«نازا».. عندما يعترف المجرم
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: أكرم عطا الله

السياسة هي ابنة الواقع، وقليل من الخداع، لكن أن تنفصل عن الواقع يعني احتمالين: أولهما عمى الأيديولوجيا، وثانيهما الإصابة بمرض نفسي. وأظن أن إسرائيل تعاني من فرط المسألتين؛ وإلا لما مارست هذا العنف وتلك الوحشية، وادعاء البراءة معاً.

فالدولة التي ارتكبت إبادة جماعية لا تزال تقدم نفسها دولة سوية وضحية لشعب أعزل. وتلك معضلة يواجهها الشعب الفلسطيني، الذي وجد نفسه أمام هذا العقل الذي ورث لوثة الأسطورة، فتندهش إسرائيل لأن أحداً ما يتهمها بأنها دولة احتلال، وتندهش أكثر إذا ما وصفت بالدولة التي تقتل المدنيين.

لم يكن رد الفعل الهستيري الإسرائيلي على فيلم «نازا» سوى تجسيد للعقل المصاب بالجنون والانفصال عن واقع أغرقت فيه إسرائيل الفلسطينيين بالدم، رافضة الاعتراف بما حدث رغم الأرقام الهائلة للأطفال والنساء والعجائز، ورغم مجاعة صنعتها بكل ما تحمله من حقد تجاه الغزّيين. لم تقاتل حماس وحدها بل قتلت مجتمعًا كاملًا. ولا زالت تمعن في ملاحقته في الخيام، بل وأبعد، إذ يصرح وزراء عن تهجيره في أكثر عمليات التطهير العرقي وضوحًا.

الأحرف متشابهة. للوهلة الأولى كنت أعتقد أن اسم الفيلم «نازا» قريب من مصطلح «نازي»، لأن الفعل متشابه حد التطابق. لكن الاسم متخذ من اختصار يستخدمه الجيش الإسرائيلي للدلالة على المدنيين المتوقع قتلهم، بمن فيهم النساء والأطفال.

وفي هذا تشابه، لا يقل أيضا، للفعل الذي قام به النازي تجاه اليهود، وهو الفيلم الذي حطم الرقم القياسي في التصفيق وقوفا لمدة خمسة وعشرين دقيقة بلا توقف في مهرجان فينيسيا السينمائي. الأمر الذي جعل اسرائيل الدولة تشن حملة كبيرة ضد مخرجي الفيلم الإسرائيليين، الحائز على جائزة أوسكار يوفال أبراهام وراحيل تسور، اللذان أعلنا الخشية على حياتهما إذا ما عادا إلى إسرائيل التي توعد بسحب جنسيتهما.

وقد لا يعودان إلى إسرائيل أو يقدمان لجوءا سياسيا بعد التهديد العلني وتلك الحملة.

تكمن أزمة إسرائيل هذه المرة في أن الضحية ليست هي من تتحدث، كما جرى في مرات سابقة، ولا حتى شهود العيان، بل إن الشهادات تأتي على ألسنة من ارتكبوا الجريمة أنفسهم، في اعتراف مباشر من الجاني لا يترك مجالًا كبيرًا للشك.

فالفلسطيني دوما كاذبا والشهود من غير الفلسطينيين «لا ساميين» ويكرهون اليهود، لكن أن يعترف جندي وضابط يهودي بأنه ارتكب كل تلك الجرائم عن سبق إصرار وترصّد، وهو ما يتطابق مع وصف الإبادة الجماعية وطلب قادة إسرائيل للمحكمة الدولية، فالفيلم هو دلائل إدانة لا تقبل الشك، وحين يعترف المجرم بجريمته لا يبقى سوى النطق بالحكم.

فيلم «نازا» الذي أحدث كل هذا الصراخ في إسرائيل، وينافس على جائزة الأسد في المهرجان في إيطاليا، قائم على شهادة 24 جنديا وضابطا قاموا بقتل الفلسطينيين عن بُعد، قتلوا النساء والأطفال، وكشفوا عن التعليمات التي كانت تصدر، وآلية التنفيذ، وكيف كان يتم ارتكاب جريمة الإبادة في أكثر الشهادات وضوحاً وأشدها ثباتاً وإدانة.

وقال بنيامين نتنياهو، الذي تجنّد للهجوم على مخرجي الفيلم، إن الاتهامات دوما تأتي من الخارج لكن هذه المرة من الداخل، هو لم يصدق فإسرائيل كلها تجندت للقتل فكيف يحدث هذا؟.

بالنسبة لإسرائيل التي تجتاحها هستيريا «نازا» وأعلنت ما يشبه حالة طوارئ للمواجهة، تجند نتنياهو رئيس الوزراء، وزامير رئيس الأركان، وزوهر وزير الثقافة والصحافة والمجتم.

الجريمة ليست في القتل بحد ذاته، إذ يراهن جنود الجيش في مسابقات التسلية على قنص فلسطينيين. لكن الجريمة هي في الكشف عنها، وليس ارتكابها.

فإسرائيل تريد القيام بها ودفنها واستمرار الحديث عن «الجيش الأكثر أخلاقية» رغم أن الإبادة تمت في عصر الإنفلات الإعلامي والسوشيال ميديا والصورة البصرية التي لا يمكن أن تمر على طفل مبتور دون أن تهز الضمير للأبد.

سبق ذلك في استهداف إسرائيل للمدعية العسكرية، يفعات يروشالمي، التي لاحقتها دولة كاملة، ليس بسبب جريمة التعذيب والأغتصاب ضد الأسرى الفلسطينيين في سجن «سديه تيمان» - الذي سُجل كأكثر المعتقلات وحشية في العالم إلى جانب غوانتانامو، بل لأنه تم اتهامها بالوقوف خلف تسريب الجريمة ونشرها في وسائل الإعلام ومعرفة العالم عنها.

هذا هو معيار إسرائيل، فمعاييرها «لا أخلاقية» إلى هذا الحد وأكثر، فكيف يمكن للذاكرة البشرية أن تنسى ما فعلته من جرائم، أما الذاكرة الفلسطينية فستبقى معلقة على ما فعلته إسرائيل للأبد، فالوحشية كانت أكبر من يطويها التاريخ.

«نازا» عبارة عن شهادة موثقة تفرض دعمه بكل ما يمكن، بل وترويجه على أوسع نطاق وجعله جزء من مادة الدعاية الفلسطينية.

أما المخرجان بعد الهجوم الإسرائيلي الكاسح يحتاجان إلى الدعم المادي والمعنوي والإستضافة إذا لم يتمكنا من العودة، ولا ينبغي تركهما بعد هذا الجهد. فقد قدّما دليلًا يضاف إلى سلسلة الدلائل في ملف الجريمة لتسهيل محاكمة دولة قتلت بلا توقف وأبادت بلا خوف وجوّعت بلا قلق.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد