شبكة قدس الإخبارية - 9/7/2026 10:26:33 AM - GMT (+2 )
خاص - شبكة قُدس: في صباح السادس من أيلول، بدأت المدارس الفلسطينية عامًا دراسيًا جديدًا. في ذلك الصباح، كانت أبواب المدارس تُفتح لاستقبال المعلمين والطلاب، لكن المشهد لم يكن واحدًا للجميع؛ فبينما عاد معلّم إلى طلابه بعد نحو عامين من الاعتقال خلال الحرب، غابت معلّمة عن مدرستها لأن الاحتلال حاصر المنزل الذي توجد فيه.
في مدارس عورتا الثانوية، عاد الأستاذ المحرر عبدالسلام عواد إلى طلابه، بعد نحو عامين قضاها في الاعتقال خلال الحرب. وبعد 29 عامًا في مهنة التعليم، لم تكن عودته إلى المدرسة مجرد عودة إلى عمل انقطع، وإنما استعادة لجزء من حياته.
كان العام الدراسي يبدأ بينما عبدالسلام في الأسر. تفتح المدارس أبوابها، يعود المعلمون إلى صفوفهم، ويجلس الطلاب على مقاعدهم، فيما كان هو بعيدًا عن المشهد. كان يشعر أن شيئًا منه مفقود، وأن جزءًا من حياته يمضي من دونه.
اليوم، عاد إلى المكان الذي أمضى فيه سنوات طويلة من عمره. يستعيد يومًا بعد آخر تفاصيل حياته بين طلابه، ويعيش فرحة العودة التي طال انتظارها. بالنسبة إليه، أصبحت الحرية أكثر وضوحًا في أبسط الأشياء؛ أن يفتح الإنسان باب منزله، ويسلك الطريق الذي يختاره، ويصل إلى مدرسته، ويقف أمام طلابه.
لكن نحو عامين من الغياب تركا أثرهما في حياته وعائلته.
خلال فترة اعتقاله، تخرّج أحد أبنائه من الجامعة من دون أن يكون عبدالسلام حاضرًا إلى جانبه، وُلد حفيدان له بينما كان خلف القضبان، ومرّت مناسبات عائلية كثيرة لم يستطع مشاركتها.
وفي تلك الفترة أيضًا، فقد عبدالسلام عددًا من أقاربه وأصحابه، ورحلت وجوه كانت قريبة منه من دون أن يتمكن من وداعها أو الوقوف إلى جانب عائلاتها.
أما ابنه، فكان واحدًا ممن دفعوا ثمن غيابه؛ إذ اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة خلال فترة اعتقاله، واعتقلت ابنه واعتدت عليه بالضرب.
وتعرّض منزل العائلة خلال العامين نفسيهما لثلاثة اقتحامات، كان آخرها قبل الإفراج عن عبدالسلام بأشهر قليلة، وخلف أضرارًا كبيرة في المنزل.
لهذا، لم تكن عودة عبدالسلام في السادس من أيلول مجرد عودة إلى المدرسة. كانت عودة إلى مهنة أمضى فيها 29 عامًا، وإلى طلاب افتقدوا وجوده بينهم، وإلى تفاصيل عائلية وحياتية غاب عنها قسرًا.
لكن في قصرة، كان اليوم الدراسي نفسه يحمل وجهًا آخر.
هناك، لم تكن سهير أبو ريدة تقف أمام طالباتها في اليوم الأول من العام الدراسي. معلمة التربية الإسلامية في مدرسة أسماء بنت أبي بكر، التي أمضت 16 عامًا في التعليم، بقيت داخل منزل شقيقها في منطقة رأس العين، حيث تحاصر قوات الاحتلال ثلاثة منازل، بينها منزل شقيقها.
منذ نحو ثلاثة أسابيع، لم تغادر سهير المنزل. جاءت برفقة والدتها البالغة نحو ثمانين عامًا، والتي لم ترَ ابنها منذ عام، لتجد الأم وابنتها نفسيهما داخل الحصار ذاته.
حتى الاحتياجات الأساسية أصبحت مرتبطة بالتنسيق؛ إدخال الطعام والماء والدواء قد يستغرق أيامًا، فيما رُفضت أحيانًا طلبات الخروج. وحين حاول شقيقها تنسيق زيارة طبية لها، لم يُسمح لها بالمغادرة.
وقبل بدء العام الدراسي، أقام المستوطنون خيمة ونقطة استيطانية أمام المنزل، بعد اعتداءات سابقة شملت قطع الكهرباء والمياه والدخول إلى ساحة البيت. وعلى بعد أمتار من المدخل، يوجد حاجز عسكري يزيد من صعوبة الحركة.
في صباح السادس من أيلول، كانت سهير تعرف أن طالباتها في المدرسة، وأن زميلاتها يبدأن عامًا جديدًا، بينما هي لا تستطيع مغادرة المنزل.
تقول: «شعرت اليوم أنني في سجن؛ لأنني كنت أرغب حقًا في أن أكون في مدرستي، لكنني لم أستطع».
وصل غيابها إلى المدرسة قبلها؛ فقد وثّقت مديرية التربية غيابها عن الصف والمكتب، فيما تواصلت معها مديرة المدرسة واقترحت أن تدرّس طالباتها عن بُعد، في محاولة للتعامل مع واقع فرضه الحصار.
كانت سهير تتمنى أن يكون اليوم الأول بداية مختلفة؛ أن تصل إلى مدرستها، وتلتقي زميلاتها، وتكون بين طالباتها كما اعتادت طوال سنوات عملها. لكن العام الدراسي بدأ وهي تنتظر أن يصبح الخروج من المنزل ممكنًا.
وهكذا، حمل السادس من أيلول صورتين متناقضتين؛ عبدالسلام، الذي قضى نحو عامين في الاعتقال خلال الحرب، خرج ليجد طريقه إلى المدرسة مفتوحًا، فعاد إلى طلابه بعد 29 عامًا في مهنة التعليم، وسهير، التي لم تكن خلف القضبان، وجدت نفسها عاجزة عن مغادرة منزلها والوصول إلى مدرستها.
واحد بدأ عامه الدراسي بالعودة، والأخرى بدأته بالغياب. واحد استعاد طريقًا حُرم منه لعامين، والأخرى تنتظر أن يُفتح أمامها الطريق.
في اليوم الذي يفترض أن يكون بدايةً للفرح، اجتمع الفرح والحزن في المشهد نفسه؛ معلّم يحتفل بحريته بين طلابه، ومعلّمة تعيش وجع الغياب وهي في بيتها.
تلك هي المفارقة التي يفرضها الاحتلال على الفلسطينيين؛ قد يخرج معلّم من السجن ليعود إلى مدرسته، بينما تُحاصر معلّمة خارج السجن وتُمنع من الوصول إلى مدرستها.
وفي صباح واحد، كان عبدالسلام يستعيد طلابه بعد عامين من الأسر، فيما كانت سهير تنتظر استعادة حق بسيط: أن تخرج من باب بيتها، وتسلك الطريق إلى مدرستها، وتبدأ عامها الدراسي مع طالباتها.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


