شبكة قدس الإخبارية - 9/16/2026 12:09:37 PM - GMT (+2 )
على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية إطارًا جامعًا للقوى السياسية والسلطات المحلية العربية، وحملت في محطات مختلفة قضايا وطنية ومجتمعية، ونظّمت احتجاجات وفعاليات، وحافظت على مساحة مشتركة بين مكونات المجتمع العربي. لكن مع تراكم التحولات السياسية والاجتماعية، وتصاعد التحديات التي تواجه المجتمع العربي، يبرز سؤال يتجاوز حدود تقييم موقف أو فعالية بعينها: هل ما زالت لجنة المتابعة تمثّل حاضنة فعلية للجماهير، أم أن دورها بات أقرب إلى إطار لتنسيق المواقف بين الأحزاب والحركات السياسية؟
تأسست لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل الفلسطيني عام 1982، كإطار وحدوي لمواجهة السياسات العنصرية تجاه المجتمع العربي، والحفاظ على نسيجه الوطني، وجمع الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة إلى جانب ممثلي السلطات المحلية العربية، بهدف توحيد الصوت الفلسطيني في الداخل.
وخلال مسيرتها، اضطلعت اللجنة بأدوار سياسية ووطنية متعددة، من تنظيم المظاهرات والاحتجاجات ضد السياسات العنصرية، ومنها قانون القومية وهدم البيوت، إلى تنظيم الفعاليات الرافضة للحرب على غزة. كما عملت على التنسيق بين القوى السياسية، رغم اختلاف توجهاتها، للحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة الوطنية، وأسهمت في إحياء المناسبات الوطنية، كجزء من صون الوعي والذاكرة، وفي مقدمتها يوم الأرض وهبة القدس والأقصى وإحياء ذكرى النكبة.
وانبثقت عن اللجنة عدد من اللجان الفرعية التي تناولت قضايا مجتمعية مختلفة، بينها لجنة التعليم، ولجنة الحريات، ولجنة إفشاء السلام.
غير أنّ تداعيات الحرب على غزة كشفت، إلى جانب حجم الضغوط التي تتعرض لها اللجنة، عن محدودية قُدرتها على العمل في ظل الظروف السياسية والأمنية المفروضة على المجتمع العربي. فقد قُيّدت حرية التظاهر، ومُنعت أو قُيّدت فعاليات احتجاجية في فترات مختلفة، ولم تُنظّم أول مظاهرة في الداخل إلا بعد نحو خمسة أشهر من اندلاع الحرب.
وامتدت التحديات إلى قضايا أخرى، من متابعة أوضاع المعتقلين وأسرى الداخل، إلى القيود التي طالت عمل اللجنة وفعالياتها. وبعد إعلان الحرب على غزة في أواخر عام 2023، ومع إعلان حالة الطوارئ في الداخل الفلسطينيّ تصاعدت القيود والملاحقات السياسية، في مشهد أعاد إلى الذاكرة لدى كثيرين ملامح من واقع الحكم العسكري، وصولًا لاحقًا إلى حظر لجنة إفشاء السلام التابعة للجنة المتابعة، وهو ما وضع اللجنة أمام اختبار حقيقي لقُدرتها على حماية المجتمع وتمثيله في مرحلة شديدة التعقيد.
لكنّ الضغوط الخارجيّة لا تفسّر وحدها السؤال حول حضور لجنة المتابعة ودورها. فهناك أيضًا عوامل داخلية تستحق النقاش، من بينها غلبة الحسابات الحزبية، والفجوة بين الخطاب وآليات العمل، وطريقة اختيار رئيس اللجنة، إلى جانب محدوديّة مشاركة قطاعات واسعة من المجتمع في صناعة القرار داخل هذا الإطار.
وهنا يُطرح السؤال التالي: هل تكفي لجنة المتابعة بصيغتها الحالية لتكون عنوانًا جامعًا للجماهير، أم أن بنيتها وآليات عملها تجعل دورها أقرب إلى التنسيق بين القوى السياسية؟ فالتنسيق الحزبي أحد أدوار اللجنة، لكنه لا يفترض أن يكون الدور الوحيد لجسم يحمل اسم "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية".
ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا في ظل التباين المتزايد حول قضايا سياسية مفصلية، كما حدث مؤخرًا مع الاستقطاب الحاد حول المشاركة في انتخابات الكنيست أو مقاطعتها. فهذا الخلاف، في جوهره، اختلاف في الرؤية والوسيلة والاجتهاد، لكنه يتحول أحيانًا إلى تراشقات سياسية وإعلامية تزيد من حالة الاستقطاب وتعمّق الفجوة بين مكونات المجتمع.
وهنا تكمن الحاجة إلى لجنة قادرة على إدارة الاختلاف لا إلغاءه، وفتح مساحة للحوار بين مختلف التيارات، ووضع قواعد للنقاش تمنع تحول التباين السياسي إلى خصومة داخلية أو تخوين متبادل. فوجود خلاف حول المشاركة في الكنيست أو مقاطعتها لا يعني غياب القواسم المشتركة، ولا ينبغي أن يحول دون العمل المشترك في القضايا الوطنية والمجتمعية التي تجمع أبناء المجتمع العربي.
ومن هذا المنطلق، فإنّ قوة لجنة المتابعة لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار البيانات أو تنظيم الفعاليات، وإنما أيضًا بقدرتها على جمع الأطراف المختلفة حول القضايا المشتركة، والحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة الوطنية في مجتمع تتعدد داخله الاجتهادات والخيارات السياسية.
ولذلك تكمن الحاجة إلى تطوير بُنيّة اللجنة نفسها، من خلال توسيع قاعدة تمثيلها لتشمل شرائح المجتمع المُختلفة، من أكاديميين وإعلاميين وعمال وفلاحين وشباب، وإتاحة المجال أمام الهيئات المهنية والأكاديمية والشبابية ومؤسسات المجتمع المدني والفعاليات المحلية للمشاركة في صناعة القرار الوطني، إلى جانب الأحزاب والحركات السياسية والسلطات المحلية.
ويأتي الانتخاب المباشر لرئاسة لجنة المتابعة، إلى جانب توسيع قاعدة الانتساب والمشاركة فيها، كأحد المقترحات التي يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين اللجنة والجمهور. فالانتخاب المباشر من شأنه أن يمنح اللجنة شرعية شعبية أوسع، ويجعلها أكثر ارتباطًا بالشارع الذي يفترض أن تمثله، ويتيح في الوقت ذاته حضورًا أكبر للتعددية السياسية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك أصوات الشباب والطاقات المستقلة.
وبهذا المعنى، فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط كيف تحافظ لجنة المتابعة على دورها كإطار يجمع الأحزاب والقوى السياسية، وإنما كيف تعزز حضورها كحاضنة للجماهير نفسها، قادرة على تمثيل تعددها، وإدارة اختلافاتها، وفتح مساحات مشتركة بينها، بما يجعلها أكثر اتصالًا بالمجتمع الذي يفترض أن تمثله، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات التي تتجاوز الحسابات الحزبية والسياسية الضيقة.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


