المتحدث وسطوة المكان!
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: بكر أبوبكر

كان الانبهار مني بالمكان وسطوته لأول مرة عندما حضرت احتفالًا في قاعة مسرح كبيرة جدًا، حيث تقدم المسؤول عن الحفل ليلقي كلمة وأنا جالس في الطابق الثاني من قاعة المسرح الكبير، وهو يتحدث على الركح (خشبة المسرح) فأسقط في نفسي انبهارًا وتأثرًا بالمتحدث مع تشكك بدور المكان ظل يلازمني، وحفزنّي للعمل على نفسي حتى وقفت بعد عدة سنوات في ذات المكان الذي احتضن حفلًا خاصًا بفلسطين كنت على رأس من يديره آنذاك حيث ألقيت الكلمة الرئيسية.

في التأثير والسيطرة للمحاضرة أو المدرب أو أي شخص ينقل خبرته من خلال ندوة أو ورشة أو دورة كان لي التفكر الذي منه كان الاستدلال لضرورة الوقوف في القاعة المفتوحة، وخاصة عندما تكون المقاعد خلف بعضها البعض وهي آلية تدريب ضعيفة-أن تكون الكراسي خلف بعضها البعض- ولكنك تجدها عندما لا تكون أنت المتحكم بالمكان كأن تكون مستضافًا.

من هنا فإن عملية التأثير الفيزيائي والجسدي بالجماهير ضمن ظروف المكان لها من الأهمية الكثير الذي منه

1. إتقان فن الحديث والمواجهة للجمهور من جهة.

2. وآليات العرض سواء الورقية أوالحاسوبية

3. والإعداد المسبق للمحاضرة (وضمن بدائل) وبالتدرب الملحاح عليها

4. وطريقة الدخول واللبس والطلّة الأولى لك

5. وآلية إعداد وعمل المحاضرة بتقسيمها، وقطار الأفكار 

6. وكذلك الأمر فيما يتعلق بتقنيات الصوت، صوتك أنت والتحكم به 

7. ولغة الجسد، بما فيها العيون واليدين والانتصاب واقفًا والحركة 

8. وفيما نتذاكره هنا عن أهمية المكان وديكتاتوريته وطريقة ترتيبه

نتذاكر هنا أهمية المكان أكان قاعة أو فصلًا دراسيًا يحبذ فيه ما أمكن -خاصة لو كنت أنت المتحكم بالدورة أو الندوة- أن يكون على شكل حذوة الفرس (مربع ناقص ضلع) لما يعطيه من راحة للجميع ويوحي بالرحابة والمساواة والحوار والديمقراطية فيما هم جلوس وأنت الواقف.

أنت الواقف والمسيطر على المحاضرة أو الدورة فلا تدع أحد يفقدك التركيز، وكن دومًا المبادر بحيث تستطيع الاقتراب منهم أو من الوسط  والأطراف لتعطي الانطباع بالحميمية من جهة دون التخلي عن الإمساك بمجريات الأمور بالقاعة والذي تفرضه شخصيتك الحازمة والحكيمة من جهة، وطريقة الإعداد للمادة ثم عرضها وأيضا تقنية الوقوف والنظرالمتوزع على الحضور.

قدمتُ أحد القيادات الفلسطينية في مدرج الجامعة وكان يلقي محاضرة عن القضية الفلسطينية-وهذا في بداية حياتي الجامعية-فشعرت بالعيون كلها منصبة عليّ أنا! فيما هي بالحقيقة أنها تنهد نحو المحاضر القائد! وهنا تصبح الأعين المنصبة على المحاضر-أو حتى المقدّم أو مدير الندوة أوالميسّر- لطريقة عمل المدرج الجامعي إما سيفًا للمحاضر الخائف والمتوتر يقطع رقبة محاضرته، أو سيفًا بيده يقطع رقبة حالات التشتيت أوالتخريب، لأنه يراهم حين يتحدث ويوحي اليهم بالاهتمام من جهة، وبأنه يراقب تحركاتهم.

في السنوات الثلاثين اللاحقة في حياتي في المستوى السياسي والثقافي والأدبي والفكري والتدريبي الى جانب القراءة العميقة والمتنوعة وكتابة المقالات والدراسات والكتب كانت الدورات تسير بالموازاة لما فيها من متعة المعرفة الخارقة (لقد وضع "ماسلو" أبو "هرم الحاجات الانسانية" القيم المعرفية ضمن 8 حاجات إنسانية رئيسية، وأنظر أهمية المعرفة والفلسفة والتشكك ثم اليقين وإطلاق قدرات العقل لدى الغزالي والكندي وابن رشد من علماء العرب والمسلمين) والتفاعل مع الناس أو المتدربين أو المشاركين، والشعور بأنك تقدم لهم ولنفسك الكثير مما يستطيعون به إعادة بناء ذواتهم والمحيط بدوائره المختلفة الأقرب والقريب ومتوسط البعد والبعيد.

وفي هذه السنوات تعلمتُ الكثير-وما زلت أتعلم يوميًا، نعم يوميًا عبر القراءة العميقة والتجربة والانصات للآخرين والحوار والكتابة والتفكر والحوار مع البيئة...-وخبرتُ أهمية ما كان موضع تساؤل لدي في الكثير من الأمور التي منها هنا أهمية المكان (وعلم نفس المكان)  وتنظيمه وترتيبه وأهمية لغة الجسد عامة، وكذلك أهمية الوقوف المؤثر والمسيطر على القاعة والموجّه لسياقات الندوة أو المحاضرة أو الدورة.

إنك في كل ما تفعل إن لم تمتلك رسالة فأنت تعمل بلا معنى، بلا هدف ولا غاية. وإن لم تملك  الأدوات الجهادية والنضالية الصراعية المختلفة الأنواع فلا قيمة لرسالة لا تتحرك معك، إن ظلت متقوقعة داخل رأسك فقط، وإن لم تكن  المثابرة والديمومة في إطار الممارسة والمباديء والقيم والأخلاق سندك فأنت في مآلات التراجع وانعدام التأثير.

باختصار هنا إن حياتك رسالة وسعي نضالي قيمي وديمومة بلا كلل ولا ملل لأن الأمل يحدوك دومًا ويحركك مع كثيف العمل نحو النجوم.

حاشية: علم نفس المكان (Space Psychology / Psychology of Space) هو فرع تطبيقي حيوي يدرس العلاقة التبادلية بين سلوك الإنسان ومحيطه الفيزيائي. يبحث هذا العلم في كيفية تأثير التصميم المعماري، وتوزيع الأثاث، والإضاءة، والألوان، والمساحات الجغرافية على مشاعر الإنسان، وأفكاره، وإنتاجيته، وصحته النفسية، وفي المقابل كيف يُغيّر الإنسان هذه البيئات لتلبي احتياجاته النفسية والاجتماعية. يتقاطع بشكل وثيق مع علم النفس البيئي (Environmental Psychology) وعلم المقربات المكانية (Proxemics) .

بكر أبوبكر

رئيس أكاديمية عثمان أبوغربية

مفوضية التعبئة الفكرية لحركة فتح

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد