من يقاتل من في اليمن؟
شبكة قدس الإخبارية -

فيما يتعلق بالموقف من الحرب الدائرة حالياً في اليمن، والذي لا أذكر منذ أن وعيت أنه كان "سعيداً" أبداً، هناك من يراها مجرد حرب أهلية وصراعاً على السلطة أو النفوذ أو حتى الموارد، وهناك من يراها حرباً بالوكالة بين معسكرين، معسكر يوالي أمريكا وإسرائيل ومعسكر يوالي إيران ومن يقف معها في مقاومتها للعدوان الصهيوأمريكي عليها.

إذا أردنا أن نفهم حقيقة ما يجري، فلا مفر من أن نعود إلى جذور الأزمة، وهي أزمة قديمة متجددة في تاريخ اليمن المعاصر، منذ أن رسم المستعمرون في رمل العرب حدوداً مزقت شملهم وفرقت جمعهم ونصبت عليهم حكاماً لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة.

أطلت الأزمة برأسها من جديد عندما سعت دول الجوار في موسم الربيع العربي إلى إحباط ثورة أهل اليمن على نظام الطاغية علي عبد الله صالح، وإلى الحيلولة دون قيام نظام بديل يحقق لليمنيين ما يصبون إليه من حرية وكرامة ورخاء، خشية أن يصبح بذلك نموذجاً تتطلع إلى مثله شعوب الأقطار الأخرى في الإقليم.

حينذاك اتفق نظاما الحكم في كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مع الطاغية علي عبد الله صالح على إشعال فتيل حرب أهلية يكون وقودها الشعب اليمني غايتها إثبات أن الاستقرار والسلم الاجتماعي يتعذر في غياب الطاغية، وإقناع الناس أن الحرية والديمقراطية لا يصلحان لهم.

فجندوا الحوثيين وسلحوهم ومولوهم، رغم خلافات قديمة معهم، لقتال التجمع اليمني للإصلاح، لأن هذا الأخير من وجهة نظرهم لم يكن سوى واجهة لجماعة الإخوان المسلمين، التي يُخشى أن تفوز في أي انتخابات حرة ونزيهة يتم تنظيمها فيما لو اكتمل مسار التحول نحو الديمقراطية في اليمن. إلا أن فطنة زعماء التجمع اليمني للإصلاح جعلتهم ينأون بأنفسهم، على الأقل في بداية الأمر، عن المخطط، فاعتزلوا الحرب تجنباً لسفك الدماء، وأحبطوا الخطة السعودية الإماراتية. لا يمكن أن يُفهم من سلوك زعماء الإصلاح في ذلك الوقت إلا أنهم كانوا يدركون ما كان قد أعد لهم ولبلادهم من مكر، ولقد رفضوه حينها، ولا يغير من تلك الحقيقة تبدل حالهم فيما بعد حينما اتخذوا من الرياض ملاذاً لهم وأصبحوا رهينة لدى نظام الحكم هناك.

في نهاية المطاف، تمكن الحوثيون من اكتساح اليمن من شماله إلى وسطه في وقت قياسي. وثبت أن حسابات الإمارات والسعودية كانت خاطئة، وبشكل فاحش. فكل ما حصل هو أن خطتهم مكنت للحوثيين في اليمن، فغدوا حكامه، وتحولوا إلى خصوم لمن حرضهم ومولهم بادئ ذي بدء، وباتوا يوالون إيران ويستقوون بها.

بعد أن أسقط في أيدي من مكروا، راحوا يعدون العدة لحرب أطلقوا عليها اسم "عاصفة الحزم"، لم تلبث أن غدت وبالاً عليهم. إن تفاصيل ذلك كثيرة، وليس هنا مقام التوسع في إيرادها وشرحها.

إذن، ذلك هو أصل المأساة التي حلت باليمن، والتي لا يمكن دون الرجوع إليها فهم ما يدور على أرضه اليوم من صراع.

ومع ذلك يلتبس الأمر على كثير من الناس، ولا يقتصر ذلك على العوام منهم.

بل من المؤسف والمحزن أن ترى اليوم بعضاً ممن يُحسبون على علماء الإسلام، وقد تورطوا في إصدار فتاوى وأحكام بشأن ما يجري دون أن يكونوا قد أحاطوا علماً بملابساته أو خلفياته، وكان الأحرى بهم أن يعملوا بقوله تعالى "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" وبقوله تعالى "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى." وأهل الذكر هم أهل الاختصاص والخبرة والمعرفة، الذين رزقهم الله العلم والفهم والقدرة على أن يفسروا لهم بواطن الأمور، ويشرحوا لهم حقيقة الصراع الدائر ليس في اليمن وحدها، بل وفي المنطقة بأسرها. والعدل يقضي ألا تكون أحكام المرء صادرة عن حب أو بغض أو تحيز وإنما عن علم وفهم ونزاهة.

ينزع كثير من علماء الدين المسلمين في عصرنا إلى تفسير الصراعات تفسيراً عقدياً بحتاً، أو مذهبياً بحتاً، أو طائفياً بحتاً، متجاهلين أو مهمشين الجوانب السياسية والاقتصادية والعوامل الإقليمية والدولية التي تكون في الأغلب هي الأهم والأخطر والأكبر أثراً.

وتلك بحد ذاتها مصيبة، لأن من يصدر عن جهل في أحكامه قد ينتهي به المطاف إلى الانحياز إلى الظالم والركون إليه دون أن يدرك سوء عاقبة ما جنت يداه.

ولقد شهدنا من قبل كيف أن كثيراً من المسلمين، نخبة وعامة، كانوا قد تورطوا في الاعتقاد بأن حرب ثمانينيات القرن الماضي في أفغانستان كانت جهاداً إسلامياً ضد الشيوعية، وأنها كانت نصرة لشعب مسلم مظلوم مغلوب على أمره. والحقيقة التي اكتشفناها متأخرين هي أن تلك كانت حرباً أمريكية ضد الاتحاد السوفياتي، كان وقودها عشرات الآلاف، أو أكثر، من الشباب المسلم الذي كان تواقاً للجهاد في سبيل الله وظن مخلصاً أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

كثير من هؤلاء الشباب غررت بهم الأنظمة العربية الموالية لأمريكا حينذاك، وحرضتهم حتى يتركوا الأعمال ومقاعد الدراسة والأهل والأوطان، بل وربما مولت بعضهم، ويهاجروا إلى باكستان، التي احتضنتهم ويسرت لهم سبل اللحاق بالجبهة داخل أفغانستان طالما رغبت أمريكا في ذلك، ثم لفظتهم وطاردتهم بعد أن حققت الولايات المتحدة غاياتها ونفضت أياديها، وتركت الأفغان يفتك بعضهم ببعض في حرب ضروس أتت على ما تبقى بدون تدمير في الحرب ضد الروس.

رحل الأمريكان، واقتتل المجاهدون، فوصل الطالبان إلى الحكم، وولدت ظاهرة "الأفغان العرب".

لا ينسى من شهد تلك الحقبة أن الأفغان العرب، أي المجاهدون العرب الذين تركوا كل شيء لينصروا إخوانهم في أفغانستان، ظلوا يلاحقون في كل بقاع الأرض من قبل أمريكا وحلفائها، وزج بالكثير منهم في السجون والمعتقلات، ثم لم يجد بعضهم ملاذاً سوى تنظيم القاعدة يأوي إليه، وهو التنظيم الذي وجدت فيه الولايات المتحدة فيما بعد مبرراً لشن حرب عالمية على ما يسمى "الإرهاب".

أفضت الحرب الأمريكية على الإرهاب إلى احتلال بلدين مسلمين هما أفغانستان والعراق، وإلى تعزيز نفوذ الولايات المتحدة وتواجدها العسكري في كثير من بقاع العالم الإسلامي.

لماذا يدور القتال اليوم في اليمن؟ ومن يقاتل من؟

ما نراه من اقتتال في اليمن ما هو، بكل بساطة، إلا محاولة يائسة بائسة من قبل الولايات المتحدة لتحييد اليمن في الحرب التي تشنها هي والكيان الصهيوني ضد إيران. وذلك أن أمريكا وحلفاءها في المنطقة يخشون أن يتكرر في باب المندب على المدخل الجنوبي من البحر الأحمر ما جرى في مضيق هرمز.

من المحزن حقاً أن يتم اليوم استخدام بعض أهل اليمن ضد البعض الآخر خدمة لخطة أمريكية صهيونية. ويُغلف ذلك بأنه صراع بين الشرعية واللاشرعية. وكأنما الشرعية صك يصدر عن أنظمة الاستبداد في العالم العربي. وكأنما أهل اليمن لا رأي لهم فيما يحاك ضدهم أو يحل بهم.

أما أصحاب التحليل الطائفي في أرجاء الوطن العربي وما بعده فيسارعون إلى الزج بنظرياتهم في الأمر ليوهموا عامة الناس بأنه صراع بين السنة والشيعة أو بين العرب والفرس. وبذلك يتحقق بأقل التكاليف مراد الولايات المتحدة ومدللتها إسرائيل.

نعم، إن العرب هم من تنزف دماؤهم، والعرب هم من تدمر أوطانهم، والعرب هم من تثكل أمهاتهم، والعرب هم من ترمل نساؤهم، والعرب هم من ييتم أبناؤهم، وعرب النفط هم من يتكفل بدفع كافة نفقات سفك الدماء وتشريد العباد وتدمير البلاد. ولا حول ولا قوة إلا بالله.