شبكة راية الإعلامية - 9/7/2026 10:16:38 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. عدنان ملحم
الدعوة لإجراء الانتخابات التشريعية في 28/11/2026 تبدو ، في ظاهرها ، استحقاقا ديمقراطيا مطلوبا ، لكنها في جوهرها ، ليست مجرد مواعيد تحدد ، وصناديق توضع ، وأوراق تطبع ؛ بل هي بيئة سياسية واجتماعية ووطنية وتنظيمية متكاملة . وإذا غابت شروطها ، تحولت من وسيلة لتجديد الشرعية إلى أداة لإنتاج أزمة جديدة .
يعيش الفلسطينيون في ظروف استثنائية لا تشبه أي ظرف انتخابي طبيعي : تهويد للأرض ، وتغيير للجغرافيا ، وتزوير للتاريخ ، وتدمير للمكان ، وتهجير لسكانه وأهله ، وفقر وجوع وبطالة ويأس ولا مبالاة ، وتحلل للحركة الوطنية في تفاصيل الوظيفة والمصالح . عروبة الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة تُباد جهارا نهارا .
حركة فتح ، التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود ، يفترض أن تكون الأكثر جاهزية لخوض الاستحقاقات الوطنية القادمة ، لكنها تواجه اليوم أزمة ثقة وتواصل بين هياكلها ومكوناتها ، وتراكمات من الإقصاء والتهميش ، وازدواجية بين فضاءات السلطة الوطنية والبنيان الفتحاوي .
الانتخابات ليست مكانا مناسبا لمعالجة مشكلات فتح ؛ بل قد تكون المكان الذي ستنفجر فيه أزماتها ، عقابًا على عجز النظام السياسي والحكومي عن إنقاذ الناس من الانهيارات التي تحيط بتفاصيل معيشتهم اقتصاديا وماليا واجتماعيا وسياسيا . وستكون أيضا اختباراً لمكانة الحركة في الشارع، ومدى ثقة قواعدها بقيادتها ، وقدرتها على توحيد صفوفها ، وتقديم مرشحين يحظون بالقبول الشعبي والتنظيمي .
تُجمع أصوات عريضة داخل حركة "فتح" على نظرةٍ مغايرة لمعنى الانتخابات ، إذ لا ترى فيها مواجهة سياسية مع الخصوم بقدر ما تراها محكمة شعبية داخلية لمحاسبة قيادات الحركة وهياكلها . ويأتي هذا التوجه على خلفية اتهامها بالعجز عن حماية الحركة، والذود عنها ، ومعالجة ما اعترى مسيرتها من كبوات وإخفاقاتٍ متراكمة. وفي هذا السياق، تتصاعد في المحافل "الفتحاوية" شعارات نارية ، تصل إلى حد الصراحة المطلقة، مرددين: "الانتقام... الانتقام… الانتقام ". وهنا تكمن الخطورة القصوى؛ فدخول "فتح" الانتخابات وهي تعاني من شروخ في دواخلها ، يجعل صناديق الاقتراح أداة للعقاب ، لا منصة لتجديد الحضور السياسي واستعادة الثقة .
ولا ينبغي لأحد أن يطمئن إلى أن حجم فتح التاريخي ، أو رصيدها الوطني ، أو حضورها في مؤسسات السلطة ، يكفي وحده لضمان نتائج الانتخابات . فالناس تغيروا ، والشارع تغير، والأجيال تغيرت ، والوسائل الانتخابية تغيرت، والخصوم تغيروا .
والأخطر أن نسبة المشاركة نفسها قد تكون موضع سؤال؛ فكيف نطلب من مواطن محاصر بالاحتلال والاستيطان والفقر والبطالة وأزمات الحياة اليومية أن يشعر بأن الانتخابات هي أولويته؟ وكيف نطلب منه أن يثق بعملية سياسية لا يستطيع فيها المواطن الفلسطيني في القدس أن يمارس حقه الانتخابي بحرية، ولا يستطيع المواطن في غزة أن يعرف كيف ستجري الانتخابات في ظل واقعها الراهن؟ .
تواجه عملية اختيار المرشحين الفتحاويين للانتخابات التشريعية معضلة كبرى ، تتلخص في هذه المحاور:
أولها:
إن معظم الهياكل التنظيمية قد انتهى عمرها التنظيمي منذ مدد غير بعيدة، وتعاني من ضعف وترهل في البنية، ولا تحظى بدعم كامل في مواقعها، وتحيط بها خلافات وتناقضات جمة .
ثانيها:
تنظر الهياكل والجموع التنظيمية إلى هذه الانتخابات كاستحقاقات جغرافية بحتة، تمثل المناطق والبلدات والعائلات ورجال المال والنفوذ في المواقع ذاتها .
ثالثها:
يغيب عن الطامحين إلى الولوج في عملية الانتخابات التشريعية أن روادها يجب أن يمتلكوا خلفيات وحضورا تنظيميا وسياسيا ومجتمعيا في جميع محافظات الوطن ، وليس في مواقعهم الجغرافية فقط .
وعليه، يستطيع كوادر وقيادات حركة فتح في الأقاليم المختلفة تزويدكم الآن بأسماء الشخصيات التي سيتم اختيارها في ترشيحات المجمعات الانتخابية القادمة ، قبل انعقادها وتجمعها وتصويتها ؛ فالتسريبات والطبخ الانتخابي سينجزان مهمتهما قبل انعقاد التجمعات الانتخابية المقترحة .
ويُخشى أن المناهج التي اتبعت في ولادة أسماء الأعضاء المشاركين في المؤتمر الثامن لحركة فتح والفائزين فيه، ستُتبع مرة أخرى داخل التجمعات الانتخابية المشار إليها . وهو ما سيطلق رصاصة الرحمة على وحدتها وتماسكها ، وربما مستقبلها واستقرارها .
يجب أن تكون الانتخابات التشريعية القادمة ورقة ضغط فاعلة على تل أبيب للحصول على مطالب فورية تتعلق بوقف الاستيطان وحروبه وأدواته وعصاباته في الأرض المحتلة، ووضع حد للحصار الاقتصادي والمالي والجغرافي للشعب الفلسطيني . كما يجب أن تستعد الحلبة الانتخابية الفلسطينية القادمة للوقوف في وجه صقور ويمين تل أبيب .
تصوروا أربع سنوات أخرى مع التهويد والاستيطان والإجرام والحصار؛ فماذا سيكون واقع ومستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة؟ .
لهذا، فإن فكرة تأجيل الانتخابات هي حماية لحركة فتح من أن تخوض معركة ليست مستعدة لها ، وفي توقيت لا يخدمها ولا يخدم المشروع الوطني .
التأجيل يمنح حركة فتح فرصة لإعادة ترميم بيتها الداخلي ، واستعادة كوادرها ، ومراجعة تجربتها ، وترتيب صفوفها ، وإعادة الوصل بين الهياكل التنظيمية المختلفة وقواعدها ، ومعالجة الدمار الذي أصاب البيت الفتحاوي جراء مجزرة المؤتمر الثامن .
لا تذهبوا إلى الانتخابات لأن الضغوط الدولية شديدة علينا، ولا لأن المواعيد قد حددت بدقة؛ اذهبوا إليها عندما تصبح الانتخابات قادرة على حماية فلسطين وتحصيل حقوقها وتغيير واقعها، وعندما يكون المواطن شبعاناً ، آمنًا، مستقرًا، لا تحيط برقبته سيوف الجوع والبطالة والخوف، وعندما تكون القدس وغزة جزءًا حقيقيًا من هذا الاستحقاق .
أجلوا الانتخابات ، لتوفير الوقت المناسب ، وإيجاد خريطة طريق تنظيمية وسياسية تجمع تعدد الآراء والاجتهادات داخل الحركة ، وتؤسس لتوافق فتحاوي يعيد ترتيب البيت الداخلي ، ويجمع مكوناتها على رؤية مشتركة ، ويداوي الجراح التي تثخن جسدها وروحها .
فتح لا تخشى الانتخابات ، لكنها لا تقبل أن تُجر إليها وهي مكسورة ، مذبوحة ، مشلولة ، محبطة . الانتخابات موعد يمكن تأجيله ، أما خسارة فتح لثقة الناس ، فقد لا يكون من السهل إصلاحها .
ملاحظة مهمة :
هذا النص قراءة شخصية وموقف نابع من رؤية خاصة للواقع السياسي والتنظيمي ، وهو موجه بالدرجة الأولى إلى المجتمع الفتحاوي ، ولا سيما القيادات والكوادر والأطر التنظيمية ، للنقاش وإبداء الرأي ، وليس بيانا رسميا أو موقفا ملزما لأي جهة .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


