شبكة راية الإعلامية - 9/13/2026 7:45:34 AM - GMT (+2 )
الكاتب: محمود محمد القشاش
مع بدء عام دراسي جديد، تبدو غزة أمام سؤال يتجاوز عودة الأطفال إلى مقاعد الدراسة: كيف يمكن لاقتصاد مدمر أن يحافظ على رأس ماله البشري، بينما يعيش مئات الآلاف من الأطفال خارج التعليم النظامي، وتواجه الأسر ضغوطًا اقتصادية تجعل الإنفاق على التعليم منافسًا مباشرًا للغذاء والمياه والصحة والسكن؟
تشير أحدث بيانات اليونيسف إلى أن نحو 700 ألف طفل في غزة، بين 4 و17 عامًا، حُرموا من التعليم الوجاهي الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام متتالية، بينما لا يحصل نحو 420 ألف طفل، أي قرابة 60%، على أي تعليم وجاهي. كما أن نحو 98% من مباني المدارس متضررة، وأكثر من 93% منها تحتاج إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة بناء كاملة، فيما تعرض نحو 81% لضربات مباشرة.
وهذه الأرقام لا تعكس أزمة تعليمية فحسب، وإنما خسارة اقتصادية في رأس المال البشري.
الأسرة الغزية أمام معادلة اقتصادية قاسية
بالنسبة للأسرة في غزة، العودة إلى التعليم لا تعني فقط توفير مقعد للطالب، وإنما تعني سلسلة من النفقات: الملابس، القرطاسية، الحقائب، المواصلات، الاتصالات والإنترنت، الغذاء أثناء اليوم الدراسي، وأحيانًا تكاليف التعليم البديل أو الدروس التعويضية.
وهذه النفقات تأتي في وقت أصبحت فيه قدرة الأسر على الإنفاق محدودة للغاية. وتشير الاحصائيات إلى أن محدودية فرص الدخل وضعف القوة الشرائية لا تزال تمنع كثيرًا من الأسر من تلبية احتياجاتها الأساسية، وأن أكثر من 60% من إنفاق الأسر المستفيدة من المساعدات النقدية يذهب إلى احتياجات غير غذائية، تشمل الصحة والوقود والنقل والملابس والاتصالات واحتياجات الأطفال وسداد الديون.
وبالتالي تصبح الأسرة أمام مفاضلة اقتصادية مؤلمة:
هل تنفق دخلها المحدود على تعليم الطفل، أم على الغذاء والماء والدواء والوقود والسكن؟
وهنا تظهر خطورة الأزمة؛ لأن انخفاض دخل الأسرة لا يؤدي فقط إلى انخفاض الاستهلاك، بل قد يؤدي أيضًا إلى خفض الاستثمار في تعليم الأطفال.
التعليم أصبح عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسرة
في الظروف الطبيعية، يُنظر إلى التعليم باعتباره استثمارًا طويل الأجل؛ فالأسرة تتحمل تكلفة التعليم اليوم مقابل حصول ابنها مستقبلًا على مهارات تؤهله لدخل أفضل.
لكن في غزة تغيرت المعادلة.
فالأسرة تدفع تكلفة التعليم في الوقت الذي تواجه فيه انخفاضًا شديدًا في الدخل وارتفاعًا في الاحتياجات الأساسية، بينما سوق العمل نفسه يعاني من انهيار واسع.
وهذا يخلق ما يمكن تسميته اقتصاديًا:
«"فجوة الاستثمار الأسري في رأس المال البشري".
أي أن الأسرة تريد الاستثمار في تعليم أبنائها، لكنها لا تمتلك الموارد الكافية لذلك.»
والخطر الأكبر أن استمرار هذه الفجوة لعدة سنوات قد يؤدي إلى ظهور جيل يمتلك سنوات أقل من التعليم والمهارات، ما ينعكس مستقبلًا على الإنتاجية والأجور وفرص العمل والنمو الاقتصادي.
700 ألف طفل خارج التعليم… خسارة اقتصادية للمستقبل
الأمر لا يتعلق بعدد الأطفال الموجودين خارج المدارس فقط.
فالاحصائبات تشير إلى أن الأطفال في غزة واجهوا انقطاعًا تعليميًا ممتدًا، وأن آثار ذلك قد تمتد إلى تطورهم ومهاراتهم وفرصهم المستقبلية. وفي تقييمها للأطفال، وجدت أن 29% من الأطفال بين 5 و11 عامًا و37% من الأطفال بين 12 و17 عامًا لم يكونوا يشاركون في تعليم وجاهي أو مراكز تعلم وقت إجراء المسح.
ومن منظور اقتصادي، كلما طال الانقطاع، ارتفعت تكلفة التعويض.
فالطالب الذي يفقد سنة تعليمية يحتاج إلى برامج استدراك، والطالب الذي يفقد عدة سنوات يحتاج إلى تدخل أعمق لاستعادة مهارات القراءة والكتابة والحساب والعلوم والمهارات الرقمية.
التعليم الطارئ لا يعوض المدرسة النظامي
فالتعليم في الخيام أو مراكز التعلم المؤقتة يحتاج إلى تمويل مستمر للمكان، والمعلمين، والمواد التعليمية، والمياه، والصرف الصحي، والحماية، والدعم النفسي، والنقل وغيرها.
وفي المقابل، تحتاج غزة إلى إعادة بناء منظومة تعليمية قادرة على الاستمرار لعقود، وليس لعدة أشهر.
من إعادة بناء المدارس إلى إعادة بناء الاقتصاد
الخطأ الاقتصادي سيكون النظر إلى ملف التعليم باعتباره ملفًا إنسانيًا منفصلًا عن الاقتصاد.
التعليم هو أحد أهم مدخلات الإنتاج المستقبلية.
فالاقتصاد يحتاج إلى:
طلاب متعلمين → مهارات → عمالة ماهرة → إنتاجية أعلى → دخول أعلى → استهلاك واستثمار → نمو اقتصادي.
أما استمرار الانقطاع:
تعطّل التعليم → تراجع المهارات → انخفاض الإنتاجية → ضعف فرص العمل → انخفاض الدخل → زيادة الفقر → ضعف القدرة على الإنفاق على تعليم الجيل التالي.
وهكذا يمكن أن تدخل غزة في حلقة اقتصادية مفرغة.
إن بدء العام الدراسي في غزة يجب ألا يُقاس بعدد الخيام أو مراكز التعلم التي افتُتحت، وإنما بعدد الأطفال الذين عادوا إلى تعليم منتظم وآمن ومستدام.
فـ700 ألف طفل خارج التعليم تقريبًا ليست مشكلة وزارة التربية وحدها؛ إنها مشكلة اقتصادية تمس مستقبل سوق العمل والدخل والإنتاجية.
وإذا كانت إعادة إعمار غزة ستحتاج إلى عشرات المليارات، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم سننفق لإعادة بناء المدارس؟بل:
«كم سنستثمر في الإنسان الذي سيعيد تشغيل الاقتصاد بعد إعادة بناء المدارس والمصانع والمستشفيات والطرق؟
غزة تبدأ عامًا دراسيًا جديدًا، لكنها في الحقيقة تبدأ معركة طويلة لاستعادة رأس مالها البشري؛ لأن إعادة بناء الحجر دون إعادة بناء الإنسان ستترك الاقتصاد قائمًا على المساعدات بدلًا من الإنتاج.»
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


