وكالة سوا الاخبارية - 9/14/2026 9:30:28 AM - GMT (+2 )
بينما يؤكد المجتمع الدولي في بياناته الرسمية — باستثناء الإدارة الأمريكية — أن الحل العادل يتطلب رفض أي تغيير ديموغرافي أو جغرافي في قطاع غزة والضفة الغربية، تُظهر الخريطة السياسية الإسرائيلية واقعاً يناقض ذلك تماماً. فلم تعد فكرة تفريغ القطاع وتهجير سكانه مجرد شعار هامشي يطرحه أقصى اليمين، بل تحولت، مع اقتراب انتخابات الكنيست ، إلى جزء حاضر في الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي، وإلى تصور مطروح لمستقبل غزة يتجاوز الأزمة الحكومية الحالية.
تتجه إسرائيل خلال أقل من شهرين إلى انتخابات الكنيست بمشاركة عشرة أحزاب صهيونية رئيسية. لكن الأهم من نتائج الصناديق هو مضمون مواقف هذه الأحزاب من مستقبل غزة والفلسطينيين. فبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، يؤيد مخطط الترانسفير أحزاب الائتلاف الحالي، بينها الليكود والصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية، كما يحظى بتأييد أحزاب صهيونية في المعارضة، بينها قائمة "بياحد" برئاسة نفتالي بينيت وحزب "يسرائيل بيتينو" برئاسة أفيغدور ليبرمان، في حين يعارضه رئيس حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، ورئيس حزب "الديمقراطيين"، يائير غولان. ووفق هذه المواقف المعلنة، يؤيد المخطط ثمانية من أصل عشرة أحزاب صهيونية رئيسية، مع اختلاف واضح في الصيغ واللغة ودرجة طرح الفكرة.
هذا المعطى يخرج الترانسفير من كونه مشروعاً خاصاً بإيتامار بن غفير أو بتسلئيل سموتريتش، أو مجرد شعار انتخابي عابر. نحن أمام فكرة تجد مساحة واسعة داخل التيار السياسي الصهيوني، من اليمين إلى أجزاء من المعارضة. وتتجلى خطورة هذا التحول في طرح بن غفير خطة "فك الارتباط 710" التي تهدف إلى تفريغ غزة وتشجيع تهجير سكانها تحت غطاء "الهجرة الطوعية"، وفي اشتراطه إنشاء "وزارة للهجرة" وتوفير ميزانيات ضخمة لحزم التحفيز للمغادرة كشرط للمشاركة في أي حكومة قادمة. ووفق "يديعوت أحرونوت"، يخطط بن غفير أيضاً لنشر لافتات في دول أفريقية للترويج للفكرة.
وعليه، فإن السؤال لم يعد فقط: هل سيبقى نتنياهو أم يرحل؟ بل ماذا سيحدث إذا تشكلت حكومة جديدة بأغلبية سياسية ترى في إخراج الفلسطينيين من غزة جزءاً من الحل، وإن اختلفت في حجم التهجير وطريقته وأهدافه؟
تسمية التهجير "هجرة طوعية" أو "خروجاً حراً" لا تغير من طبيعته القانونية والأخلاقية. فالإرادة الحرة تفترض وجود ظروف تسمح للإنسان بالبقاء، أما في غزة، فنحن أمام أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون وسط دمار واسع، وفقدان للمنازل، وانهيار للخدمات الأساسية، واستمرار القتل والتهديد.
كيف يمكن الحديث عن اختيار حر بينما تُدمّر مقومات الحياة؟ إن "الهجرة الطوعية" في هذا السياق قد تعني عملياً إرغام الغزيين على الرحيل هرباً من الموت والدمار، لتتحول نتائج حرب الإبادة نفسها إلى أداة لتحقيق هدف ديموغرافي إسرائيلي.
وهنا تكمن خطورة اللغة المستخدمة؛ إذ يجري تحويل الإكراه الناتج عن الحرب والدمار وانعدام شروط الحياة إلى "اختيار" فردي، فيما يصبح الرحيل نتيجة متوقعة لسياسة تضع الفلسطيني أمام خيارين: البقاء في ظروف لا تسمح بالحياة، أو مغادرة وطنه.
المشكلة لا تتعلق بشخص بنيامين نتنياهو وحده. وكما أشار رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق تمير هايمان، فإن إسرائيل تبنت مفهوماً أمنياً جديداً يعتمد بصورة متزايدة على استخدام القوة العسكرية لمحاولة حسم الصراع، بدل الاكتفاء بإدارته.
وهذا التحول مهم، لأنه يعني أن تغيير رئيس الحكومة، إن حدث، لا يعني بالضرورة تغيير التصور الأمني الذي يحكم التعامل مع الفلسطينيين والصراع. فالقوة العسكرية، وفق هذا المفهوم، لم تعد مجرد أداة لإدارة الأزمات، وإنما أصبحت جزءاً من رؤية أوسع للتعامل مع الصراع ومحاولة فرض نتائجه.
ولا يعني ذلك أن جميع الأحزاب الإسرائيلية تتبنى الموقف نفسه أو أن مواقفها من الترانسفير متطابقة. لكن اتساع مساحة التأييد للفكرة داخل أحزاب الائتلاف وأجزاء من المعارضة يكشف أنها لم تعد محصورة في هامش اليمين المتطرف، بل باتت حاضرة في النقاش السياسي الإسرائيلي الأوسع.
ولا يمكن فصل ما يجري في غزة عما يحدث في الضفة الغربية و القدس من توسع استيطاني وتهجير وتغيير للواقع الميداني. ففي الحالتين، تتجاوز المسألة حدود الإجراءات الأمنية الآنية لتلامس مستقبل الأرض والسكان.
في غزة، يظهر ذلك في طرح إخراج السكان تحت مسمى "الهجرة الطوعية"، وفي الضفة الغربية من خلال التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتهجير الفلسطينيين من مناطق مختلفة. وقد تختلف الأدوات والسياقات بين غزة والضفة، لكن النتيجة المحتملة واحدة: تقليص المجال المتاح أمام الفلسطينيين للبقاء على أرضهم وممارسة حقهم في تقرير مصيرهم.
وفي هذا السياق، تبدو فكرتا نزع السلاح والترانسفير، في بعض الطروحات الإسرائيلية، متداخلتين ضمن تصور أوسع لمستقبل قطاع غزة. فبينما يُطرح نزع السلاح باعتباره شرطاً أمنياً وسياسياً، فإن استمرار الإجراءات التي تُبقي القطاع في حالة دمار وانعدام لشروط الحياة يطرح سؤالا جوهرياً: هل نزع السلاح هو الهدف فعلاً، أم أنه تحول إلى وسيلة لإطالة أمد الحرب وإعادة تشكيل الواقع السكاني والسياسي في القطاع؟
في المقابل، يمثل اعتراف بعض الدول الأوروبية بوجود ممارسات ترقى إلى "التطهير العرقي"، أو فرض عقوبات على الاستيطان، تطوراً مهماً في التوصيف السياسي لما يجري. لكن العبرة ليست في البيانات وحدها، بل في مدى قدرة هذه الدول على تحويل مواقفها إلى إجراءات وفرض كلفة حقيقية تمنع تحويل التهجير والاستيطان إلى أمر واقع.
فالمشكلة ليست في غياب القواعد القانونية الدولية، بل في الفجوة المتزايدة بين هذه القواعد وما يجري على الأرض. وكلما طال الوقت، أصبح تغيير الوقائع التي تُفرض بالقوة أكثر صعوبة، وتحولت الإجراءات المؤقتة إلى حقائق دائمة.
المسألة في النهاية ليست فقط من سيشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ولا ما إذا كان نتنياهو سيبقى أو يرحل. المسألة الأعمق، إذن، ليست فقط ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على إغلاق الفجوة بين قواعد القانون الدولي وبين الواقع الذي يجري فرضه بالقوة في غزة والضفة الغربية، بل ما إذا كان مستعداً لتحمل مسؤوليته عن هذه الفجوة. فخلال سنوات الإبادة المستمرة، لم تتمكن دول أوروبية وغربية من حماية قواعد القانون الدولي ووقف الجرائم فحسب، بل ساهمت مواقف وسياسات بعضها، بدرجات مختلفة، في تعطيل آليات المساءلة وإضعاف قدرة القانون الدولي على كبح القوة ووقف الجرائم. وهذه هي المعركة التي تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية نفسها: هل يبقى القانون الدولي قاعدة فعلية تحكم الصراع وتحمي حقوق الفلسطينيين، أم يتحول إلى مجرد مواقف وبيانات، بينما تستمر الجرائم وتُرسم على الأرض حقائق جديدة يصعب تغييرها لاحقاً؟
المصدر : وكالة سواجميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


