عندما تنقلب كلّ المعادلات!
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: عبد المجيد سويلم

علينا أولاً أن نصدّق ما تراه أعيننا، وأن نحاول بقدر ما نستطيع تخفيف الانتباه عمّا كنا نسمعه وما سمعناه على مدار السنوات الطويلة الماضية عن واقع هذا البلد. وسأسمح لنفسي أن أضفي على هذا المقال بعض الوجدانيات أيضاً. وسأبدأ بنفسي حيث لم أكن من المتحمسين لجماعة أنصار الله عندما استولوا على العاصمة صنعاء، ولم أكن أدرك بما يكفي، وبما يفترض في واحد مثلي إدراكه، أن ثمة قراءة أعمق من انطباعاتي التي كانت متسرعة كما ثبت بالواقع.

والحق أن هذا التسرع يعود في خلفياته الفكرية والسياسية إلى موروث طويل، فقد ارتبطت في ذهني جماعة الحوثي بنظام الإمامة الذي حكم اليمن في مرحلة المد الناصري، وارتبط هذا النظام آنذاك بالعربية السعودية التي كانت تناصب النظام الناصري العداء السافر. وبما أن جيلاً كاملاً صاعداً كان ناصري الهوى، وأنا من بينهم، ومنهم من كان يساري التوجه، وكان يرى في الحزب الاشتراكي اليمني، والذي كان امتداداً للجبهة القومية في جنوب اليمن، طليعة ثورية، وارتبط دعم جمال عبد الناصر لقوات عبد الله السلال في ذلك الوقت، فقد انحفر في فكر هذه الأجيال أن جماعة الحوثي هي مجرد امتداد للفكر السياسي «المتخلف» لنظام الإمامة، وأن الجماعة الجديدة ليست سوى أقلية طائفية هامشية.
أردت بهذه المقدمة أن أعتذر للشعب اليمني مع أنني اعتذرت بصورة غير مباشرة قبل الآن، وقبل التطورات الأخيرة. أعود إلى هذه التطورات بقصة صغيرة أخرى، لكنها في صلب الموضوع. قبل شهور عدة كتبت في «الأيام» أن اليمن في طريقه للتحول إلى قوة إقليمية جديدة، وأن هذا البلد سيلعب دوراً محورياً في الإقليم الذي هو في طور التشكل، خصوصاً في منطقة الإقليم الخليجي، ثم في الإقليم العربي والإسلامي. تلقيت رداً على هذا الرأي عتاباً مرّاً من بعض الأصدقاء باعتبار أن هذا الرأي لا يليق بكاتب مثلي، وأن فيه من العواطف والمشاعر ما يفوق الاعتبارات المهنية، وما يتجاوز الموضوعية المفترضة، وأن موقف أنصار الله في نصرة غزة لا يجوز أن يُفسّر على أنه المقياس الذي يجب أن نراه في الحكم على جماعة أنصار الله. هكذا كتبوا لي على الخاص وكانت أطروحتي في الرد على هؤلاء الأصدقاء بأن الأمر أبعد وأعمق من ذلك مع أن الموقف المساند لغزة، وهو موقف مشرّف، قد لعب دوره في وجهة النظر حول تحوّل اليمن إلى دولة إقليمية جديدة.

وهنا ندخل في صلب الموضوع.

لنضع جانباً المشاعر والعواطف ونتحدث بلغة المصالح، ولغة المعطيات الواقعية وبالأرقام والتواريخ والوقائع. ودعونا نبدأ بأهمية الاعتراف بأن إيران و»حزب الله»، وحركة «حماس» والحشد الشعبي قد قاموا خلال مسيرة تطور مواقفهم وارتكبوا موبقات فكرية وسياسية كبيرة. إيران قامت بتصفية خصومها السياسيين الحقيقيين والمفترضين قبل أن تستقر أمورها الآن، قبل أن تنضج مؤسسة الدولة الإيرانية، قبل أن تتحول مؤسساتها إلى واقع مهما كان هذا الواقع خاصاً بل وربما فريداً من نوعه. و»حزب الله» نفسه، والذي تفرد في قضية التصدي للمشروع الإسرائيلي في لبنان، وقاتل كما لم يقاتل أحد من قبله دفاعاً عن وطنه، وعن جنوبه. ودفاعاً عن فلسطين. «حزب الله» هو نفسه قام في مرحلة معينة وفي بدايات تأسيسه بتصفية العشرات من الكوادر والقيادات اليسارية الشيعية على وجه التحديد والخصوص، وهذه المسألة بالذات لا يستطيع الحزب أن ينكرها كلياً أو يتنصل منها بالكامل مع كل ما نعرفه عن أطروحة الحزب. ولا يجدر بنا أن نغطي على أحد هنا. الحشد الشعبي نفسه آزر ودعم، وما زال بحدود معينة قوى وشخصيات فاسدة جاءت لحكم العراق على دبابات الاحتلال الأميركي، وقامت بعض الفصائل بالتنكيل المشين بالفلسطينيين في العراق بحجج واهية، وارتكبت بحق اللاجئين الفلسطينيين هناك أحط أنواع الممارسات القمعية. وحركة أمل نفسها قامت بأعمال مشينة ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان. وحركة «حماس» قامت بانقلاب ضد الشرعية الفلسطينية بصرف النظر عن أي ملاحظات على هذه الشرعية، وقامت بممارسات معيبة ضد كوادر «فتح» في خروج سافر على التقاليد الفلسطينية التي تجرّم مثل هذه الأعمال. وجماعة أنصار الله قاموا بانقلاب ما من بعض الزوايا والاعتبارات، ولم تكن بداية سيطرتهم على العاصمة كلها مكللة بالورود. هذا كله أولاً. هنا يجب أن نرى كيف تطور الإقليم، وكيف تعاملت كل هذه الأطراف مع هذه التطورات، وكيف تفاعلت معها.

كل هذه القوى ودون أي استثناء راجعت وتراجعت وطوّرت نفسها. وتكيفت مع معطيات الواقع وتطوراته. وقد بدأت إيران مسار التحول من الدولة الشيعية إلى الدولة القومية، وما زالت تسير بهذا الاتجاه، ولم تعد شيعية إيران عبئاً على تحوّلها باتجاه الدولة القومية، ولم تعد قومية الدولة الإيرانية عبئاً على أصولها، ولا على طابعها الشيعي لأنها دمجت بين الحالتين، أو هي في طريقها إلى ذلك في مواجهة المشروع المعادي لها، وبالتصدي له، وقامت ببناء مقومات القدرة على مواجهته، وبلغة المصالح فقد أسّست إيران تحالفاتها على هذا الأساس، وليس على أي أساس آخر. وتحولت حركة «حماس» من جماعة سياسية دينية إلى جماعة وطنية ولم يكن هذا التحول نحو الوطنية الفلسطينية على حساب فكرها أو أيديولوجيتها، واستطاعت أن تبني مشروعها الوطني الجديد في مواجهة الاحتلال بصرف النظر عن أي ملاحظات على سوء التقدير أو القفز عن بعض الموازين وعن بعض المراهنات. ونفس الأمر ينطبق على الحشد الشعبي، وهو الآن يطرح برنامجاً للسيادة الوطنية، والتحرر من الهيمنة الأميركية ويساند كل قوى مقاومة السيطرة الأميركية والإسرائيلية على الإقليم، ولا يختلف مسار «حزب الله» عن كامل هذا المسار، وكل هذه المسارات المتوازية تحتاج من كل كاتب ومثقف عربي وفلسطيني بحث هذا التحول وهذا المسار. وذلك انطلاقاً من اعتبارَين اثنين: الأول أن القوى المعادية لأطراف هذا المحور هي بالأساس أمام قوى الغرب الذي يعادي وينهب ويقتل كل شعوبنا، ويقوم بارتكاب المذابح بحق هذه الشعوب على مدى عشرات السنين، ويتوحش أكثر فأكثر في دمنا أو من قوى مساندة وداعمة لهذا الغرب، وعاجزة، وفاشلة في الحد من سطوته وهيمنته، وقد تكون غير راغبة في ذلك كله من الأساس. وهي لا تقدم أي نماذج بديلة على أي مستوى من أساليب الحكم أو إدارة الدولة والموارد، وهي غارقة في عوالم ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بأي مصالح وطنية أو قومية أو تنموية حقيقية، بل مظاهر تبديد الثروات والموارد، والحالة المزرية من الافتقاد إلى مقومات الوجود الآمن تنكشف يوماً بعد يوم، وبشكل مذهل ويدعو إلى الاستغراب.

وبلغة المصالح، أين تقع مصلحة كل وطني وقومي غيور وشريف؟ ما حصل في اليمن هو أنه قد تعرض لحرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس، وتم حصر جماعة أنصار الله في جغرافيا الشمال اليمني أو ما يقارب، وتم إرغام قواتها على التراجع بعد أن كانت قد حررت الجزء الأكبر من التراب الوطني، وشُنّت عليها مئات آلاف الغارات الجوية، وتم حصارها، وحُرمت من كل أنواع التزود بالغذاء والدواء، ومات الآلاف بسبب الحصار والإفقار والتجويع. ما هو الذنب؟ ولماذا؟ لا يجرؤ أي وطني وقومي أن يتنصل من الإجابة. من يعيبون على أنصار الله علاقتهم بإيران لا يعيبون على أنفسهم علاقتهم بالدولة الصهيونية ومشروعها، ولا علاقتهم بأميركا وهيمنتها، ومن يرون في انخراطها بالقتال إلى جانب إيران أو غزة أو لبنان هل يرون في الوقوف ضدها جنباً إلى جنب مع ترامب ونتنياهو أي بعد وطني أو قومي أو حتى ديني؟ وهل حقاً نحن أمام أدوات وأذرع أم نحن أمام محاور بين معسكرات تفترق مصالحها وتوجهاتها على قضايا وطنية وقومية، مصيرية ووجودية؟
صنعاء بنت قوتها بالنحت في صخر اليمن، وأعدّت نفسها لمنازلة تاريخية ضد المشروع الغربي المتحالف مع المشروع الصهيوني، وامتلكت شجاعة التصدي. منذ أن فشلت «عاصفة الحزم»، ومنذ أن فرّت البحرية الأميركية من البحار المحيطة باليمن، كان علينا أن نتوقع الذي جرى ويجب علينا أن نتوقع المزيد لأن صنعاء باتت تحدّد وتصوغ وتُعيد تشكيل الواقع الجديد في منطقة الخليج، وفي الإقليم العربي والإسلامي كله.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد