخابات ، والمخاطر المحيطة بتأجيلها، تفرض علينا أن نطرح السؤال منذ الآن ، ماذا لو جرى تأجيل الانتخابات ومن المستفيد من ذلك؟
هناك أولاً العامل الإسرائيلي والأمريكي ، فالانتخابات الفلسطينية ليست مجرد عملية لاختيار أعضاء المجلس التشريعي ، بل استحقاق يتصل أيضاً بتجديد الشرعيات والمؤسسات الوطنية ، بما فيها انتخابات المجلس الوطني . وإذا أُجريت الانتخابات التشريعية في القدس والضفة وغزة، فإنها تعيد التأكيد سياسياً وقانونياً على وحدة الشعب والأرض والنظام السياسي الفلسطيني، وعلى أن غزة ليست كياناً منفصلاً يمكن إخضاعه لترتيبات خاصة أو لمشروع وصاية وإدارة سكانية ، الامر الذي ساهمت بعض الأطراف الفلسطينية بالوصول له خلال العقدين الماضيين بدأ من الانقسام وانتهاء بتشكيل اللجنة الوطنية الادارية التابعة لمجلس ترامب وميلادينوف للسلام وسيطرة الأحتلال على ٦٠٪ من مساحة القطاع بعد تأثير عدوان الإبادة وتدميره .
كما أن إجراء انتخابات المجلس الوطني ، بما يشمل شعبنا في الشتات حيثما أمكن ذلك ، يعيد التأكيد على مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، رغم ما تحتاجه من تطوير وإعادة بناء لتكون جبهة وطنية عريضة تمثل مختلف مكونات شعبنا في جميع أماكن تواجده ، وما تقتضيه مكانتها من مسؤولية سياسية ووطنية أمام شعبنا والعالم .
وهذا يتناقض موضوعياً مع ما يجري العمل عليه من ترتيبات تتعلق بغزة ، والتي قد لا تقف عندها فقط ، من خلال دور ما سُمي «مجلس السلام» واللجان التابعة له ، حتى وان كان اعضاؤها فلسطينين أسماً ، وما افترضوه لأنفسهم من صلاحيات التشريع وإلغاء اي تشريعات سابقة والتي قد تطال الإنتخابات ، ومع محاولات تكريس الفصل الجغرافي والسياسي ، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني وإنهاء أحتلال إلى قضية إدارة سكان ومساعدات وترتيبات أمنية ، بعيداً عن منظمة التحرير صاحبة الولاية السياسية والوطنية .
فهل من مصلحة إسرائيل ، التي تعمل على تفكيك وحدة الأرض الفلسطينية، أن تجري انتخابات تعيد التأكيد على هذه الوحدة؟ وهل من مصلحة الإدارة الأمريكية ، وهي تدفع باتجاه ترتيبات جديدة في غزة ، أن يولد مجلس تشريعي فلسطيني منتخب يعيد تأكيد الشرعية والسيادة ووحدة الجغرافيا والتمثيل الفلسطيني؟
هذه أسئلة مشروعة ، لكنها لا تعفينا من النظر إلى داخلنا ، فثمة عامل فلسطيني لا يقل أهمية ، فالانتخابات بطبيعتها تحمل شيئاً لا تحبه مراكز النفوذ ، وهو عدم القدرة على ضمان النتائج مسبقاً في انتخابات عامة كهذه .
داخل «فتح» توجد آراء وتباينات أصبحت معروفة ، وهناك احتمال لتشكيل قوائم مختلفة إضافة الى قوائم القوى السياسية الاخرى والحراكات والشخصيات المستقلة . كما أن تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية ، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وانعدام الأفق السياسي نتيجة تصاعد هجمة المشروع الاستعماري الاستيطاني ، كلها عوامل تثقل كاهل المواطن وتمس قدرته على الصمود في غياب التمكين الحقيقي ، قد تجعل سلوك الناخب الفلسطيني مختلفاً عما تتوقعه الحسابات التقليدية المبنية أحياناً على الرغبات .
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية ، هل الجميع مستعد لإجراء الانتخابات إذا لم يكن واثقاً من نتائجها ؟ وهل الالتزام بالديمقراطية قائم فقط عندما نتوقع أن يمنحنا الصندوق النتيجة التي نريدها ؟
وهناك ثالثاً الأحتلال نفسه ، وعصابات المستوطنين الذين يمكن أن يشكلوا أداة فعلية لتعطيل العملية الانتخابية ، خاصة في الضفة ، من خلال الاعتداء على المرشحين والناخبين ومراكز الاقتراع ، وإغلاق الطرق وخلق بيئة من الخوف والفوضى نتيجة إرهابهم ، إضافة إلى قدرة سلطات الأحتلال على تعطيل الانتخابات في القدس وعرقلة حركة المرشحين والحملات الانتخابية والتنقل حتى بين المدن والقرى .
وهنا تكمن ، برأيي ، المسألة الأخطر ، ألا تتحول محاولات الأحتلال لتعطيل الانتخابات، أو أرقام استطلاعات الرأي المعلنة ، إلى مبرر لتأجيلها أو إلغائها .
وهنا ، فإذا منع الاحتلال الإنتخابات في القدس ، فالمطلوب تحويل القدس إلى عنوان لمعركة سياسية ودبلوماسية وقانونية وشعبية من أجل حق المقدسيين في المشاركة ، لا استخدام المنع الإسرائيلي سبباً لتعليق حق الفلسطينيين جميعاً في اختيار ممثليهم، ومنهم المقدسيون بالطبع . وإذا حاول المستوطنون تخريب العملية، فالمطلوب حماية المؤسسات الرسمية ومنها الامنية وفق امكانياتهم للناس وحقهم في الاقتراع ، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته ، لا مكافأة المعتدين بتحقيق الهدف الذي يريدونه .
لذلك ينبغي منذ الآن التعامل مع الإنتخابات باعتبارها استحقاقاً وطنياً يتجاوز التنافس على المقاعد ، بل كمعركة سياسية وديمقراطية مع الأحتلال من أجل الحفاظ على المشروع الوطني التحرري ووحدة الأرض والشعب وحق المواطن بالرأي والحركة وفق المواثيق الدولية .
ومن هنا ، فإن على القوى السياسية والقوائم والحراكات والمجتمع المدني الاستعداد لها وكأنها ستجري في موعدها ، والاتفاق على أن أي تعطيل لها من الأحتلال ، أو محاولة لتأجيلها ، يجب ألا تمر كإجراء إداري أو بقرار منفرد . وإذا نشأت ظروف قاهرة تجعل إجراءها في موعدها مستحيلاً فعلاً ، فيجب أن يكون ذلك موضع توافق وطني علني وواسع ، مع تحديد موعد بديل قريب ومُلزم ، لا العودة إلى التأجيل المفتوح الذي عرفناه طوال سنوات طويلة . كما ينبغي العمل منذ الآن على توفير الرقابة والضمانات الدولية اللازمة لإنجاحها ، ونقل أي عرقلة إسرائيلية إلى الهيئات الأممية والمجتمع الدولي .
أما «فتح» ، التي أكتب من موقع الانتماء إليها والحرص على دورها ومكانتها كحركة تحرر وطني واسعة وتعددية ، فإن عليها ألا تنظر إلى احتمال تشكيل قوائم أخرى من بعض أبناء «فتح» المخلصين باعتباره خطراً ينبغي التخلص منه بالإقصاء والاستعداء وتوجيه الاتهامات والتخوين ، بل مؤشراً يستوجب السؤال والمراجعة والنقد الذاتي ، وممارسة مفهوم القيادة الجامعة والحاضنة ، والتفكير الجاد والمسؤول وفق مبدأ الانتماء لا الولاء . أي لماذا يفكر أبناء من الحركة الذين تم استبعادهم بالمؤتمر الأخير في خيارات أخرى؟ وهل نعالج ذلك بإغلاق الأبواب وتوجيه الاتهامات إليهم ، أم بالحوار والانفتاح وإعادة بناء الثقة والمشاركة المفترضة في حركتهم وفق اسس شفافة وديمقراطية ؟
فالانتخابات يمكن أن تكون فرصة لاستنهاض «فتح» لا تهديداً لها ، إذا امتلكت الحركة شجاعة المراجعة والنقد والتجديد والانفتاح على أبنائها المخلصين الذين لم تلوثهم ارتباطات خارجية ، وعلى المجتمع بشكل عام ، الذي تأثرت ثقته بها نتيجة الخلط غير المبرر بين دور الحركة ودور السلطة وما عليها من استحقاقات ، ونتيجة أخطاء كان يمكن تجاوزها في مراحل سابقة أو بالمؤتمر الثامن .
وقد تكون هذه المرحلة أيضاً فرصة لـ«فتح» لإعادة فتح النقاش الذي لم يأخذ مداه المطلوب في المؤتمر الثامن ، حول دور الحركة ومكانتها وهويتها ووظيفتها كحركة تحرر وطني ، وعلاقتها بالسلطة ومنظمة التحرير ، وبمختلف مكونات شعبنا وقواه السياسية والاجتماعية ، وبقوى التحرر والتقدم في العالم المتضامنة مع شعبنا ولمستقبل المشروع التحرري والنظام السياسي .
فالمطلوب ليس فقط أن تستعد «فتح» للإنتخابات ، بل أن تسأل نفسها ، بأي رؤية وبرنامج وأدوات ستذهب إليها ؟ وكيف تؤكد دورها وتطوره في قيادة المشروع الوطني التحرري للخلاص من الأحتلال ؟ وماذا ستقدم من حلول للمشاكل الحياتية والمعيشية من الخبز والعمل وللصمود في وجه محاولات الإقتلاع الإستيطاني ؟ وكيف تحظى مجدداً بثقة أبناء شعبنا الذين منحوها ثقتهم في مراحل سابقة ؟ وكيف تنظر الى فلسطين الغد ؟
فالتاريخ لا يتوقف ، ولا يقبل الفراغ ، وعلى «فتح» أن تدرك حجم المتغيرات الجارية . لكن المسألة في النهاية أكبر من «فتح»، وأكبر من أي قائمة أو فصيل او ائتلاف ، فنحن أمام فرصة لإعادة الشعب إلى موقعه الطبيعي باعتباره مصدر السلطات والشرعية ، من دون الخوف من إرادته أو محاولة استباق خياراته ، ومن أجل تجديد المؤسسات وفصل السلطات ، وإعادة بناء النظام السياسي وعلى رأسه انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي موقع رئاسي تنفيذي وكهيئة تشريعية ورقابية على أساس ديمقراطي ، وتصويب التشريعات التي تمس حقوق المواطن ومصالحه ومطالبه المعيشية اليومية ، والتأكيد بأن القدس والضفة وغزة أجزاء من وطن واحد غير مجزأ ، وأن المشروع الوطني التحرري لا يمكن اختزاله في إدارة السكان تحت الأحتلال .
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل أن نجد أنفسنا أمام أمر واقع ، ليس فقط هل ستؤجل الانتخابات ؟ بل أيضاً ، ماذا سنفعل إذا حاول الأحتلال تعطيلها ، وماذا سنفعل إذا كان الخوف من نتائجها فلسطينياً ؟
إذا منع الأحتلال الإنتخابات ، فيجب أن يتحول هذا المنع إلى معركة سياسية وقانونية معه ، وأن يوضع ملفها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وسائر المؤسسات الدولية ذات الصلة ، وأن يرتبط بالاعترافات المتزايدة التي تمت بدولة فلسطين واستحقاقات هذا الإعتراف ، لا أن يتحول إلى قرار فلسطيني بتعليق الديمقراطية .
وإذا كان الخوف من نتائج الصندوق هو المشكلة ، فعلينا أن نُقر بأن للشعب حق المحاسبة أو المكافأة ، وأن نتذكر أن جوهر الانتخابات هو أن الشعب ، لا مراكز النفوذ ، هو من يقرر النتائج ، وأن احترام إرادته ونتائج اختياره هو أبسط معاني الديمقراطية والشرعية الإنتخابية .
فالإنتخابات التي لا نقبل نتائجها إلا عندما تتوافق مع توقعاتنا ورغباتنا ليست ديمقراطية ، والشعب الذي نقول إنه مصدر الشرعية يجب أن يبقى مصدرها حتى عندما يختار ما لا نتوقعه .
وحينها يتوجب ان يفهم الجميع مسؤولياتهم وواجباتهم تجاه شعب قدم التضحيات من أجل الحرية والأستقلال الوطني ، ومن أجل أن تبقى فلسطين ، بحضورها وقضيتها ومشروعها التحرري ، أكبر من الجميع ، وأقرب إلى حلم الشهداء والأسرى وإلى الحرية المستحقة بإنهاء الاحتلال أولاً ، وهو الأمر الذي يتطلب الإرادة والاصرار والرؤية المتجددة للعمل الوطني ، كما والوضوح مع أبناء شعبنا .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة «فتح» .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


