شبكة قدس الإخبارية - 9/17/2026 10:12:21 PM - GMT (+2 )
أثارت محاولة مستوطنين إقامة بؤرة استيطانية في منطقة "الروس"، الواقعة ضمن منطقة نفوذ المجلس المحلي في مجد الكروم، اهتماماً واسعاً في الإعلامين العربي والعبري. وقد دَفعت هذه المحاولة العديد من سكان القرية، بالتنسيق مع المجلس المحلي، واللجنة الشعبية، وأصحاب الأراضي، ولاحقاً بالتنسيق مع لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، والنواب العرب، ولجنة المتابعة العليا، إلى إطلاق حراك جماهيري واسع من النشاطات والفعاليات الاحتجاجية الرافضة لهذا التعدي.
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة ليس فقط بسبب الاعتداء المحتمل على ملكية الأراضي الخاصة، بل لما تحمله من دلالات سياسية واستيطانية أوسع. فهذه المحاولة تأتي في سياق مشروع يرى في الأرض عنصراً مركزياً في الصراع على المكان والحيز وفق معادلة (أرض أكثر، عرب أقل). وترافق ذلك توجهات لدى أوساط في اليمين المتطرف الإسرائيلي تسعى إلى توسيع منطق الاستيطان إلى مناطق مختلفة داخل البلاد، بما فيها الجليل والنقب.
وفي هذا السياق، تبرز سياسات ومشاريع اليمين الاستيطاني، ولا سيما التيار المرتبط بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش ("ثورة الاستيطان")، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وما يرافقها من دعم سياسي من رئيس الحكومة وحزبه، في محاولة لنقل أنماط من السيطرة على الأرض عرفتها الضفة الغربية إلى الداخل.
تفاصيل المحاولة: سيناريو السيطرة التدريجية
تُشير المعطيات المتداولة حول القضية إلى أن الصندوق القومي لإسرائيل ("كيرن كييمت ليسرائيل" - كايل) كان قد أجَّر جزءاً من الأرض لأحد سكان المجلس الإقليمي "مسغاف" بهدف استخدامها لرعاية المواشي. غير أن الأرض لم تُستخدم لهذا الغرض، بل وُضعت تحت تصرف مجموعة من المستوطنين ("شباب التلال") القادمين من مستوطنة "تكواع" في الضفة الغربية.
بدأ هؤلاء بالحضور إلى المكان قبل عدة أسابيع، ونصبوا خياماً كبيرة، ووصلوها بالكهرباء، وأدخلوا ثلاجات وأفراناً وأنابيب غاز، كما رفعوا علماً إسرائيلياً كبيراً، في خطوة لتثبيت وجود دائم وإقامة بؤرة استيطانية جديدة. ورداً على ذلك، قاد سكان مجد الكروم والقيادات المحلية والقطرية حراكاً شعبياً للتصدي لها. وتعد منطقة "الروس" منطقة زراعية تعود ملكية أجزاء منها لسكان البلدة، وتكمن خطورة هذه الخطوة في أنها قد تشكل سابقة جديدة في منطقة شهدت عقوداً من مصادرة الأراضي وسياسات "تهويد الجليل".
بين القانون الدولي والواقع الإسرائيلي
من المهم التمييز قانونياً بين وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 والداخل:
القانون الدولي الإنساني: تحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على دولة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري (19 يوليو 2024) أن نقل المستوطنين إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية غير قانوني، وهو ما أكده أيضاً قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016.
الإطار القانوني في الداخل: يختلف الوضع القانوني في الداخل عن الضفة؛ إذ يعتمد الاعتراض على إقامة البؤرة قانونياً بشكل أساسي على:
حقوق الملكية الخاصة.
قوانين التخطيط والتنظيم وقرارات تخصيص الأراضي.
مبدأ المساواة والقواعد القانونية الإسرائيلية ذات الصلة.
المطالبة بإلغاء دور الصندوق القومي لإسرائيل.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل البعد السياسي والقومي، خاصة بعد إقرار «قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي» عام 2018، والذي نص في مادته السابعة على أن الدولة "ترى في تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وستعمل من أجل تشجيع وتعزيز وإقامة هذا الاستيطان وتثبيته"، ودون النص على قيم المساواة أو الديمقراطية.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي: كيف تتعامل دولة تدعي الديمقراطية مع أزمة السكن والضائقة المزمنة للتخطيط لدى المواطنين العرب من خلال سياسات تعزز الاستيطان اليهودي على حسابهم؟
خطوة يجب ألا تمر من دون انتباه
أعلن الصندوق القومي لإسرائيل في هذه المرحلة إخلاء الموقع الذي تواجد فيه المستوطنون، مع إبقاء إمكانية إعادة النظر في الموضوع وفق شروط معينة. وإذا كان الإخلاء قد أوقف محاولة تثبيت البؤرة مؤقتاً، فإن القضية لم تنتهِ ما دام الباب مفتوحاً أمام إعادة بحث استخدام الأرض مستقبلاً.
إن ما جرى ليس حادثاً محلياً عابراً، بل محاولة لتوسيع منطق الاستيطان وخلق وقائع جديدة على الأرض قد تؤدي إلى زيادة التوتر.
خطوات المواجهة والمستقبل:
اليقظة والمتابعة: استمرار النضال عبر الوسائل القانونية، والشعبية، والقضائية، والإعلامية، والدولية.
العمل المشترك: التنسيق بين السلطات المحلية، ولجنة المتابعة، والنواب العرب، واللجان الشعبية، ومؤسسات المجتمع المدني، وأصحاب الأراضي، والتعاون مع القوى اليهودية الديمقراطية.
الارتباط بالأرض: العودة للزراعة والفلاحة والحضور المستمر؛ فالأرض التي لا تُزرع تصبح أكثر عرضة للمصادرة وتغيير الاستعمال.
العدالة التاريخية: إبقاء قضية القرى العربية المهجرة ومهجري الداخل وحقهم التاريخي في أرضهم حاضرة في الوجدان والعمل السياسي.
تؤكد هذه القضية أن حماية الأرض لا تكتمل بالرد العفوي لحظة الخطر فحسب، بل بالتواجد اليومي والصمود القانوني والشعبي المستدام. إن اليقظة المستمرة وتثبيت الجذور في الأرض هما الصخرة التي تتكسر عليها كل محاولات المصادرة وتغيير معالم الحيز.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


