من سجون الاحتلال إلى الإبعاد.. ثلاثة أبناء لنصر أبو حميد يكبرون بعيدًا عن أبيهم
شبكة قدس الإخبارية -

خاص - شبكة قُدس: ينتهي الدوام، وتبدأ بوابة المدرسة بامتصاص ضجيج الأطفال. يخرجون تباعًا، بعضهم يركض نحو والده، وآخر يمسك بيده، وثالث يصعد إلى السيارة ويعود إلى البيت، بينما يقف يمان بينهم، يحمل حقيبته، ثم يمضي إلى والدته آلاء غنام.

في البيت، يبدأ بسرد تفاصيل يومه كما يفعل أي طفل؛ يخبرها بما حدث في الصف، وعن أصدقائه، وما أحبه وما لم يعجبه. لكن بين هذه التفاصيل الصغيرة، يعود دائمًا إلى المشهد الذي يراه عند بوابة المدرسة: الأطفال الذين يأتي آباؤهم لاصطحابهم.

تقول آلاء: «عندما يعود من المدرسة ويأتي ليخبرني بما حدث معه بالتفصيل، يؤلمني كثيرًا عندما يحدثني عن الأطفال الذين جاء آباؤهم ليأخذوهم، ويقول: يا أمي، تعالي خذيني، أو دعي أحدًا يأتي ليأخذني».

يمان اليوم في الصف الثاني، لكنه لم يعرف يومًا عاديًا إلى جانب والده. وُلد عام 2019، وكان والده نصر أبو حميد في الأسر. ومنذ سنواته الأولى، عرف أباه من خلال غرف الزيارة؛ يراه، يجلس معه، ثم تنتهي الزيارة ويعود إلى البيت من دونه.

ومع اندلاع الحرب، توقفت الزيارات، وانقطع اللقاء المباشر بين الطفل ووالده. كبر يمان، وكبرت معه مدرسته وأصدقاؤه وتفاصيل يومه، بينما بقي والده بعيدًا عن تلك التفاصيل.

يحاول الهاتف اليوم أن يسد جزءًا من المسافة، يتحدث يمان مع أبيه، ويخبره عن المدرسة، وعن أصدقائه، وما حدث معه خلال يومه، وما يحب وما لا يحب. يحاول أن يجعل والده حاضرًا في عالمه الصغير، لكن هناك تفاصيل لا تنقلها المكالمات؛ أبٌ يصطحب ابنه إلى المدرسة، ينتظره عند انتهائها، يمشي معه إلى البيت، ويشاركه يومه كاملًا.

تقول آلاء إن يمان يتحدث مع والده كثيرًا عن هذه الأمور، وإن حلمه يكبر معه: «كثيرًا ما يحلم متى سيأتي إليه أو يلتقي به، ويأخذه من مدرسته ويعود به إلى البيت. هذا حلمه الذي يكبر معه وهو يكبر معه. إن شاء الله يأتي يوم ويتحقق هذا الحلم وينال هذا الشيء الذي يحلم به، وهو حقه الطبيعي».

أبٌ غاب عن طفولة أبنائه

خلف هذا اليوم العادي الذي يعيشه يمان، تمتد سنوات طويلة من الأسر. اعتُقل نصر أبو حميد للمرة الأخيرة عام 2002، وحُكم عليه بخمسة مؤبدات، وقضى نحو 23 عامًا في سجون الاحتلال.

خلال هذه السنوات، كبر أبناؤه الثلاثة، فيما بقي الأب بعيدًا عن البيت وتفاصيل أعمارهم. وفي كانون الثاني/يناير 2025، تحرر نصر ضمن صفقة تبادل الأسرى، لكن الاحتلال أبعده إلى مصر، فلم تتحول عودته من السجن إلى حياة عائلية تجمعه بأبنائه.

رائد.. عشرة أشهر مع أبيه

كان رائد في عامه الأول عندما اعتُقل والده، ولذلك لم يكن واعيًا لمعنى غيابه. لم يكن يعرف الأب بوصفه حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.

وفي عام 2019، عندما بلغ رائد 18 عامًا، اعتُقل للمرة الأولى. قضى نحو عشرة أشهر في المعتقل، أمضى معظمها مع والده.

كانت تلك الأشهر أول لقاء حقيقي بين رائد وأبيه. استطاع أن يراه، ويمسكه، ويتحدث إليه، ويعيش معه نهاره وليله. وللمرة الأولى، أخذت صورة الأب شكلًا مختلفًا؛ لم يعد رجلًا يراه في غرف الزيارة فقط، بل أصبح شخصًا يشاركه المكان والوقت وتفاصيل الأيام.

وخلال الحرب، اعتُقل رائد مرة ثانية، وقضى نحو عامين في الأسر ولا يزال هناك حتى اليوم. هذه المرة لم يلتقِ والده؛ خرج نصر ضمن صفقة الأسرى وأُبعد إلى مصر، بينما بقي رائد خلف القضبان، من دون تواصل بينهما من داخل السجن.

عائد.. طفولة بدأت في الأسر

أما عائد، فجاء إلى الحياة ووالده في بداية أسره. كبر خلال السنوات التي كان فيها الأب بعيدًا عن البيت، ومضت طفولته ودراسته في غياب ذلك الحضور الذي يبحث عنه الأطفال في تفاصيل أيامهم.

ثلاثة أبناء، وثلاث تجارب مختلفة مع أبٍ أمضى نحو 23 عامًا في الأسر. رائد لم يعرف والده في طفولته، لكنه التقى به شابًا داخل السجن. وعائد جاء إلى الحياة ووالده أسير، ويمان وُلد ووالده خلف القضبان، ثم عرفه من غرف الزيارة قبل أن تقطع الحرب تلك اللقاءات.

واليوم، لم يعد السجن وحده هو الذي يفصلهم عن أبيهم. بعد خروجه ضمن صفقة الأسرى وإبعاده إلى مصر، أصبحت المسافة هي الأخرى جزءًا من حياتهم، وأصبح الهاتف المساحة التي تجمعهم؛ يسمعون صوته، يخبرونه عن أيامهم، ويحاولون أن يشاركوه تفاصيل الحياة التي حُرموا من عيشها معه.

أما يمان، فيواصل الذهاب إلى المدرسة والعودة منها كل يوم. يحمل حقيبته، ويتعلم، ويلعب، ثم يعود ليحكي ما حدث معه. وعندما يتحدث عن الآباء الواقفين عند بوابة المدرسة، لا يتحدث عن شيء كبير أو استثنائي؛ هو فقط يصف حياة يريد أن يعيشها مع أبيه.

حياة حُرم منها الأبناء سنوات بسبب السجن، وحين خرج الأب، لم يجدوا الطريق مفتوحًا لاستعادتها؛ فالإبعاد أبقى نصر بعيدًا، وأبقى أبناءه يكبرون على صوته عبر الهاتف، بدل أن يكبروا إلى جواره.