الموت الصامت يتربص بالآمنين في منازلهم المهترئة
وكالة سوا الاخبارية -
2026/09/17

ما زال قطاع غزة يكتب فصولاً دامية من المعاناة اليومية، حيث تتكرر المأساة ذاتها بصور أكثر قسوة وبطشاً؛ فلم يعد القصف المباشر وحدَهُ هو الجاني الأوحد الذي يزهق الأرواح، بل انضم إليه "الموت الصامت" المتمثل في انهيار ما تبقى من مبانٍ متصدعة وآيلة للسقوط فوق رؤوس ساكنيها. بالأمس القريب، دُفنت عائلات كاملة، أطفال ونساء وشيوخ، تحت ركام منازلهم التي لم تحتمل استمرار القصف في المناطق المجاورة ولا الاهتزازات المتكررة، ليتحول مأواهم الأخير إلى قبور جماعية تُشطب من السجل المدني وكأنها لم تكن يوماً جزءاً من هذه الحياة.

وأمام هذا النزيف المستمر، تلوذ المؤسسات الدولية والجهات المسؤولة بصمت مريب يشبه التواطؤ، مكتفية بإحصاء الضحايا وتوزيع التقارير الباردة دون أن تحرك ساكناً لحماية الأرواح. فأين هي خطط الطوارئ الفعّالة للمؤسسات الدولية التي تدار بمعرفة المنظومة الأممية ومجلس السلام؟ إن ترك العائلات تواجه مصيرها وحدها بين خيارين أحلاهما مرّ؛ إما البقاء في منازل مهترئة تهدد حياتهم في أي لحظة، أو العراء الكامل في ظل شتاء قارس؛ هو جريمة موصوفة تدفع الناس نحو الموت ببطء.

إن كل يوم يمر على أهلنا الموجوعين يثبت مرارة الظروف وعمق القهر الذي يتعرض له المدنيون، مما يفرض علينا جميعاً واجباً إنسانياً وأخلاقياً للتحرك الفوري لحماية ما تبقى من آدميتهم ورفع الظلم الجاثم على صدورهم. وإن إنقاذ ما يمكن إنقاذه لا يتحقق بالبيانات الإنشائية، بل بوضع رؤية عملية وعاجلة تبدأ فوراً بإيجاد بدائل مستدامة للمنازل المدمرة، وتوفير مساحات آمنة ومراكز إيواء كريمة ترفع عن شواهد النزوح قسوتها، مع ضرورة إطلاق لجان رصد مجتمعية وأحياء تُمكّن المواطنين من التبليغ السريع عن أي مبنى خطير قبل وقوع الكارثة.

إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الملحة لفرض إجراءات رادعة وتجريم كل من يساهم في دفع الناس نحو تلك الأماكن المهددة للحياة؛ سواء عبر استغلال حاجتهم بطردهم تعسفياً من المخيمات والأراضي، أو قيام بعض النفوس الضعيفة والجشعة برفع قيمة الإيجارات للمنازل بشكل جنوني أو بتأجير منازل مهددة بالسقوط أمام حاجة الناس الملحة ومع اقتراب موسم المطر والرعد، وهو تهديد مباشر بتكرار مشاهد الموت تحت الركام بفعل الجشع واستغلال الحاجة.

إن الدم الذي ينزف اليوم تحت الأنقاض هو مسؤولية أخلاقية وتاريخية تقع على عاتق الجميع، وفي مقدمتهم المؤسسات الدولية والبلديات ووزارات الأشغال والتنمية وغيرها، ولن نقبل بأن يترك الإنسان الغزي وحيداً يصارع الموت بين قصف عدو وجشع قريب؛ ولذا نطلقها صرخة مدوية، لا تدفعوا الناس نحو الموت بقلة البدائل وارتفاع الأسعار وغياب الرقابة، وافرضوا محاسبة صارمة لكل من يتاجر بأرواح المعذبين، فكل دقيقة تأخير من قبل العاجزين والساكتين تُترجم إلى أرواح تُفقد وعائلات تُباد بالكامل قبل أن يرتد إلينا طرفنا، ويجب إقامة مخيمات مناسبة ويجمع فيها كل المقيمين في منازل مهددة بالسقوط وتلبية احتياجاتهم فوراً، والتحرك العاجل قبل فوات الأوان...

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد