من الخيمة إلى المستوطنة: لماذا لا يمكن التعامل مع بؤرة مجد الكروم كحدث عابر؟
شبكة قدس الإخبارية -

ما يحدث اليوم في مجد الكروم ليس حدثًا معزولًا، ولا سياقًا طارئًا أو جديدًا على شعبنا الفلسطيني الذي لا يزال يتظلى من النكبة وتبعاتها، بل هو استمرار لنمط متجذر من هندسة الفضاء والسيطرة على المجال. إن المتغير الوحيد اليوم يكمن في هوية الجهة التي تقف خلف محاولة إقامة هذه البؤرة، والمتمثلة في تيار الصهيونية الدينية، ولا سيما مجموعات «فتية التلال». تستند هذه الحركة إلى الأيديولوجيا التي غرسها الحاخام تسفي يهودا كوك (المعروف اختصارًا بمدرسة كوك الفكرية) للمزج بين البعد الديني والمشروع الصهيوني، وواصل نهجه حاخامات بارزون، في مقدمتهم حاييم دروكمان.
لقد مر مجتمعنا بمحطات مشابهة تشهد على هذه الجدلية التاريخية؛ من مصادرة أراضي «المل» في سخنين (يوم الأرض 1976)، مرورًا بأراضي الروحة في أم الفحم (1998)، والمنصورة في الدالية وعسفيا (2006)، وصولًا إلى أرض الزبود في بيت جن (1987). وبمراجعة أدبيات المؤتمر الصهيوني الأول في بازل، يظهر البند الأول مكرسًا للاستيطان والتوطين؛ حيث توزعت الأدوار تاريخيًا بين الصهيونية العمالية التي تولت الاستيطان بشقيه الناعم والخشن في أراضي عام 1948، والصهيونية الدينية التي أُنيطت بها السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة.
ولا تقتصر أدوات السيطرة على إنشاء البؤر والمستوطنات، بل تمتد أيضًا إلى مشاريع البنية التحتية وشبكات المواصلات التي تعيد تشكيل الجغرافيا بما يخدم أهدافًا بعيدة المدى.
في شقٍّ من مقطع شارع «عابر إسرائيل»، والذي يمر من أراضٍ خاصة تعود ملكيتها لمواطنين عرب، تنبّه أحد المهندسين من بلدة جلجولية إلى مخطط الشارع الذي كان من المفروض أن يمر غربي القرية ويلتهم معظم أراضي القرية، فقدم مخططًا بديلًا يمر شرقي البلدة دون المساس بنفوذها. وقدم أيضًا مخططًا أنقذ 30% من أراضي بلدتي باقة الغربية وجت.
إذن، فمشروع الاستيطان والاحتلال والإحلال ليس بجديد، ولا يسير بخط مستقيم، بل يتمدد بوتيرة متغيرة؛ تغافلنا حينًا وتشتد حينًا آخر. فالهدم المستمر في النقب والمثلث والجليل، وتقييد البناء والترميم في المدن الساحلية، هي مظاهر متعددة لجوهر استيطاني واحد.
تعلّمنا التجربة التاريخية أن المشاريع الاستيطانية لا تبدأ بمدن متكاملة، بل تبدأ بفعل بسيط يُراد منه وضع اليد؛ تبدأ بخيمة أو كرفان أو مزرعة فردية. وهنا تتجلى خدعة «وهم المؤقت»؛ إذ يُقدّم الفعل الاستيطاني في بدايته بوصفه نقطة عابرة، أو موقعًا أمنيًا أو زراعيًا، لامتصاص غضب الوعي الجمعي، قبل أن يُمدّ بالبنية التحتية ليتحول بالتدريج إلى أمر واقع دائم. كما أن استخدام مسميات مثل «المنفعة العامة» أو «المشاريع التطويرية» يمثل عملية تزييف معيارية للغة تهدف إلى تجريد الفعل من خطورته البنيوية وتقليص المجال الحيوي لأصحاب الأرض الأصليين.
إن خطورة أي بؤرة لا تُقاس بمساحتها الراهنة، بل بما تُضمره من إمكانية التمدد المستقبلي إذا لم تُواجه بوعي شعبي وقانوني وإعلامي متكامل. وتؤكد البيانات الحديثة هذا المسار المتدرج؛ حيث شهد عام 2025 وحده إقامة 86 بؤرة جديدة – بمعدل يفوق بؤرة أسبوعيًا – إلى جانب المصادقة على عشرات المستوطنات وتوسيع المخططات الهيكلية.
يمكن قراءة ما يجري بوصفه امتدادًا لبعض التكتيكات التي استُخدمت سابقًا في الضفة الغربية ونقلها إلى الجليل والمثلث والنقب تحت عناوين متعددة، بينما تظل الغاية واحدة: تكريس السيطرة على الحيز المكاني. والسؤال المفصلي ليس: ماذا يوجد في هذه البؤرة الآن؟ بل: ماذا سنملك أن نقول غدًا إذا تحولت الخيمة إلى حي، والحي إلى مستوطنة، بينما اكتفينا بنظرة المراقب؟
إننا أمام مشروع له جذور فكرية وأهداف استراتيجية ومخططات إحلالية، وليس أمام «مجموعة صبيان نصبوا خيمة في عطلة»، حتى وإن تعاظمت حدته في أعقاب حرب الإبادة على غزة. إن سلاح الهيمنة يبدأ بالتسمية وتسطيح الواقع، وحماية الأرض في مجد الكروم ليست مجرد دفاع عن أمتار من التراب، بل هي نضال أنطولوجي لإثبات الوجود والتشبث بالهوية. لقد أثبت تاريخنا قدرتنا على النجاح في مجابهة آلة الإحلال.
واستعادة روح الميدان والشارع هي الخطوة الأولى والأساسية قبل قاعات المحاكم والبرلمانات.