خطر على بالي …الانتخابات التشريعية
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: منير قليبو

منذ الإعلان عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بدأت المؤسسات الرسمية تتحرك وكأن الطريق ممهدة: لجنة انتخابات، جداول زمنية، محكمة لقضايا الانتخابات، إجراءات للترشح، لقاءات مع الوفود الدولية، واستعدادات فنية ولوجستية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا كله مطلوب، بل ونأمل أن يقود فعلاً إلى انتخابات حقيقية طال انتظارها.

لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: هل المشكلة الفلسطينية اليوم كانت يوماً في قدرتنا على إعداد الجداول والنماذج والصناديق واللجان، أم في توافر القرار السياسي والظروف التي تسمح بوصول العملية إلى يوم الاقتراع؟

لقد جربنا هذا المسار من قبل. في عام 2021 تحركت عجلة الانتخابات، تشكلت القوائم واستعد الناس، ثم توقفت العملية عند القدس. واليوم، بعد خمس سنوات، لا يجوز أن نصل إلى النقطة نفسها ثم نقول إننا فوجئنا بأن إسرائيل ترفض أو تعرقل إجراء الانتخابات في المدينة.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هناك هذه المرة تحركاً جدياً في قطاع غزة، رغم الكارثة الإنسانية والدمار والنزوح وصعوبة الحركة. لجنة الانتخابات تتحدث عن ترتيبات استثنائية ومراكز ومحطات اقتراع وآليات تتكيف مع واقع الناس هناك. وهذا تطور إيجابي ينبغي دعمه، لأنه يؤكد أن الظروف الاستثنائية، مهما كانت قاسية، يمكن البحث عن حلول لها عندما تتوافر الإرادة.

لكن هذا يجعل سؤال القدس أكثر إلحاحاً لا أقل: ماذا أعددنا للقدس؟

إذا رفضت إسرائيل مجدداً إجراء الانتخابات بالطريقة التقليدية، فما البديل؟ أين سيصوت المقدسيون؟ وكيف سيترشحون ويمارسون حقهم في الدعاية الانتخابية؟ وهل توجد خطة فلسطينية واضحة ومتفق عليها مسبقاً، أم سننتظر الرفض الإسرائيلي ثم نعود إلى المربع الأول؟

لا أحد يجادل في أن لا انتخابات فلسطينية حقيقية دون القدس وغزة. القدس ليست تفصيلاً جغرافياً يمكن تجاوزه، وغزة ليست هامشاً يمكن تأجيله. لكن بالقدر نفسه، لا يجوز أن تتحول القدس أو غزة إلى المخرج الجاهز لإلغاء الانتخابات كلها.

وما يزيد القلق أن المشهد السياسي نفسه يرسل إشارات متناقضة. ففي الوقت الذي تواصل فيه لجنة الانتخابات استعداداتها الفنية وفق الجدول المعلن، خرجت أصوات قيادية بارزة في حركة فتح تشكك علناً في إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها. وهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل: إذا كانت المؤسسة الفنية تستعد للانتخابات، بينما بعض أهل السياسة أنفسهم لا يتوقعون حدوثها، فأين تقف الإرادة السياسية الحقيقية؟

ثم هناك سؤال أكبر من الانتخابات نفسها. نحن لا نعيش في فراغ. غزة ما زالت تحت وطأة كارثة غير مسبوقة، والقدس تتعرض لضغوط متواصلة على مدارسها ومؤسساتها وأرضها وسكانها، والاستيطان وعنف المستوطنين يتصاعدان في الضفة، والاقتصاد الفلسطيني يختنق، والعمال فقد عشرات الآلاف منهم مصادر رزقهم، والسلطة تعاني أزمة مالية خانقة، والمنطقة بأسرها تعيش اضطراباً سياسياً وأمنياً متواصلاً.

وسط كل ذلك، لا تكفي صور الاجتماعات واللجان والمذكرات والجداول لكي نقنع المواطن بأننا أمام عملية ديمقراطية حقيقية. الانتخابات ليست حملة علاقات عامة، ولا تمريناً مؤسسياً نستكمل أوراقه ثم نعلن لاحقاً أن الظروف حالت دون تنفيذه.

إذا كانت القيادة جادة، فعليها منذ الآن أن تقول للناس بوضوح: هذه خطتنا للقدس، وهذه خطتنا لغزة، وهذه بدائلنا إذا عرقل الاحتلال العملية، وهذه الضمانات بأننا لن نعود إلى سيناريو 2021.

أما أن نستمر في تجهيز كل شيء، ثم نصل بعد أسابيع إلى العقبة التي يعرفها الجميع منذ سنوات ونعلن أن الانتخابات أصبحت مستحيلة، فسيكون ذلك أكثر من مجرد فشل انتخابي؛ سيكون استنزافاً جديداً لما تبقى من ثقة المواطن بالمؤسسات السياسية.

نريد الانتخابات، ونريدها في موعدها، ونريد القدس وغزة في قلبها، لا على هامشها. ونريد أن نرى إرادة سياسية تسبق الصناديق ولا تختبئ خلفها.

لا انتخابات دون القدس وغزة، نعم. ولكن لا تجعلوا القدس وغزة مرة أخرى ذريعة لعدم إجراء الانتخابات.

فالقدس وغزة يجب أن تكونا سبباً للإصرار على الانتخابات، لا المخرج منها.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد