التمكين الاقتصادي: نحو برنامج للنهضة والتحرر
شبكة قدس الإخبارية -

​[1] بوصلة الموارد وحسن التوجيه

تكمن أهمية القوة الاقتصادية في كونها الرافعة الأساسية للسيادة الوطنية، والركيزة التي لا غنى عنها لتحقيق التحرر الشامل والإنتاجية المستدامة. فلا يمكن لأمة أن تملك قرارها السياسي أو استقلالها الفكري وهي مرتهنة في غذائها واحتياجاتها لغيرها. ومن هنا ينبغي بناء برنامج تنموي تحرري نلتقي عليه جميعًا بكافة أطيافنا السياسية والاجتماعية، مستلهمين إجابات عملية ونماذج واقعية من نهضات الشعوب في ماليزيا، واليابان، وتركيا، وغيرها من تجارب النهوض والتحرر التي أدركت أن التحرر يبدأ من حقل الإنتاج وسوق العمل.

​ومما يلفت النظر في هذا السياق، معلومة ذكرها د. نايف بن نهار في إحدى محاضراته، بأن اللوبي المؤيد للايباك أنفق خلال الانتخابات الأمريكية أكثر من 100 مليون دولار لتثبيت سرديته، بينما بلغت زكاة مسلمي أمريكا، بحسب ما ذكر، نحو 1.8 مليار دولار في عام واحد.

​المفارقة هنا ليست في المقارنة بين الزكاة ومصارفها الشرعية المحاطة بأحكامها الخاصة وبين الإنفاق السياسي، وإنما في توضيح حجم القدرة المالية المتاحة وغياب المأسسة وحسن توجيه الموارد. إذ لا تنقصنا الإمكانات بقدر ما ينقصنا توجيه البوصلة، وتحديد الهدف، والاستثمار في نقاط القوة، والتوقف عن جلد الذات، والاستنهاض بالقدرات الكامنة أيًا كان نوعها أو مجالها. فالسؤال ليس فقط: كم نملك؟ وإنما: ماذا نفعل بما نملك؟ وكما يُقال في الأثر: "ما استُحقّت السيادةُ بمثل حسنِ التدبير".

​[2] أبعاد التمكين الاقتصادي وآلياته

نبدأ بفكرة التمكين الاقتصادي كفكرة تحررية تمنح الأفراد استقلالًا فكريًا وإرادة حرة صلبة؛ فما هو معلوم أن اليد التي تمتد تبقى قاصرة ومكبّلة، ولا تستطيع الارتداد عادةً، وفي ذلك المصداق للحديث الشريف: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى». ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وترديها من حولنا، كان من الضرورة بمكان أن نبدأ بالتفكير خارج الصندوق، للإجابة عن سؤال: كيف السبيل إلى التمكين الاقتصادي؟ وتتجسد هذه الرؤية عبر مسارات عمل مستدامة تحفظ كرامة الناس وتتجاوز تقديم المال كصدقات أو تلبية الحاجات العينية المؤقتة:

​الاستثمار التجاري والمشاريع التنموية: إن مال الزكاة—على أهميته وبركته ومصارفه المحددة—لا يستطيع بمفرده إيفاء جميع الاحتياجات والهموم الاقتصادية للناس، فضلًا عن أن كثيرين لا يملكون أصلًا نصاب الزكاة؛ ومن هنا تبرز الأهمية البالغة لتوسيع دائرة الصدقات، وتفعيل الاستثمار في الأسهم والمشاريع التنموية. فحين يُقال للناس هناك حملة تبرعات، يتبرع المرء بـ 1% أو 5% من فائض ماله لمرة معدودة؛ بينما عند طرح التمكين عبر الاستثمار، يمكن للفرد أن يضع ربع ماله أو نصفه في أسهم تُسهم عملياً في تشغيل الكفاءات وسوق العمل الحلال. وهنا يأتي دور المؤسسات ورجال الأعمال في تأسيس صناديق استثمارية محلية وحاضنات أعمال موثوقة، تُسقِط هذا الخيار على أرض الواقع وتوفر بيئة آمنة لصغار المستثمرين. ونستحضر هنا تجربة النبي ﷺ في تأسيس «سوق المدينة» كمنافس اقتصادي مستقل يحرر إرادة المجتمع.

​التمكين المعرفي والمهني: لا يقتصر التمكين على المال، بل يمتد لتقديم دورة تدريبية، أو استشارة، أو منحة تعليمية ووظيفية، أو تدريس تطوعي، أو تبادل للكتب. وبذلك نمنح الأفراد «شبكة الصيد» بدلاً من «السمكة الجاهزة»، تمامًا كما فعل النبي ﷺ حين أتاه رجل يسأله الصدقة، فلم يعطه مالاً، بل اشترى له قدومًا وقال له: "اذهب فاحتطب وبع"، فأسس له مشروعًا مستدامًا يحفظ كرامته.

​تحقيق الاستقلال وحفظ الكرامة: بناء هذه المنظومة يمنع أن تكون الحاجة سببًا في شيوع القروض الربوية أو الوقوع في العمل المحرم، ويحمي الفكر والإرادة من أن تكون مسلوبة الكرامة؛ فـ "من أكل من فأسِه، كان رأيُه من رأسِه".

​[3] تطبيقات عملية: قرار الشراء ودعم الاقتصاد المحلي والوطني

إن نهضة الدول وتجارب الأمم الكبرى لا تبدأ فقط بالمشروعات الضخمة، بل تنبع أولاً من السلوك اليومي للفرد وتتراكم لتتحول إلى قوة اقتصادية جامعة. ومع كل المناسبات الممتدة طوال العام؛ من مواسم المدارس، والجامعات، والأعراس، وغيرها، لنبدأ من أبسط ما نستطيع: قرار الشراء. أن نجعل الشراء من محلات بلداتنا، واختيار المنتجات المحلية، جزءًا من ثقافتنا الاقتصادية؛ وبذلك تساهم في تحريك اقتصاد بلدتك، ودعم أصحاب المصالح، والحفاظ على المال داخل المجتمع.

​ومن رغب في الشراء من خارج بلدته، فنصيحتي أن تكون مدن الضفة الغربية من الخيارات التي نفكر فيها، دعمًا للاقتصاد الفلسطيني، وتعزيزًا للصمود، ومساعدةً للناس على العيش بكرامة، مع التركيز على الشراء من المصانع والورشات والمنتجات الوطنية هناك، ليكون إنفاقنا دعماً مباشراً لبنيتهم الإنتاجية وتثبيتاً لعجلة اقتصادهم.

وأنت في طريقك لشراء ملابس، أو حلويات، أو تناول الطعام في أحد مطاعم الضفة، يمكنك أن تسأل عن دار للأيتام، أو مشفى، أو مريض يحتاج إلى زيارة، أو أسرة تحتاج إلى مساعدة، فتقدم يد العون بما تفيض به نفسك..وهكذا تجمع بين دعم سوق العمل وعيادة المريض وسد القربة، فتكون في شرائك مشكورًا مأجورًا بإذن الله، مستحضرًا القول القرآني: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}.

​إن بناء القوة الاقتصادية ليس خيارًا رفاهيًا، بل هو أول الطريق نحو حماية الهوية، وتحرير الإرادة، وصيانة الكرامة. ويبقى باب الاجتهاد والتكامل مفتوحاً أمام كل فكرة تنموية تسهم في دعم اقتصادنا الوطني والمحلي وتُعلي من شأن الإنتاج الذاتي.