كيف يحوّل الاحتلال المياه إلى أداة للاستيطان في الضفة؟
شبكة قدس الإخبارية -

متابعة - شبكة قُدس: تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة عمليات استهداف آبار المياه ومصادرها في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بين هدمٍ تنفذه قوات الاحتلال، واعتقالات تطال العاملين في مشاريع تأهيل الآبار، واقتحامات لمناطق تضم مصادر مائية، وصولًا إلى استيلاء المستوطنين على آبار واستخدامها لصالحهم، في مسار يطال أحد أهم مقومات صمود الفلسطينيين في أراضيهم. 

ورصدت "شبكة قُدس"، سلسلة اعتداءات في الأشهر الأخيرة، أحدثها استيلاء مستوطنين على بئر مياه في منطقة الفرش الواقعة بين خلة الحمص ووادي الرخيم جنوب يطا بمحافظة الخليل، وسط معطيات تشير إلى أن المستوطنين سيطروا خلال الأشهر الماضية على 10 آبار في المنطقة.

وشملت الاعتداءات هدم قوات الاحتلال ثلاثة آبار ارتوازية في قرية عاطوف بالأغوار الشمالية، في خطوة طالت مصادر مياه يعتمد عليها سكان المنطقة في احتياجاتهم الزراعية والمعيشية.

كما اعتقلت قوات الاحتلال عددًا من عمال لجنة إعمار الخليل أثناء عملهم في تأهيل آبار البلدة القديمة في منطقة حارة جابر بمدينة الخليل.

ولم تتوقف عمليات استهداف الآبار عند الخليل والأغوار؛ قام جيش الاحتلال بهدم آبار مياه في بلدة بيت أمر شمال الخليل، في اعتداء جديد على مصادر المياه في المنطقة.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين في مناطق جنوب الخليل، حيث سبق أن وثقت تقارير اعتداءات على الأراضي الزراعية والممتلكات في منطقة الفرش ومحيطها، بما في ذلك اقتلاع أشجار وتخريب منشآت زراعية.

وتكشف الوقائع المتتالية عن نمط يتجاوز الاعتداء على بئر منفرد، ليشمل مصادر المياه في مناطق متفرقة من الضفة، من الأغوار الشمالية إلى الخليل وجنوب نابلس.

ويكتسب استهداف الآبار أهمية خاصة في المناطق الزراعية والريفية، إذ تمثل المياه عنصرًا أساسيًا في استمرار الزراعة وتربية المواشي والحفاظ على قدرة الفلسطينيين على البقاء في أراضيهم.

ومع انتقال الاعتداءات من هدم الآبار وتعطيل استخدامها إلى الاستيلاء عليها والسيطرة عليها، تتزايد المخاوف من تكريس واقع جديد تتحول فيه مصادر المياه إلى أداة إضافية للضغط على الفلسطينيين، خصوصًا في المناطق التي تشهد توسعًا استيطانيًا واعتداءات متكررة.

وأفادت أحدث التقارير الرسمية الفلسطينية والدولية الصادرة مؤخراً بأن الاحتلال، بالتعاون مع مجموعات المستوطنين، صعّد بشكل خطير من استخدام ملف المياه كأداة أساسية لتوسيع المشروع الاستيطاني وفرض واقع الضم الفعلي في الضفة الغربية. وتكشف المعطيات الميدانية عن رصد ميزانيات رسمية لدعم السيطرة على الينابيع والأحواض المائية، وتحويلها من مصادر حياة للفلسطينيين إلى بؤر ومشاريع استيطانية.

وفي تحول استراتيجي لافت، أظهرت تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والمكتب الوطني للدفاع عن الأرض أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على المناطق المصنفة "ج"، بل امتدت لتستهدف مصادر المياه في منطقتي "أ" و"ب" الخاضعتين للسيطرة الفلسطينية. فقد ترافق إنشاء عشرات البؤر الرعوية والمزارع العشوائية الجديدة مع شق طرق استيطانية مخصصة للاستيلاء المباشر على مصادر المياه والينابيع المحيطة بالبلدات الفلسطينية، بهدف عزل التجمعات السكانية وحرمانها من امتدادها الجغرافي.

وتتكامل هذه المخططات الاستيطانية مع حملة عسكرية ممنهجة لتدمير البنى التحتية المائية في المدن والمخيمات الفلسطينية؛ إذ وثقت تقارير الأمم المتحدة قيام قوات الاحتلال بقطع شبكات الإمداد وتدمير الآبار وخزانات المياه الارتوازية أثناء الاقتحامات المتكررة لمناطق شمال الضفة، لا سيما في جنين وطولكرم. 

ويأتي ذلك بينما تُكرّس السياسات الإسرائيلية تفاوتاً صارخاً في حصص الاستهلاك اليومي بين الفلسطيني والمستوطن، حيث تسيطر "إسرائيل" على ما يزيد عن 84% من مصادر المياه الجوفية والسطحية في الضفة. ووفقاً للأرقام الموثقة ليوم المياه العالمي، يستهلك المستوطن الإسرائيلي ما يعادل 247 ليتراً من المياه يومياً، في المقابل لا يتجاوز معدل استهلاك الفلسطيني 80 ليتراً، ويهبط هذا المعدل إلى أقل من 15 ليتراً في التجمعات البدوية والرعوية المحاصرة، وهو ما يقل بكثير عن الحد الأدنى الإنساني الذي تحدده منظمة الصحة العالمية بـ 100 ليتر يومياً.