خلف أرقام المانحين.. الحقيقة المسكوت عنها عن ميزانيات الدعم النفسي والاجتماعي في غزة
وكالة سوا الاخبارية -
2026/09/08

استكمالاً لما طرحناه في المقالين السابقين من هذه السلسلة حول الواقع المعقد للأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة ، وحقه الأصيل في الاستقرار المالي والأمان الوظيفي لتأسيس حياته، نصل اليوم إلى تفكيك الجذر الأساسي لهذه المشكلة من واقع الميدان.

تُخصص سنوياً ملايين الدولارات ضمن خطط الاستجابة الإنسانية والمشاريع التنموية لقطاع غزة تحت بند عريض وبارز الدعم النفسي والاجتماعي (PSS)، وتُبرز التقارير الدولية والبيانات الصحفية أرقاماً متضخمة عن آلاف الجلسات المنفذة، والمستفيدين الذين شملتهم برامج التفريغ الانفعالي وإدارة الحالات، لكن خلف هذه الأرقام البراقة، يبرز سؤال استقصائي مشروع يطرحه مئات الخريجين والمختصين في الميدان، إذا كانت الميزانيات المعتمدة يُروّج لها باسم هذا القطاع الحيوي، فأين موقع الأخصائي النفسي والاجتماعي المحلي من هذه الكعكة المالية؟ إن تفكيك هيكلية إنفاق هذه المشاريع يكشف عن مفارقة صارخة تؤكد وجود خلل بنيوي في توزيع الموارد، وتحوّل البرامج النفسية لدى بعض الجهات إلى مجرد شعار يُستغل جلباً للتمويل دون انعكاس حقيقي على كرامة واستقرار الكادر التشغيلي الميداني.
يتجلى الخلل الأول في اعتماد النسبة الأكبر من المنظمات والمؤسسات نموذج تشغيل يعاني من الهرم المقلوب؛ حيث تُقتطع حصة الأسد من الميزانيات المخصصة للمشاريع النفسية والاجتماعية لصالح المصاريف التشغيلية والإدارية، والنفقات المرتفعة المخصصة للاستشارات والخبراء، وتكاليف المكاتب والدعايات واللوجستيات، فضلاً عن الورش واللقاءات الاستعراضية والانفاق على الفنادق والتدريبات المكررة التي لا تضيف جديداً للمختص، بل تُستخدم كـمخرجات شكلية لإغلاق التقرير المالي أمام المانح، وفي نهاية المطاف، يصل إلى خط الدفاع الأول—أي الأخصائي النفسي والاجتماعي المحلي الذي يقضي ساعات طويلة في الميدان يستمع إلى الصدمات ويتعامل مع أعقد الحالات—الفتات! إما عبر مكافآت رمزية لا تغطي أدنى المقومات المعيشية، أو عبر عقود تشغيلية قصيرة للغاية، أو حتى دعوته للتطوع المجاني تحت شماعة خدمة المجتمع والابتزاز المهني لجمع الخبرة.

تتعامل العديد من الجهات المانحة مع ملف الصحة النفسية والاجتماعية بمنطق الإغاثة الطارئة، وليس التنمية المستدامة؛ حيث تُطلق مشاريع قصيرة تمتد من ثلاثة إلى ستة أشهر يُلقى فيها بالأخصائي في أحضان الميدان تحت ضغط شديد، وما إن ينتهي المشروع حتى يجد نفسه مجدداً في مهب البطالة والقلق الاقتصادي، وإن سياسة التشغيل المؤقت هذه لا تقتصر أضرارها على الأخصائي الذي يُحرم من الاستقرار ويُستنزف كعامل رخيص ومؤقت يُستبدل مع كل دورة تمويل، بل تضرب جوهر الخدمة النفسية برمتها عبر انقطاع الرعاية عن المستفيدين؛ فالصحة النفسية عملية تراكمية تتطلب علاقة آمنة ومستمرة بين الأخصائي والمستفيد، وإنهاء المشاريع المفاجئ يترك المرضى والمصدومين في منتصف الطريق، كما أن غياب الأمان الوظيفي والاقتصادي للأخصائي يضعه في مفارقة مؤلمة؛ إذ يُطلب من إنسان يفتقد الاستقرار والأمان النفسي والمالي في حياته الخاصة أن يمنح الأمان للآخرين، وفي هذا تجسيد صارخ لمقولة "فاقد الشيء لا يعطيه"، مما يعجل بإصابته بالاحتراق النفسي.

إن نقد سياسات التمويل لا يعني إنكار أهمية التدخلات الإنسانية، بل هو دعوة لتصحيح المسار وفرض قواعد الحوكمة والعدالة الشفافة، ويقتضي تصحيح هذا المسار تكامل الأدوار؛ فلا يُلقى باللوم على المانحين والمؤسسات وحدها، بل يبرز هنا الدور الأصيل والغياب الرقابي للجهات الحكومية والنقابات المهنية، والتي يتوجب عليها فرض سياسات تنظيمية تحمي هذا الكادر، ويكمن الحل في إقرار خطة عمل إلزامية تبدأ بإلزامية البنود المالية المباشرة؛ بحيث تشترط الجهات الحكومية والنقابية المصدّقة على المشاريع تحديد نسبة مئوية عادلة ومباشرة من إجمالي ميزانية المشروع تُقتطع لرواتب وأجور الأخصائيين الميدانيين وفق سلم أجور محدد وحافز يحمي كرامتهم، كما يتطلب ذلك التحول من التطوع الاستغلالي إلى الزمالة المأجورة، بمنع استخدام مفاهيم التطوع لتغطية الشواغر الوظيفية الكاملة، وتحويل البرامج التدريبية للخريجين الجدد إلى برامج زمالة مدفوعة الأجر.

إلى جانب ذلك، يجب تفعيل الرقابة الحكومية والنقابية عبر وضع لائحة حقوقية ملزمة لكادر الصحة النفسية والاجتماعية، وتفعيل الدور الرقابي لوزارت العمل والتنمية الاجتماعية والصحة والنقابات للتأكد من عقود العمل ومدى ملاءمتها للمعايير العادلة، ولا يمكن إغفال مأسسة الحماية المهنية وتوفير جلسات إشراف مهني دوري وتفريغ نفسي مستقل للكوادر الميدانية لحمايتهم من الصدمة الثانوية والاحتراق النفسي والوظيفي أثناء عملهم، إن نظرتنا للخدمات النفسية والاجتماعية في غزة يجب أن تتغير جذرياً من منظور إحساني عابر أو صفقات تمويلية مؤقتة، إلى استثمار أصيل في رأس المال البشري والمجتمعي، وإن الميزانيات التي تُصرف باسم الصحة النفسية في غزة يجب أن تبدأ أولاً بضمان الصحة النفسية والاقتصادية لمن يقدّم هذه الخدمة، وبدون التحول الجذري من منطق الصفقات التمويلية المؤقتة إلى الاستثمار الأصيل في الإنسان، ستبقى هذه المشاريع مجرد مخرجات شكلية لتقارير المانحين، وعمليات تجميلية عابرة على جسد ينزف.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد