شبكة راية الإعلامية - 9/16/2026 9:35:27 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. عدنان ملحم
ليس الهدف من هذا النص تخويف الناس، ولا التنبؤ بما سيحدث ، وإنما طرح أسئلة صعبة ينبغي أن تكون على طاولة النظام السياسي والوطني والاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني ، في ظل المخططات والتصريحات والأفكار اليمينية الإسرائيلية المتطرفة .
لنتخيل ، لا أكثر ، أن السيناريو الأسوأ بدأ يتدحرج :
المشهد الأول :
يُطلب من جميع القرى والبلدات والتجمعات العربية في مناطق (C) ، والمحاذية للمستوطنات والمزارع اليهودية في الضفة الغربية ، مغادرتها خلال 48 ساعة ، بحجة الحفاظ على الأمن العام وسلامة السكان .
المشهد الثاني :
يُطلب من جميع سكان مخيمات الضفة الغربية مغادرتها ، بحجة اجتثاث " منابت الإرهاب "، وإعادة تشكيل جغرافيا المكان وديموغرافيته ، ويمنح السكان المعنيون 24 ساعة لتنفيذ القرار . وفي الصورة ، مشاهد حية من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ، وتجمعات الأغوار بكل مسمياتها .
المشهد الثالث :
يُطلب من جميع مكونات المؤسسة الأمنية الفلسطينية تسليم أسلحتها ، بشتى أصنافها ، إلى قوات الجيش الإسرائيلي ، ومغادرة مقراتها إلى بيوتها .
المشهد الرابع :
حشر السكان الفلسطينيين في مناطق (A) و(B)، وتفريغ مناطق (C)، وإغلاق البوابات والحواجز ، وقطع المحروقات والكهرباء والماء عن السكان .
المشهد الخامس :
سفن عملاقة تُجهز على شواطئ قطاع غزة ، وباصات تنتظر في مراكز مدن الضفة الغربية لنقل الناس إلى الحدود الشرقية لفلسطين ، وطائرات جاهزة في مطار رامون .
المشهد السادس :
طوابير من الفلسطينيين ، بحقائبهم ، تتجه إلى مطارات العالم؛ ليس لأن أحدا أجبرهم على الرحيل ، وإنما لأن الظروف التي فُرضت عليهم من حصار وتجويع وتضييق وانهيار اقتصادي وأمني جعلت الرحيل يبدو خيارا ممكنا ، وربما وحيدا ، للبحث عن حياة أكثر أمنا واستقرارا . وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: متى يكون الرحيل طوعيا حقا، ومتى يصبح نتيجة لظروف صُنعت كي تدفع الناس إلى الرحيل؟ .
قد تبدو هذه السيناريوهات خيالية، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل ستحدث كلها؟ بل: ماذا لو بدأ تنفيذ واحد منها ؟ .
ما الذي سيفعله المواطنون؟ وما خطط الكيانات السياسية والوطنية والاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية ؟ هل توجد رؤية واضحة للحركة الجماهيرية الشعبية في مثل هذه الظروف؟ هل هناك مجلس طوارئ وكوارث أعلى في العاصمة السياسية المؤقتة ، رام الله ، وفي مراكز المحافظات ؟ وهل توجد خطط للتعامل مع الغذاء والماء والدواء والطاقة والمواصلات والإيواء ، إذا تحولت الأزمة إلى واقع؟.
في عام 1948، خرج الفلسطينيون من بيوتهم تحت وطأة الحرب، وتركوا ملابسهم، وطنـاجر طعامهم، وحيواناتهم، وشوالات قمحهم ، على أمل العودة بعد أيام قليلة . وكانت الزعامات الوطنية تقيم خارج فلسطين ، مشغولة بالصراع على مناصبها ونفوذ عائلاتها ومصالح أحزابها ، ولا أحد بجوار الشعب الفلسطيني العظيم ، التائه والمنهك والمشتت الأركان .
نعرف جميعا أن تجربة النكبة والنكسة لن تمر كما مرت في السابق ، وأن الفلسطيني متمسك بأرضه ، ولن يرحل عنها مهما كان الثمن ، وسيموت ويدفن فيها مهما كانت الظروف . لكن ما جرى من تهجير لمخيمات شمال الضفة الغربية ، وما جرى من تهجير في تجمعات الأغوار ، يقلقني كمؤرخ ؛ فالتاريخ علمنا أن تفريغ المكان من سكانه قد يكون أخطر من السيطرة على المكان نفسه .
المشكلة ليست في أن نؤمن بذلك فقط، بل في أن نعد الخطط والسيناريوهات التي تعزز كل أشكال الصمود والثبات والوحدة .
فالأوطان لا تحميها الأمنيات وحدها ، ولا تكفيها الخطابات حين يبدأ الخطر .
ملاحظة مهمة: هذا النص ليس تنبؤا بالمستقبل ، ولا دعوة إلى الخوف ، وإنما محاولة لفتح نقاش فلسطيني جاد حول السؤال الذي قد يكون تأجيله أخطر من طرحه: ماذا لو حدث ذلك ؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


