**مَن حرّك بريطانيا؟ سؤالٌ يخصّنا نحن**
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: منير عارف قليبو

من المؤلم أن تتحرك بريطانيا وفرنسا وكندا وعشرٌ من الدول الأوروبية ضد الاستيطان والضمّ والتهجير، بينما تكتفي معظم العواصم العربية بمواقف محدودة، رغم امتلاك بعضها موارد ونفوذًا وعلاقات يمكن توظيفها للضغط. القرار البريطاني بحظر استيراد سلع المستوطنات، وما رافقه من عقوبات على شركات وأفراد، يستحق الترحيب لأنه انتقالٌ من الإدانة إلى الفعل، ولأنه جاء بلغةٍ لم تُستعمل من قبل في مجلس العموم.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن التصريح البريطاني كان شافيًا وافيًا: تقريرٌ بأن المستوطنات غير شرعية بوصفه سياسة الحكومة لا رأيًا قانونيًا معلّقًا، ووصفٌ صريح لما يجري في مناطق من الضفة بأنه تطهير عرقي، وتوصيفٌ للخطوة بأنها «إعادة ضبط شاملة» للسياسة تجاه إسرائيل، ترافقها قيود أشدّ على صادرات السلاح. وأن تصدر هذه الأوصاف من على منبر مجلس العموم، وعلى لسان وزير خارجية يهودي ترأس حزب العمل من قبل، أمرٌ لا ينبغي التقليل من دلالته.

لكن الترحيب لا يعفينا من قراءة ما حدث قراءةً دقيقة. فالخطوة جزئية ومتأخرة، وأثرها الاقتصادي محدود بحكم ضآلة صادرات المستوطنات، وتنفيذها مؤجّلٌ ستة إلى تسعة أشهر، وفاعليتها تتوقف على اتساع نطاقها ومنع الالتفاف عليها واستمرارها. وهي فوق ذلك لا تُبرئ الدول الغربية، ولا سيما بريطانيا، من مسؤولياتها التاريخية والسياسية تجاه المأساة الفلسطينية.

**السؤال الذي يستحق أن يُطرح**

حين تتحرك لندن، من الذي حرّكها؟ هل هذه حصيلة دبلوماسية فلسطينية رسمية مثابرة، ومتابعة وإقناع وبناء تحالفات؟ أم ضغطٌ عربي وإسلامي منظّم من الجامعة العربية والخليج والدول الإسلامية؟ أم أنه تكفيرٌ متأخر عن وعد بلفور وعن عقودٍ من الإجحاف بحق شعبٍ بأكمله؟

الجواب الأمين أقلّ إرضاءً مما نتمناه، وأكثر إفادةً لنا.

**المحرّك الأول بريطاني داخلي.** تبدّلت قيادة الحزب الحاكم في تموز، وبدأ رئيس الوزراء الجديد ولايته باعتذارٍ عن موقف القيادة السابقة من حرب غزة. ثم جاء الضغط من داخل الكتلة النيابية: نحو مئة وأربعين نائبًا وقّعوا في حزيران رسالةً إلى وزير الخارجية تطالب بحظر التجارة مع المستوطنات، وخُصّصت جلسة برلمانية للمسألة. وخلف ذلك حسابٌ انتخابي لا يُخفيه أحد في لندن: استعادة ناخبين انصرفوا إلى قوى أكثر وضوحًا في دعم فلسطين. الضغط، إذن، صعد من القاعدة إلى الحكومة، لا من الخارج إليها.

**المحرّك الثاني صنعه الاحتلال بيده.** أكثر من ألف وثلاثمئة اعتداء موثّق للمستوطنين خلال عام واحد، وأكثر من مئة تجمّع فلسطيني هُجّر كليًا أو جزئيًا منذ 2023، ومشروع E1 الذي يشطر الضفة نصفين ويُنهي عمليًا أي حديث عن تواصل جغرافي. هذه الوقائع هي التي غيّرت المزاج، ومصدر توثيقها التجمعات المهجّرة نفسها، والمؤسسات الأهلية والأممية العاملة في الميدان — لا بيانٌ وزاري ولا مؤتمر صحفي.

**المحرّك الثالث قانوني، وهنا يظهر الأثر الفلسطيني الحقيقي.** الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024 ألزم الدول باتخاذ خطوات لمنع العلاقات التجارية والاستثمارية التي تُديم الاستيطان غير الشرعي، امتدادًا لقرار مجلس الأمن 2334. وهذا المسار ثمرة عملٍ فلسطيني قانوني ودبلوماسي استغرق سنوات في أروقة الجمعية العامة. أي أن الإنجاز فلسطيني في أصله، لكنه ظلّ نصًا على ورق حتى نضج المناخ الداخلي في عواصم أخرى فقطفته. ليست المشكلة في غياب الأدوات، بل في غياب المتابعة التي تحوّل النص إلى سياسة.

**المحرّك الرابع: تمثيل شخصي فعّال، وهو الأهمّ في درسه لنا.** من الإنصاف أن نقول إن الدبلوماسية الفلسطينية في لندن تحديدًا لم تكن غائبة، بل كانت من أنشط ما قدّمناه منذ سنوات. فالسفير حسام زملط — ابن مخيم رفح، الأكاديمي الحاصل على الدكتوراه من لندن، والذي ترأس البعثة منذ 2018 ثم رُقّي إلى سفير بعد الاعتراف البريطاني بالدولة مطلع هذا العام — بنى حضورًا متواصلًا في الإعلام البريطاني وفي أروقة البرلمان وفي أوساط المجتمع المدني والنقابات والجامعات.

ولهذا الحضور أثرٌ يمكن تتبّعه لا مجرّد ادّعائه. ففي جلسة مجلس العموم المخصّصة لحظر التجارة مع المستوطنات، وقفت نائبة لتذكّر زملاءها بما كان السفير الفلسطيني قد قاله لهم: إن غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية ليست ملفات منفصلة، بل فصولٌ في رواية وطنية واحدة، مهما فُصلت جغرافيًا وحوصرت. أن يُقتبس سفير داخل البرلمان البريطاني بوصفه مرجعًا في تأطير القضية، فذلك أثرٌ سياسي حقيقي، وليس علاقات عامة.

وحين صدر القرار كان الموقف الفلسطيني جاهزًا ومحدّد المطالب: وصفه زملط بأنه نقطة تحوّل في العلاقات البريطانية-الفلسطينية وانتقالٌ من الإدانة إلى النتائج، لكنه أضافها إلى قائمة مطالب لا تتوقف عند الحظر — حظر شامل للسلاح، ومنع أي دولة أو شركة أو مصرف من الإسهام في الاستيطان أو الربح منه، وأن تقود بريطانيا الأمر في أوروبا والكومنولث. أي أن البعثة لم تكتفِ بالترحيب، بل استعملت اللحظة للمطالبة بما بعدها.

والدرس هنا ليس مديحًا لشخص. الدرس أن الفارق بين تمثيلٍ فاعل وتمثيلٍ خامل هو فارق سياسات لا فارق أسلوب. لندن ليست أكثر عدلًا من عواصم أخرى، لكنها العاصمة التي وُجد فيها من يعمل بشكل يومي على تحويل التعاطف إلى تشريع. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا بقيت هذه التجربة استثناءً فرديًا بدل أن تصبح نموذجًا مؤسسيًا يُستنسخ في العواصم الأخرى؟ ولماذا لا تحظى ملفات القدس — التعليم والأسرلة والإقامات ومصادرة المؤسسات — بربع هذه المتابعة المنهجية في المحافل الدولية؟ حين يعتمد الإنجاز على كفاءة فرد لا على منظومة، فإنه يبقى رهينة بقاء ذلك الفرد في موقعه.

**أين كان الموقف العربي؟**

جاء بعد الفعل لا قبله. فبعيد الإعلان البريطاني، أصدر ثمانية وزراء خارجية عرب ومسلمين — بقيادة السعودية، ومعها الأردن والإمارات وقطر ومصر وتركيا وباكستان وإندونيسيا — بيانًا مشتركًا يرحّب بالقرار ويأمل أن يحذو آخرون حذوه. ترحيبٌ لا شراكة في الصياغة، وتعليقٌ على حدثٍ لا صناعةٌ له.

الاستثناء الوحيد ذو الوزن هو المسار السعودي-الفرنسي الذي حمل «إعلان نيويورك» إلى تأييد مئة واثنتين وأربعين دولة، ومهّد لموجة الاعترافات بالدولة الفلسطينية. ذاك مسار يُحسب ويُبنى عليه، لأنه وفّر الغطاء الشرعي للتحرك الأوروبي أكثر مما قاده. والفارق بين الغطاء والقاطرة هو الفارق بين أن تُذكر في البيان وأن تكون في غرفة القرار.

أما وعد بلفور، فلا أثر له في المعادلة. لم تعتذر بريطانيا عنه يومًا، ولا يرد ذكره في تبرير الحظر. الخطوة مؤطّرة بوصفها دفاعًا عن حل الدولتين قبل فوات الأوان، لا مراجعةً لعام 1917. من يقرأ فيها كفّارة تاريخية يمنح لندن فضيلة لم تدّعها لنفسها.

**المستوطن أم الدولة؟ حدود المحاسبة**

ثمّة سؤالٌ يدور اليوم في كتابات فلسطينية عديدة في أوروبا، وقد طرحه أخيرًا الكاتب أحمد سليمان، رئيس المركز السويدي الفلسطيني، بصيغة مباشرة تستحق أن تُدرج في صلب المطالبة: هل تبدأ المحاسبة عند المستوطن وتنتهي عنده؟

المستوطن لا يصادر الأرض بقرارٍ يصدره من نفسه، ولا يخطّط للمستوطنة، ولا يشقّ الطرق الالتفافية، ولا يمدّ شبكات المياه والكهرباء، ولا يوفّر لنفسه الحماية العسكرية. الاستيطان منظومة دولة: تشريع وتمويل وتخطيط وبنية تحتية وحماية. وحين تطال العقوبات التي تُعلن أفرادًا ومجموعات — على أهميتها الرمزية والقانونية — تُعالج العَرَض بينما تُترك السياسة التي أنتجته خارج دائرة المساءلة.

وحظر السلع خطوة أبعد من ذلك، لأنه يستهدف اقتصاد المستوطنة لا سلوك أفرادها. لكنه يبقى دون المستوى الذي يمسّ صانع القرار. والاختبار المعروف والموجود على الطاولة منذ أكثر من عام: المادة الثانية من اتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية، التي تجعل احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية «عنصرًا جوهريًا» في الاتفاقية.

وهنا تحديدًا تتضح طبيعة العائق، ومعرفتها أنفع لنا من الشكوى. فالمراجعة الأوروبية التي أُطلقت في أيار 2025 خلصت في حزيران من العام نفسه إلى وجود مؤشرات على خرق إسرائيلي لالتزاماتها، واقترحت المفوضية في أيلول تعليقًا جزئيًا للامتيازات التجارية. ثم تعثّر الأمر في مجلس الاتحاد في نيسان 2026، لا لانعدام السند القانوني، بل لأن التعليق الكامل يشترط الإجماع، ولأن دولًا بعينها — ألمانيا وإيطاليا والمجر وتشيكيا والنمسا — اعترضت.

والدرس إجرائي لا خطابي: السند القانوني قائم ومكتمل، والعقبة حسابٌ سياسي داخل بضع عواصم محدّدة بالاسم. أي أن الجهد الفلسطيني والعربي ينبغي أن يتوجّه إلى تلك العواصم بالذات، وإلى برلماناتها وقواعدها الانتخابية، لا إلى إعادة إثبات ما هو مُثبَتٌ قانونيًا منذ سنوات.

**المرآة التي يجب أن نديرها نحونا**

إن كان المحرّك في لندن ضغطَ قاعدةٍ على حكومتها، فما الذي يحرّك رام الله؟

السؤال الذي وجّهناه إلى العواصم العربية — ماذا فعلتم، وما الكلفة التي تستعدون لتحمّلها؟ — يفقد اتساقه إن لم يُوجّه إلى الداخل أولًا. فالملفات التي تنتظر استراتيجية ليست هامشية: التعليم في القدس، ومصادرة المنهاج وأسرلته، وتآكل المؤسسة المقدسية، وكارثة غزة المفتوحة. وهذه ليست قضايا خدمات، بل بنية الوجود ذاتها.

والإنصاف يقتضي الإقرار بقيدٍ موضوعي: السلطة ممنوعة قانونًا من العمل داخل القدس، ووجودها المؤسسي فيها محظور. لكن يبقى السؤال مشروعًا: هل يفسّر هذا القيد غياب الإدارة وحدها، أم يمتدّ ليفسّر غياب الاستراتيجية، وغياب التمويل عبر القنوات التي تظلّ متاحة، وغياب المتابعة الدولية لهذه الملفات في المحافل التي نصل إليها؟ الفارق بين العجز والتقاعس يستحق أن يُبحث بهدوء، لا أن يُحسم بالشعارات من أي طرف.

وحين يُعاد رسم خريطة الضفة على الأرض، يحقّ للمواطن أن يسأل: أين تقع الترتيبات الداخلية والاستحقاقات التنظيمية في سلّم الأولويات؟ ليس السؤال اتهامًا، بل هو ما يُطرح على أي قيادة في أي مكان، وهو ما طرحه الناخب البريطاني على حكومته فأثمر. فمن يحمل عبء التمثيل يحمل معه عبء البيّنة، والمعيار واحد على الجميع، ونحن في جملتهم: ماذا فعلنا، وما الكلفة التي دفعناها؟

**من الترحيب إلى المطالبة**

لذلك ينبغي أن يتحول الترحيب بالخطوة الغربية إلى مطالبة بسياسات شاملة ومستدامة: وقف التعامل مع المستوطنات في التجارة والخدمات والاستثمار، ومنع تصدير الأسلحة والمكوّنات المستخدمة في الاحتلال، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ودعم مسارات المساءلة الدولية، والضغط لوقف الاستيطان والضمّ والتهجير، وحماية ما تبقّى من القدس والضفة الغربية.

وحتى لا يبقى الحظر شعارًا، تُقاس فاعليته بأربعة معايير عملية: أن يشمل الخدمات والاستثمار والتأمين والخدمات المصرفية لا السلع وحدها؛ وأن يُبنى على تحقّقٍ صارم من قواعد المنشأ يمنع تمرير إنتاج المستوطنات عبر وسطاء داخل الخط الأخضر؛ وأن تُرصد له آلية إنفاذٍ ومتابعة تنشر تقارير دورية بدل أن يُترك لحسن النيّة؛ وأن يُثبّت تشريعيًا فلا يزول بتغيّر الحكومة. ومن دون هذه الأربعة يتحوّل القرار إلى إعلانٍ أخلاقي مكلفٍ سياسيًا وقليل الأثر عمليًا.

وينبغي في الوقت نفسه أن يتحول إلى مطالبة داخلية: استراتيجية معلنة للقدس بموازنة ومواعيد ومسؤولين بالاسم، ومتابعةٍ دبلوماسية تحوّل الأحكام القانونية الدولية إلى تشريعات في العواصم، وأولوياتٍ تُقاس بما تحمي لا بما تُبقي.

فالتضامن الحقيقي لا يُقاس بالبيانات، بل بسياسات قابلة للقياس ونتائج ملموسة. وهذا المعيار، حين نرفعه في وجه الآخرين، يجب أن نقبل أن يُرفع في وجهنا.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد