شبكة قدس الإخبارية - 9/12/2026 9:35:39 AM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: لا تنتهي حكاية العائلة الفلسطينية عندما تغادر الجرافات المكان الذي كان بيتًا لها، ولا عندما تُقتلع أشجار أرضها وتُغلق الطرق المؤدية إليها. ففي اللحظة التي ينتهي فيها الهدم أو المصادرة، تبدأ مرحلة أخرى من الخسارة: أين ستعيش الأسرة؟ كيف ستدفع إيجار منزل جديد؟ ومن يعوّضها عن مصدر رزق فقدته؟
ومع اتساع عمليات هدم المنازل ومصادرة الأراضي وتهديدها، خصوصًا منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجدت عائلات فلسطينية نفسها أمام واقع جديد، لا يتعلق فقط بفقدان الممتلكات، بل بتفكك تفاصيل الحياة اليومية والاستقرار الأسري. وبينما تحصل بعض العائلات على مساعدات محدودة من جهات مختلفة، تقول عائلات أخرى إن أحدًا لم يطرق أبوابها بعد خسارتها، لتبقى في مواجهة تبعات الهدم بما تملكه من إمكانات.
في منزل أهله، يعيش أبو سلطان اليوم مع عائلته بعدما هُدم منزله المصنف ضمن مناطق «ج». لم يعد البيت الذي كان يجمع أسرته قائمًا، واضطرت العائلة إلى الانتقال إلى منزل الأقارب، ليصبح عدد أفراد الأسرة الذين يتقاسمون المكان تسعة أشخاص.
لا يتحدث أبو سلطان عن فقدان الجدران فقط، بل عن حياة كاملة تغيرت بعد الهدم. مساحة المنزل وخصوصيته واستقلال الأسرة اختفت دفعة واحدة، وحل مكانها ازدحام منزل الأهل، إلى جانب أعباء جديدة لم تكن في حساب الأسرة.
ويقول أبو سلطان إن أحدًا لم يساعده بعد هدم منزله، ولم تتواصل معه جهة لتوفير مسكن بديل أو تقديم مساعدة تخفف عنه وعن أسرته تبعات فقدان البيت. وبينما تحاول العائلة مواصلة حياتها في منزل أهله، يبقى السؤال بالنسبة إليها مفتوحًا: إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع، ومن يتحمل مسؤولية الأسرة التي فقدت منزلها؟
بيت هُدم.. وعائلة تبحث عن مساحة للحياة
حال أبو سلطان لا تبدو منفردة. فمحمود شكارنة يعيش هو الآخر تداعيات هدم منزله، بعدما وجد نفسه مضطرًا إلى السكن مع والدته وشقيقه، في ظروف ضيقة تجمع أفراد الأسرة في مساحة محدودة.
يعيش شكارنة مع زوجته وأطفاله، إلى جانب والدته وشقيقه، فيما تتقاسم العائلة غرفة وحمامًا واحدًا. وهو عامل لا يستطيع، وفق حديثه، تحمل تكاليف استئجار منزل جديد أو شراء شقة، فيما زوجته حامل وتنتظر مولودًا سيأتي إلى عائلة فقدت منزلها.
يقول شكارنة: «حتى الآن ولا واحدة تواصلت معي، ولا أي شيء»، مشيرًا إلى أنه لم يتلق مساعدة من المؤسسات التي كان يتوقع أن تتواصل مع العائلات المتضررة. ويقول إن الصليب الأحمر تواصل معه ومنحه شهادة هدم، لكنه لم يحصل على مساعدة تعينه على توفير مسكن أو تجاوز الأعباء التي تركها الهدم.
بالنسبة إليه، لم تنته المشكلة بانتهاء عملية الهدم، فالبيت الذي تبلغ مساحته نحو 300 متر مربع لم يعد موجودًا، فيما أصبحت الأسرة تبحث عن مكان يجمع أفرادها ويمنحهم الحد الأدنى من الخصوصية والاستقرار.
من الأرض إلى مصدر الرزق
ولا تقتصر الخسارة على أصحاب المنازل؛ فهناك عائلات فقدت أراضيها التي تمثل مصدر دخل وامتدادًا لعقود من العمل والارتباط بالمكان.
شفيق علقم واحد من هؤلاء. فقدت عائلته نحو 6.5 دونمات من أرضها في محافظة سلفيت، وهي أرض تقع ضمن مناطق «ج» ومسجلة رسميًا، وكانت العائلة تملك أوراقها وقواشينها. وبعد إجراءات المصادرة، اقتلعت جرافات الاحتلال أشجار الزيتون ودفنتها، فيما مُنع أصحاب الأرض من أخذ أشجارهم بعد اقتلاعها.
لجأت العائلة إلى البلدية، التي تابعت القضية ونسقت مع الارتباط للحصول على أشجار الزيتون، كما وفرت معدات وساعدت في استئجار آليات لنقل الأشجار عبر اللجنة الزراعية. لكن هذه المساعدة بقيت مرتبطة بما أمكن إنقاذه من الأشجار، ولم تُنهِ خسارة الأرض نفسها.
وهنا تبرز معاناة العائلة في جانب آخر: ماذا عن قيمة الأرض التي صودرت؟ وماذا عن مصدر الدخل الذي فقدته؟ وهل حصلت الأسرة على تعويض أو مساعدة من مؤسسات أخرى بعد المصادرة؟
فقصة علقم لا تتعلق فقط بما فعلته البلدية، وإنما بما بقي للعائلة بعد أن فقدت جزءًا من أرضها ومصدر رزقها، وما إذا كانت هناك جهة أخرى تتولى مساعدتها في مواجهة هذه الخسارة.
حين يصبح استئجار بيت هو الحل
وفي التعاون العلوي بمحافظة نابلس، بدأت معاناة ياسر الصابر قبل أن يتحول البيت إلى ركام. ففي 17 شباط/فبراير 2026، شرعت قوات الاحتلال بهدم منزله المؤلف من طابقين، وتبلغ مساحة كل طابق نحو 190 مترًا مربعًا.
تقول العائلة إن المنزل يقع وفق الخرائط التي بحوزتها في منطقة «ب»، بينما برر الاحتلال الهدم بالقول إنه مقام في منطقة «ج». وقبل الهدم، اضطرت الأسرة إلى إخلائه بعد تلقي إخطار من المحكمة الإسرائيلية.
كان المنزل يؤوي عائلة الصابر وعائلة نجله، لكن الهدم أجبرهم على البحث عن مكان آخر للسكن. ويقول الصابر إن خسائره تجاوزت 250 ألف دينار أردني، فيما اضطرت العائلة إلى استئجار منزل بديل.
هنا، لا تكون المساعدة مجرد إعادة بناء جدران؛ فالعائلة تحتاج إلى دفع الإيجار، وتأمين احتياجاتها اليومية، وتعويض ما فقدته من أثاث وممتلكات، وإعادة بناء حياة انقطعت في لحظة واحدة.
وماذا عن البيوت التي لم تُهدم بعد؟
وفي كفر صور جنوب طولكرم، لم تصل بعض العائلات بعد إلى مرحلة الهدم، لكنها تعيش الخوف من الوصول إليها. ففي آب/أغسطس 2026، تلقى عدد من أصحاب المنازل والمنشآت إخطارات بالهدم، من بينهم علاء مدلل وجميل مدلل ويونس حرب وشقيقه محمد حرب.
يقول أصحاب هذه المنازل إن لديهم وثائق وتراخيص، وإن مبانيهم تقع في منطقة «ب». لكن الإخطارات وضعتهم أمام سؤال لا يقل قسوة عن سؤال العائلات التي هُدمت منازلها بالفعل: إذا جاءت الجرافات، أين ستذهب أسرنا؟ ومن سيقف إلى جانبنا بعد ذلك؟
فالخوف هنا لا يتعلق بالحاضر فقط، وإنما بما قد يأتي بعده؛ فمنزل العائلة ليس عقارًا يمكن استبداله بسهولة، ولا يستطيع كثير من أصحاب الدخل المحدود تحمل إيجار جديد أو بناء منزل آخر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
هل توجد جهة تتولى العائلات بعد خسارتها؟
تقول شهادات العائلات إن المساعدة، حين تصل، ليست واحدة في كل الحالات، ولا يبدو أن جميع المتضررين يعرفون إلى أي جهة يتوجهون بعد فقدان منازلهم أو أراضيهم.
وتوجد لدى المؤسسات الفلسطينية برامج وأشكال مختلفة من المساندة، كما تحصل بعض الحالات على دعم من جهات محلية أو فصائلية أو مؤسسات إنسانية، لكن العائلات التي تحدثت عن تجاربها لا تصف مسارًا موحدًا يبدأ لحظة الهدم وينتهي بتأمين مسكن بديل أو تعويض واضح.
ويشير الناشط في قضايا الاستيطان عيسى صوف إلى أن السلطة الفلسطينية كانت في فترات سابقة تساعد بعض العائلات التي هُدمت منازلها، سواء عبر توفير مساكن بالإيجار أو دفع بدلات إيجار، كما كانت بعض الحالات تحصل على تعويضات. لكنه يقول إن هذه المساعدات تراجعت مع الأزمة المالية، إلى جانب تراجع أشكال أخرى من الدعم.
ويفرق صوف بين حالات الهدم المرتبطة بما تسميه إسرائيل «أسبابًا أمنية»، وبين عمليات الهدم المرتبطة بالتراخيص، مشيرًا إلى أن بعض الفصائل تتدخل في حالات معينة وتجمع تبرعات لإعادة بناء منزل لعائلة متضررة.
لكن هذه التدخلات، وفق هذا الطرح، لا تعني وجود آلية واحدة تشمل جميع العائلات التي فقدت منازلها أو أراضيها.
الخسارة التي تبدأ بعد الجرافة
في النهاية، لا تقيس العائلة خسارتها بعدد الأمتار التي هُدمت، ولا بعدد الدونمات التي صودرت فقط. الخسارة تمتد إلى غرفة الطفل، وإلى راتب يذهب بدلًا من الإيجار، وإلى شجرة زيتون اقتُلعت من أرض زرعها الآباء والأجداد، وإلى أسرة اضطرت إلى العودة إلى منزل أهلها بعدما كانت تعيش باستقلال.
أبو سلطان يعيش اليوم مع أسرته ضمن تسعة أشخاص في منزل أهله. محمود شكارنة ينتظر مولودًا جديدًا فيما تتقاسم أسرته غرفة وحمامًا واحدًا. ياسر الصابر يدفع ثمن بيت بديل بعدما فقد منزله. وشفيق علقم يحمل خسارة أرض وأشجار لم تعد كما كانت.
وبين هذه القصص، يبقى السؤال الذي لا تجيب عنه الجرافة عندما تغادر المكان: من يتولى العائلة في اليوم التالي للهدم؟ ومن يساعدها على استعادة شيء من الحياة التي فقدتها مع البيت أو الأرض؟
شارك الخبر
إقرأ المزيد


