شبكة قدس الإخبارية - 9/17/2026 2:12:20 PM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: لم تبدأ علاقة «الحركة الزراعية في لبنان» بالجنوب اللبناني مع العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد سبقتها سنوات من العمل مع مزارعين في قرى حدودية، على أراضٍ لا تزال تحمل آثار الاحتلال والحروب التي شنتها دولة الاحتلال سابقًا، بما خلفته من ألغام وذخائر غير منفجرة، جعلت الوصول إلى بعض الأراضي الزراعية والعودة إلى استخدامها أكثر تعقيدًا.
غير أن الحرب الأخيرة أعادت طرح القضايا التي تأسست عليها الحركة في سياق أكثر صعوبة وإلحاحًا. فمع استهداف الأراضي الزراعية، ونزوح المزارعين، وتعذر الوصول إلى الحقول في مناطق من الجنوب، لم تعد الخسارة تُقاس بمحصول ضائع أو موسم متعثر فحسب، بل بقدرة المزارع على البقاء في أرضه والاستمرار في الإنتاج. وهنا تبرز الأسئلة التي تضعها الحركة في صلب عملها: ماذا تعني السيادة على الغذاء حين يُهجّر المزارع من أرضه؟ وكيف يمكن الحفاظ على البذور المحلية إذا انقطعت صلتها بالحقول التي تُزرع فيها؟ وماذا يبقى من قدرة مجتمع على إنتاج غذائه حين تصبح الأرض والمياه والبذور ومقومات الإنتاج نفسها عرضة للاستهداف؟
من هذه الزاوية، تُعرّف سارة سلوم الحركة التي ترأسها وكانت من بين مؤسساتها. سلوم، التي تفضل أن تُعرّف نفسها بأنها «فلاحة»، تصف «الحركة الزراعية» بأنها «مجموعة سياسية زراعية»، لا جمعيةً بيئيةً ولا مشروعًا تقنيًا لتحسين الإنتاج.
فالزراعة، وفق هذا التصور، ليست قطاعًا منفصلًا عن السياسة، بل مدخل إلى أسئلة تتعلق بمن يملك الموارد ويتحكم بها، وبعلاقة المزارع بالأرض والمياه والبذور، وبالسياسات التي تحدد ماذا يُزرع ولمن، ومدى قدرة المجتمع على إنتاج غذائه بدل الارتهان للاستيراد ومنطق السوق.
وتزداد هذه الرؤية وضوحًا في الجنوب اللبناني، حيث وضعت الحرب الإسرائيلية علاقة المزارع بأرضه وإنتاجه أمام تحديات تتجاوز الخسارة الاقتصادية المباشرة. في هذا الحوار، تتحدث سلوم عن نشأة الحركة ومفهومها للسيادة على الغذاء، وعن البذور البلدية والعمل مع المزارعين، وصولًا إلى تجربة الحركة في الجنوب قبل الحرب وخلالها، ومحاولات استعادة الإنتاج الزراعي في القرى المتضررة.
وفي قراءة الحركة، لا تنفصل هذه المسارات بعضها عن بعض؛ فالبذرة ليست منفصلة عن الأرض، والأرض ليست منفصلة عن المياه، والقدرة على إنتاج الغذاء ليست منفصلة عن الحرب والسيطرة على الموارد. وهي العلاقة التي تختصرها سلوم، في حديثها عن الحرب الإسرائيلية على لبنان، بعبارة: «هي حرب أرض ومي وبذور. كل شي».
«الحركة الزراعية».. مجموعة سياسية زراعيةتعرفون «الحركة الزراعية» بوصفها حركة سياسية زراعية، لا مجرد مجموعة تعمل في الزراعة أو البيئة. أين تكمن السياسة في عملكم الزراعي، وكيف تشكل هذا التوجه منذ البداية؟
نحن أصلًا لم ندخل إلى الزراعة لأننا فقط نحب أن نزرع. «الحركة الزراعية»، إذا أردتِ توصيفها، هي مجموعة سياسية زراعية، وليست مجموعة زراعية أو بيئية. نحن نزرع طبعًا، ونعمل على البذور البلدية، لكن هدفنا الأساسي هو العدالة في المنظومة الغذائية؛ أي ألا تكون الموارد الطبيعية وعرق الناس وجهدهم عرضةً للاستغلال.
ومن هنا تهمنا مسألة الموارد ومن يسيطر عليها، سواء كان رأس المال الكبير أو العدو، الذي هو بالنسبة إلينا الكيان الصهيوني. ونحن نتابع ما جرى لبنوك البذور في فلسطين والعراق وسوريا، ولذلك ننظر إلى البذور باعتبارها قضية تتجاوز الزراعة بمعناها المباشر. «البذور هي أمن قومي، والمياه هي أمن قومي، والأرض كمان». وبالنسبة إلينا، هناك عدو داخلي يتماهى مع رأس المال المتوحش، وهناك العدو الخارجي.
هذا التوجه بدأ يتبلور عمليًا منذ عام 2016 تقريبًا، عندما بدأنا نرى مشكلة ديون المزارعين وهشاشة القطاع الزراعي، وحجم الظلم الذي يعانيه المزارعون، فضلًا عما يعانيه العاملون لديهم من ظلم أكبر.
ومن هناك وصلنا إلى مسألة البذور، وإلى الاعتماد على البذور المهجنة، وبدأنا نفكر في هذه القضية ونتواصل مع مجموعات وتجارب أخرى، من بينها تجارب فلسطينية. ومع تطور هذا المسار، أعلنا عن أنفسنا، قرابة عام 2018، باسم «الحركة الزراعية».
تضعون «السيادة على الغذاء» في صلب عمل الحركة، وتصفينها بأنها مفهوم سياسي. ما الفرق بينها وبين «الأمن الغذائي» بالنسبة إليكم؟
المنطلق الأساسي في عملنا هو السيادة على الغذاء، وهي بالنسبة إلينا مفهوم سياسي. هناك فرق بينها وبين الأمن الغذائي، فالأمن الغذائي يمكن أن يعني أن تحصلي على «الكرتونة»، وأن تحدد الدول غذاءك وعدد السعرات التي تحتاجين إليها.
أما في السيادة على الغذاء، فأنت تأكلين من أرضك ومن إنتاجك، وتكون هناك خطط وسياسات تحميك، بدل أن تتحولي إلى «حديقة خلفية» تنتج للخارج.
وهذا ما نراه في النموذج الزراعي الموجود لدينا: جزء من إنتاجنا الجيد، مثل الأفوكادو وغيره، يذهب إلى التصدير، فيما تُستخدم أراضٍ خصبة تتوفر فيها المياه لإنتاج غذاء موجه إلى الخارج. وفي المقابل، نستورد جزءًا من الغذاء الذي نستهلكه.
خذي الفول مثلًا؛ نحن «بلاد الفول»، ومع ذلك نستورد الفول من الخارج. بالنسبة إلينا، هنا يظهر الفرق بين أن يكون الغذاء متوفرًا، وبين أن تكون لدينا سيادة فعلية على غذائنا وإنتاجنا.
تحتل البذور البلدية مساحةً أساسيةً في عمل الحركة. كيف بدأتم العمل عليها، ولماذا تصرون على إكثارها مع المزارعين بدل الاكتفاء بحفظها؟
في البداية، بدأنا نبحث عن البذور البلدية لدى المزارعين أنفسهم. كنا نجول في القرى ونسأل عنها، واكتشفنا أن المزارعين الذين ما زالوا يعملون بهذه البذور أصبحوا قلةً.
فبدأنا نأخذ منهم البذور البلدية ونكثرها، وكان لدينا أيضًا إنتاج محدود من المزرعة التجريبية. ومن هناك بدأنا نعقد لقاءات مع المزارعين، ونوزع عليهم البذور، ونعمل على إكثارها معهم.
لم نضع شروطًا على المزارعين الذين يحصلون على البذور. نقول للمزارع: إذا استطعت في الموسم التالي أن تعيد لنا الكمية نفسها التي أخذتها، كان بها، وإذا لم تستطع فلا مشكلة.
فإذا كان لدينا، مثلًا، عشرون كيلوغرامًا من الحمص، نعطيها لمزارع، وإذا نجح موسمه وتمكن في السنة التالية من إعادة الكمية، نأخذها ونعطيها لمزارع آخر. بهذه الطريقة تستمر البذور في الانتقال والتكاثر بين المزارعين، بدل أن تبقى محصورةً في مكان واحد.
نحن نؤمن بأنه لا يمكن جمع البذور ووضعها في خزانة أو براد والاكتفاء بذلك. «البذور هي بدها تعيش كل سنة»، يجب أن تبقى حيةً، وأن تُزرع من سنة إلى أخرى، حتى تحفظ في ذاكرتها التغيرات التي تمر بها، والحشرات والظروف المحيطة بها.
لذلك، بالنسبة إلينا، الحفاظ على البذور لا يعني تخزينها فقط، بل إبقاءها في دورة الزراعة والإكثار مع المزارعين أنفسهم.
عملكم في الجنوب سبق الحرب الإسرائيلية الأخيرة. ماذا كانت طبيعة عملكم في القرى الحدودية، وتحديدًا في البستان، قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023؟
في عام 2023، عملنا لنحو أربعة أشهر في بلدة البستان الحدودية، ضمن عمل مرتبط بملف الأراضي التي تأثرت بالألغام ومخلفات الحروب الإسرائيلية السابقة. وكان بعض المزارعين يحدثوننا عن مخاوف من وجود ألغام في أراضيهم.
البستان منطقة حدودية كانت محتلة سابقًا، وهي من المناطق الفقيرة. ولم يكن عملنا في هذا الملف محصورًا في البستان؛ كنا نعمل في مناطق أخرى أيضًا، بينها بلدتان في جبل لبنان.
وتضع تجربة البستان جانبًا من أثر الاحتلال والحروب التي شنتها دولة الاحتلال سابقًا على الأرض في الجنوب أمام صورة الحرب الأخيرة. فقبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان مزارعون في مناطق حدودية يتعاملون أصلًا مع آثار متراكمة في الأرض، ومن بينها إرث الألغام. ومع الحرب الأخيرة، اتسع الضرر الذي أصاب القطاع الزراعي، بالتوازي مع النزوح وتعطل الإنتاج وصعوبة الوصول إلى الحقول.
وتظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» ووزارة الزراعة اللبنانية حجم هذه الضربة. ففي تقييم أجرته «الفاو» بالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، لآثار الحرب بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، قُدّرت الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي بنحو 118 مليون دولار، فيما بلغت الخسائر نحو 586 مليون دولار، وكان جنوب لبنان ووادي البقاع المنطقتين الأكثر تضررًا[2].
مع بداية الحرب الإسرائيلية، اتجهتم إلى مطالبة المزارعين بزيادة الزراعة وتوسيع المساحات المزروعة. ما الذي دفعكم إلى ذلك في وقت أصبحت فيه الزراعة نفسها أكثر صعوبةً وخطورةً؟
منذ بداية الحرب، بدأنا نقول للمزارعين: ازرعوا أكثر. وبعد ما رأيناه في غزة، ازداد إصرارنا على ذلك، طلبنا من المزارعين زيادة الزراعة، وبدأنا نفكر في إيجاد أراضٍ إضافية يمكن زراعتها.
كنا نحاول توسيع المساحات المزروعة قدر الإمكان، ونشجع المزارعين على زراعة ما يستطيعون زراعته. بالنسبة إلينا، كان ما يحدث في غزة سببًا إضافيًا للدفع باتجاه زيادة الزراعة والحفاظ على الإنتاج قدر الإمكان.
لكن الدعوة إلى زيادة الزراعة اصطدمت بواقع آخر: مزارعون ومزارعات أُجبروا على النزوح وترك أراضيهم. كيف حاولتم الحفاظ على الإنتاج في ظل هذا الواقع؟
عندما نزح المزارعون، حاولنا أن نلحق بهم إلى الأماكن التي نزحوا إليها. في صور، مثلًا، كانت هناك مزارعات نازحات يقمن في المدارس، وكان الغذاء يصل إليهن من بيروت.
بدأنا نبحث في كيفية العمل معهن هناك، ومن خلال التواصل مع اتحاد البلديات وصلنا إلى أرض بدأنا العمل عليها مع المزارعات النازحات. زُرعت الأرض في يوليو/تموز 2024، وما زالت هذه المساحة بالنسبة إلينا «نقطة صمود» تُنتج فيها بذور بلدية.
وخلال الحرب، حاولنا أيضًا دعم المزارعين من خلال شراء منتجاتهم، خصوصًا مع محدودية المساعدات التي كانت تصل. وللمرة الأولى بدأنا نجمع تبرعات ونرسلها إلى الصامدين في الجنوب، ومن بينهم المزارعون.
مع استمرار الحرب والاستهداف الإسرائيلي للجنوب، بدأتم تطرحون أيضًا سؤال ما يمكن أن تتركه الحرب في الأرض نفسها. كيف تعاملتم مع هذا الجانب؟
عندما بدأ استخدام الفوسفور الأبيض في الجنوب، توجهنا إلى الجامعة الأميركية في بيروت وطرحنا المسألة: ماذا يمكن أن نفعل؟
كنا نرى ضرورة وجود إطار منظم يسمح بأخذ عينات من المناطق المتضررة وفحصها بصورة رسمية، لأننا كنا نتعامل مع ما نعتبره مشكلةً حقيقيةً يمكن أن تترك مخلفات. حاولنا الدفع في هذا الاتجاه، لكننا لم ننجح في الوصول إلى إطار يسمح بإجراء هذا العمل كما كنا نريد.
وفي موازاة ذلك، نعمل على التربة نفسها، من خلال تجهيز مخصبات وتوزيعها على المزارعين، وعلى حلول تعتمد على الكائنات الحية الدقيقة، بحيث يكون لدى المزارعين بديل من المواد الكيميائية.
في ظل استمرار الحرب، ومع بدء مسار العودة إلى القرى المتضررة في الجنوب خلال وقف إطلاق النار، أطلقتم «للأرض... للجنوب: حملة لدعم الصمود». كيف تعاملتم مع إعادة الزراعة، وما الذي حدد خياراتكم لما يُزرع؟
عندما بدأنا العمل في «للأرض... للجنوب: حملة لدعم الصمود»، كان أحد الأسئلة بالنسبة إلينا: ماذا نزرع في الجنوب؟
لم يكن العمل بالنسبة إلينا مجرد توزيع غراس على المزارعين، كنا نفكر أيضًا في ما نزرعه، ونتحدث مع المزارعين عن الزراعة والسياسات والأرض. ومن هنا كان اختيار الزيتون أساسيًا بالنسبة إلينا.
الزيتون بالنسبة إلينا «شجرة المستقبل فعليًا». هو شجر بعلي، وهذه مسألة مهمة جدًا مع التغير المناخي، وله أيضًا عائد اقتصادي، فضلًا عن ارتباطه القديم بالمنطقة. لذلك كان الزيتون جزءًا أساسيًا من عملنا في الجنوب، وبدأنا بتوزيعه وزراعته مع المزارعين.
وطريقة عملنا ليست أن نعطي المزارع الغرسة ونمشي. نحن ننزل إلى الأرض ونزرع مع المزارعين، ونجلس معهم ونتحدث معهم. هذا بالنسبة إلينا جزء من العمل نفسه، لأن علاقتنا بالمزارع لا تقتصر على تقديم شيء له، بل تقوم على العمل معه في أرضه.
في موازاة العمل الميداني في الجنوب، طرحتم أيضًا «الزراعة كمقاومة». ماذا تقصدون بهذا الطرح، ولماذا اكتسب أهميةً أكبر خلال الحرب؟
«الزراعة كمقاومة» مبنية على دراسة عملنا عليها سابقًا، ثم وضعناها في إطار مبسط بثلاث لغات. الفكرة الأساسية بالنسبة إلينا هي أن الناس يجب أن تزرع.
ما رأيناه في غزة جعل هذا الأمر أكثر إلحاحًا، لا نريد أن يحدث لنا ما حدث في غزة، ولذلك أصبح استمرار الناس في الزراعة بالنسبة إلينا مسألةً أساسيةً.
نحن في لبنان نعتمد بصورة كبيرة على استيراد غذائنا، وفي الوقت نفسه نعيش غلاءً كبيرًا وتراجعًا في القدرة الشرائية. لذلك يجب أن يزرع الناس، وألا يصبح تأمين الغذاء قائمًا على الاستيراد والمساعدات وحدها.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


