شبكة قدس الإخبارية - 9/13/2026 1:06:43 PM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: في الخيمة التي لا تصلح للسكن، ينتظر رائد زواهرة الشتاء. لا ينظر إلى المطر بوصفه فصلًا عابرًا؛ فالشتاء بالنسبة إليه يعني اختبارًا جديدًا للمكان الذي انتهت إليه حياته بعد رحلتين من التهجير. سقف خفيف لن يحميه كما ينبغي، وأرض لا تشبه البيت الذي كان يملكه، وحياة مؤقتة لا يعرف إلى متى ستستمر.
قبل هذه الخيمة، كان لرائد بيت في عين الرشاش. كان يملك مكانًا يعود إليه في نهاية يومه، إلى أن دفعته اعتداءات المستوطنين إلى مغادرته. لم يكن الانتقال إلى شقارة، التابعة لدوما، بحثًا عن حياة أفضل، بقدر ما كان محاولة للعثور على حياة يمكن أن تستمر؛ بيت يجمع عائلته، وأغنام، ومكان يبتعد فيه قليلًا عن الخوف الذي تركه وراءه.
في شقارة، بدأ رائد من جديد
كانت نحو 12 عائلة تعيش هناك، يزيد عدد أفرادها على خمسين شخصًا، من بينهم عائلات زواهرة وعرعرة. عاشوا حياة بسيطة؛ الرجال يخرجون إلى أعمالهم، والأطفال يذهبون إلى مدارسهم، والأغنام تخرج إلى المراعي وتعود مع نهاية النهار. لم تكن لديهم رفاهية كثيرة، لكن كان لديهم شيء أهم: شعور بأن البيوت التي ينامون فيها ستظل بيوتهم في الصباح.
يتذكر راضي تلك الحياة من خلال أمانها أكثر من أي شيء آخر.
«كانت حياتنا بسيطة، لكنها كانت آمنة. كنا ننام مطمئنين، ونذهب إلى أعمالنا بأمان، وكان أطفالنا يذهبون إلى مدارسهم دون خوف. كنا راضين بأقل مستوى من المعيشة، لكن حياتنا كانت مستورة، وكنا مطمئنين على بيوتنا ومصدر رزقنا».
لكن المكان الذي جاء إليه رائد بعد تهجيره الأول لم يمنحه فرصة طويلة للاستقرار.
لم يكد يمضي عام أو عام ونصف تقريبًا حتى ظهرت بؤرة استيطانية على مسافة نحو 150 إلى 200 متر من تجمعهم، بحسب روايته. فجأة، عاد الإحساس القديم نفسه: أن البيت قد لا يكون آمنًا، وأن المسافة بين العائلة والخطر صارت أقصر من أن تُحتمل.
«لم نكد نرتاح عامًا أو عامًا ونصف في شقارة حتى أقيمت البؤرة على مسافة نحو 150 إلى 200 متر منا، واضطررنا مرة أخرى إلى الخروج».
بالنسبة إلى بسام عيد عرعرة، كانت البؤرة تعني شيئًا آخر أيضًا: أن تفاصيل الحياة اليومية نفسها بدأت تتغير.
يقول إن المضايقات كانت موجودة قبل ذلك، خصوصًا في المراعي ومصادر المياه، لكن بعد إقامة البؤرة في آب/أغسطس 2025، أصبح المستوطنون أقرب إلى البيوت. شُقت طرق باتجاه المنطقة، وجُلبت الأغنام إلى محيط المنازل، وألقيت الحجارة ليلًا، واقتربت الجرارات من البوابات.
حاول الأهالي أن يحموا ما يستطيعون حمايته. أقاموا أسوارًا وبوابات، لكن بسام يقول إن السياج كان يُقطع، والبوابات تُضرب بالجرارات، وإن الحجارة وصلت إلى الأطفال.
كان الرجل الذي اعتاد أن يخرج صباحًا إلى عمله يعود ليلًا إلى بيت كان يفترض أن يمنحه الراحة، لكنه صار يحتاج إلى حراسته.
«لم أعد أنام ليلًا؛ أبقى مستيقظًا معظم الليل، خشية أن يأتي المستوطنون، لا سمح الله، ويحرقوا المنزل أو يرتكبوا أي اعتداء».
ومع الليل، كانت تفاصيل أخرى تنهار. يقول رائد إن المياه انقطعت، وإن الخلايا الشمسية كُسرت، وأصبح المكان بلا كهرباء ولا مياه. ويقول بسام إن الوصول إلى العمل أصبح أكثر صعوبة، وإن الطرق أُغلقت، بينما واجه الأطفال عوائق في الوصول إلى مدارسهم.
لم يكن الرحيل قرارًا اتُخذ في يوم واحد
ثمانية أو تسعة أشهر تقريبًا حاول رائد ومن معه الصمود. وبسام وعائلته عاشوا أشهرًا من الخوف، فيما كان الآباء يحاولون حماية أطفالهم ومنازلهم، ويبحثون في الوقت نفسه عن طريقة للاستمرار في العمل وتأمين الرزق.
لكن حين يصبح الخروج إلى العمل خطرًا، والذهاب إلى المدرسة معركة، والماء والكهرباء غير مضمونين، والليل وقتًا للحراسة بدل النوم، يصبح البيت نفسه عاجزًا عن أداء وظيفته الأساسية: أن يكون مأمنًا لأهله.
في آذار، خرجت عائلات شقارة. يصف راضي ذلك اليوم بأنه لم يكن انتقالًا إلى مكان آخر، بل اقتلاعًا من حياة كاملة.
«كان يوم خروجنا من شقارة صعبًا ومأساويًا. تركنا ذكرياتنا وذكريات أطفالنا وأيامنا الجميلة، لكننا اضطررنا إلى الرحيل لإنقاذ أطفالنا وأنفسنا وما تبقى من ثروتنا الحيوانية».
خرجوا متفرقين. بعض العائلات اتجهت إلى دوما، وأخرى إلى الناصرية وتل الفخار، وانتقلت أسرة إلى مزرعة في يتما، فيما نقل أحد الإخوة أغنامه إلى سلفيت.
الخسارة لم تتوقف عند الأرض والبيت
كانت الأغنام، بالنسبة إلى عائلات كثيرة، مصدر الرزق الوحيد. يقول راضي إنهم باعوها خوفًا من أن يأخذها المستوطنون.
«خسرنا كل شيء؛ خسرنا أرضنا ومساكننا ومصدر رزقنا الوحيد، وهو الأغنام. بعناها لأننا خفنا أن يأخذوها منا».
بعد شقارة، لم يجد راضي بيتًا يعيد إليه شكل حياته القديمة. يعيش مع إخوته ووالده في بيت من الزينكو في الناصرية، ويصف السكن بأنه حل اضطراري في ظل فقدان الأرض والغرف التي كانت تجمعهم.
«لا يعلم بحالنا إلا الله. عندما تكون في بيت من الزينكو في الأغوار وسط هذا الحر، يكون الأمر صعبًا، لكن الحمد لله أننا وجدنا مكانًا نسكن فيه، لأنه لم يبقَ لنا مكان؛ الأرض ذهبت والغرف ذهبت».
أما بسام، فاستأجر بيتًا في طرف دوما مع عائلته المكونة من تسعة أفراد. كان يأمل أن يكون الانتقال إلى مكان جديد خطوة نحو الاستقرار، لكنه يقول إن القلق لحق به إلى هناك؛ فالمستوطنون، بحسب روايته، يأتون إلى محيط المنزل ويجلبون الأبقار، فيبقى مستيقظًا معظم الليل خشية أن يتعرض بيته أو أطفاله لأي اعتداء.
أما رائد، فكانت مشكلته مختلفة، لكنها تحمل المعنى نفسه: أين يسكن بعد أن خسر المكان الذي كان يأويه؟
استأجر بيتًا بعد خروجه من شقارة، لكنه لم يستطع الاستمرار في دفع الإيجار. تراكمت عليه ثلاثة أشهر، بواقع 600 شيكل للشهر، أي 1800 شيكل. لم يطلب منه صاحب المنزل المغادرة، كما يقول، لكنه خرج لأنه لم يعد قادرًا على السداد.
«منذ فترة قصيرة لم أعد قادرًا على دفع الإيجار، فتراكمت عليّ ثلاثة أشهر، بواقع 600 شيكل للشهر، فخرجت من المنزل، رغم أن صاحبه لم يطلب مني المغادرة، وإنما لأنني لم أعد قادرًا على السداد».
بعدها بنى الخيمة
يقول إن مؤسسة العمل ضد الجوع جاءت إليه وساعدت في ترميم مسكن، وإنه طلب لاحقًا بناء «براكس» بسيط يغنيه عن الإيجار، لكنه يقول إن طلبه رُفض، ولا يعرف السبب.
والآن، بعد أن كان يملك بيتًا في عين الرشاش، ثم حاول بناء حياة في شقارة، ثم عاش في منزل مستأجر، انتهى به الطريق إلى خيمة.
«والله، الخيمة لا تصلح للسكن في الشتاء. كنت أضع أملي في مؤسسة العمل ضد الجوع لتساعد في ترميم المسكن، حتى يستطيع الإنسان أن يستر حاله في الشتاء. الخيمة لا تصلح، والسكن لا يصلح في الشتاء».
ثلاث حكايات خرجت من المكان نفسه، لكنها لم تنتهِ في اللحظة ذاتها. فبالنسبة إلى راضي، التهجير يعني اليوم بيتًا من الزينكو وأرضًا لا يستطيع الوصول إليها. وبالنسبة إلى بسام، يعني منزلًا مستأجرًا وليلًا يقضيه في الحراسة بدل النوم. أما رائد، فقد أصبح التهجير عنده سلسلة من العناوين التي تنتهي كل مرة بمكان مؤقت.
ومع ذلك، لا يتحدث الثلاثة عن شقارة كأنها صفحة أُغلقت.
يقول راضي: «لو كان بإمكاننا العودة اليوم، فلن نتردد في العودة إلى شقارة. لكن كيف نعود وأرضنا مأخوذة، وبيوت بعض العائلات هُدمت؟».
ويقول بسام: «سنعود بالتأكيد. نريد أن نعود، لكننا غير قادرين الآن».
أما رائد، فلا يملك اليوم سوى خيمته، ولا يعرف إن كانت ستصمد أمام الشتاء.
هكذا لم يكن التهجير يومًا واحدًا بالنسبة إلى عائلات شقارة. بدأ حين صار الخوف يدخل إلى تفاصيل حياتهم، واكتمل حين خرجوا من بيوتهم، ثم استمر بعد ذلك في الإيجار والديون وتشتت العائلات وفقدان مصدر الرزق.
غادروا شقارة، لكنهم لم يجدوا مكانًا بديلًا يشبه البيت.
وبين بيت الزينكو، والمنزل المستأجر، والخيمة التي لا تصلح للشتاء، بقيت حياتهم معلقة على أمل واحد: أن يأتي يوم يستطيعون فيه العودة إلى المكان الذي خرجوا منه مكرهين.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


