شبكة راية الإعلامية - 9/18/2026 7:28:22 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
على مدار عشرات السنين، دأبت المؤسسة الحاكمة في إسرائيل على تصدير صورة مفادها أن المجتمع الإسرائيلي سبيكة واحدة متجانسة، وقلعة ديمقراطية متقدمة ووحيدة في محيطها الإقليمي، ومجتمع قائم على عقد اجتماعي يجمع بين المتطلبات الصارمة ومبادئ الحداثة الغربية وحقوق الأفراد.
غير أن الأحداث المتلاحقة كشفت أن التشقق الداخلي لا يقف عند حدود الخلافات السياسية أو الصراعات الحزبية على السلطة، بل يضرب في جذور العقد الاجتماعي وأسس المشروع الصهيوني ذاته. وحين تصدر أصوات التحذير من عنف المستوطنين من قلب المؤسسة الأمنية والسياسية والأكاديمية، فإنها تكشف عن أزمة داخلية قد تتحول إلى تهديد وجودي للدولة نفسها.
فالانتقادات الموجهة إلى تيارات اليمين المتطرف لم تعد مجرد مناورات حزبية، بل جاءت على لسان شخصيات أمضت عقودًا في مواقع أمنية وعسكرية وسياسية عليا. وقد أقدم رئيس الموساد الأسبق، تامير باردو، في أبريل/نيسان 2026، على خطوة لافتة عندما حذّر، بعد جولة في قرى فلسطينية تعرضت لهجمات المستوطنين، من أن عنفهم يشكل «تهديدًا وجوديًا» لدولة إسرائيل، وأن محاولة كبحهم قد تجر البلاد إلى حرب أهلية. وقال إن ما شاهده ذكّره بما تعرض له اليهود في القرن الماضي، وإنه يشعر بالخجل لكونه يهوديًا، محذرًا من أن ما يجري في الضفة الغربية قد يكون بمثابة «السابع من أكتوبر» آخر، ولكن بصيغة مختلفة.
وفي السياق ذاته، جدّد وزير الدفاع ورئيس الأركان الأسبق موشيه يعلون في عام 2026 تحذيراته من «التفوق اليهودي» داخل الحكومة الإسرائيلية، معتبرًا أن هذه الأيديولوجية تذكّره بالنظرية العنصرية النازية، ومستعيدًا تحذير المفكر يشعياهو ليبوفيتش من تحول إسرائيل إلى ما سمّاه «نازية يهودية»، بل أعلن أن ليبوفيتش كان محقًا وأنه هو الذي كان مخطئًا. وانضم إلى هذه الجبهة رئيسا الوزراء الأسبقان إيهود أولمرت وإيهود باراك؛ فحذّر أولمرت في يوليو/تموز 2025 من أن مشروع «المدينة الإنسانية» في رفح يمكن أن يتحول إلى معسكر اعتقال، وأن إجبار الفلسطينيين على دخوله سيكون جزءًا من تطهير عرقي، ووصف الوزراء المتطرفين بأنهم «العدو من الداخل». أما باراك، فحذّر من انزلاق الدولة نحو نظام فصل عنصري وفاشي يفقدها شرعيتها الدولية والأخلاقية.
وعلى خط موازٍ، جاء التحذير من الأدباء والمفكرين والصحفيين. فقد وصف ديفيد غروسمان في أغسطس 2025 ما تقوم به إسرائيل في غزة بأنه «إبادة جماعية»، بعدما قال إنه ظل لسنوات يرفض استخدام هذا المصطلح، لكنه لم يعد قادرًا على تجنبه أمام ما قرأه وشاهده وسمعه. وحذّر يوفال نوح هراري من تقويض استقلال القضاء وتفكيك المنظومة الديمقراطية وصعود الشعبوية السلطوية، بينما ظل جدعون ليفي يفكك حالة الإنكار الجماعي التي ترفض الاعتراف بفظائع الاحتلال وجرائمه، وتصر على صورة الجيش الإسرائيلي بوصفه الأكثر أخلاقية في العالم.
وفي أحدث تجليات هذا التصدع، لم يعد كشف ما يجري داخل المؤسسة العسكرية شأنًا يمكن احتواؤه بالصمت، فقد استقالت المدعية العسكرية العامة ييفعات تومر-يروشالمي في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد إقرارها بمسؤوليتها عن السماح بتسريب تسجيل مصوّر من سدي تيمان يوثق إساءة معاملة معتقل فلسطيني، في خضم التحقيقات التي فتحتها المؤسسة العسكرية بشأن ما جرى هناك، في السياق يشار أن القضية انتهت في مارس/آذار 2026 إلى سحب لائحة الاتهام بحق خمسة جنود، بما أعاد فتح السؤال حول حدود قدرة المؤسسة العسكرية على محاسبة أفرادها عندما يتعلق الأمر بانتهاكات بحق الفلسطينيين.
لم يعد الفلسطينيين وحدهم الهدف، فقد طالب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بسحب الجنسية من المخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، على خلفية فيلمهما «نازا»، الذي يستند إلى شهادات 24 من أفراد الاستخبارات والجيش الإسرائيليين حول آليات استهداف المدنيين الفلسطينيين في غزة. وجاءت المطالبة بعد فوز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية، وبعد تصفيق استمر نحو 25 دقيقة. والمفارقة أن الفيلم لا يأتي من خارج المجتمع الإسرائيلي، بل من داخله؛ وحين يصبح كشف ما يجري داخل المؤسسة العسكرية سببًا للمطالبة بتجريد مواطنين من جنسيتهم، فإن المسألة تتجاوز الخلاف حول فيلم، لتكشف ضيق المساحة التي تستطيع فيها المنظومة احتمال من يكشف صورتها من الداخل.
وإذا كانت النخبة السياسية والأمنية تكتفي غالبًا بانتقاد الحكومة الحالية أو سياسات اليمين المتطرف، فإن تيارًا أكاديميًا جذريًا ذهب إلى أبعد من ذلك، ليطال الأسس التاريخية والسرديات الكبرى التي قامت عليها الدولة عام 1948. فقد وثّق المؤرخ إيلان بابِه، مستندًا إلى وثائق وأرشيفات رسمية أُفرج عنها، أن إقامة إسرائيل قامت على استراتيجية ممنهجة للتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني، معتبرًا أن المشروع الصهيوني بصيغته الحالية وصل إلى طريق مسدود يستوجب، في تصوره، تأسيس دولة ديمقراطية واحدة لجميع مواطنيها على أساس المساواة. ووجّه شلومو ساند طعنة أخرى للرواية الأيديولوجية الرسمية، عبر تفنيد أسطورة «العرق اليهودي النقي المتواصل تاريخيًا»، ومحذرًا من تحول إسرائيل إلى دولة إثنوقراطية عنصرية فقدت، في نظره، مشروعيتها الأخلاقية والإنسانية.
إن تلاقي هذه النخبة، رغم اختلاف منطلقاتها ومواقعها، بدءًا من قادة الاستخبارات والعسكريين السابقين، مرورًا بالكتاب والأدباء، وصولًا إلى الأكاديميين والمؤرخين، يكشف عن تناقض بنيوي عميق بين المشروع الصهيوني الكلاسيكي وبين الواقع الصلب المتمثل في صمود الشعب الفلسطيني على أرضه وتشبثه بحقوقه التاريخية.
ومع ذلك، لا يمكن فصل جزء من هذه الخطابات عن حسابات المعترك الحزبي والصراع الانتخابي على السلطة؛ فهي تُستخدم أحيانًا لإعادة التموضع الحزبي، وتبرير بعض الإخفاقات السابقة، واستقطاب الناخب المتردد عبر تحذيره من مخاطر تراجع الديمقراطية ومستقبل الدولة. وهنا تكمن المفارقة؛ فإذا كان التنافس الانتخابي في إسرائيل قد ارتبط تاريخيًا بالمزايدة على التشدد الأمني واستخدام القوة ضد الفلسطينيين، فإن تحول هذه التصريحات النقدية إلى ورقة في المعترك السياسي يمثل تغيرًا لافتًا في بوصلة الخطاب الانتخابي.
ولعل المسار السياسي الطويل لبنيامين نتنياهو يقدم المثال الأوضح؛ فقد ظل، رغم ارتباط عهده بأطول سلسلة من الحروب والأزمات والصدامات مع الفلسطينيين، قادرًا على العودة إلى الحكم وكسب ثقة قطاعات واسعة من الناخبين، حتى أصبح أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاءً في المنصب، وهكذا شكّل التشدد الأمني والمزايدة على القوة تجاه الفلسطينيين، لسنوات طويلة، رصيدًا انتخابيًا لا يمكن تجاهله.
في سبتمبر/أيلول 2026، أفادت تقارير بأن نتنياهو أمر بتفكيك نحو مئة بؤرة استيطانية غير مرخصة في الضفة الغربية، تحت ضغط أمريكي متزايد للحد من عنف المستوطنين، وإن ظل القرار موضع خلاف داخل حكومته، ولا سيما مع بتسلئيل سموتريتش. وقد برهن التاريخ أن تقويض الدول من الداخل أجدى وأسرع؛ فهل إسرائيل في طريقها إلى التفكك؟
هنا يكمن التحول الأخطر؛ فالمسألة لم تعد مجرد انتقال في موازين القوى من اليمين إلى الوسط، وإنما بدأت تلامس القيمة الانتخابية للدم الفلسطيني نفسه. فإذا كان التشدد الأمني والمزايدة في استخدام القوة ضد الفلسطينيين قد شكّلا طويلًا رأس مال انتخابيًا تتنافس الأحزاب على مضاعفته، فإن الخوف من عنف المستوطنين ومن تفكك الدولة وتراجع صورتها الديمقراطية بدأ يدخل هو الآخر في حسابات الناخب والسياسي، وبذلك فإن ما كان يُستخدم لتعزيز الحظوظ الانتخابية قد يتحول إلى عبء انتخابي.
فعوضًا عن أن تبقى دماء الفلسطينيين وحجم التنكيل بهم العملة الرابحة في بورصة الأصوات، بات انتقاد هجمات المستوطنين ووصف بعضها بـ«الإرهاب اليهودي» يمثل ورقة سياسية وانتخابية محتملة، يمكن أن توظفها تيارات الوسط لاستقطاب الناخب المتردد عبر تحذيره من خطر تآكل الدولة ومستقبلها الاستراتيجي. والمفارقة أن رئيس الموساد الأسبق نفسه لم يعد يتحدث عن هذه الهجمات باعتبارها مشكلة تخص الفلسطينيين وحدهم، بل باعتبارها تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، فيما اضطرت الحكومة نفسها إلى التعامل معها باعتبارها عبئًا أمنيًا وسياسيًا متزايدًا.
وبينما يدفع الأكاديميون والمثقفون الجذريون ثمنًا لمواقفهم، كما حدث مع أستاذ التاريخ والناشط الإسرائيلي مائير باروشين، الذي تعرض للاعتقال والتحقيق وفُصل من عمله، أعادته المحكمة إليه، وعاد بالفعل إلى التدريس في المدرسة نفسها في بيتح تكفا خلال العام الدراسي 2025، في تطور يضيف بعدًا إلى الصراع على حدود حرية التعبير داخل المجتمع الإسرائيلي.
لم تعد المسألة إذن مجرد خلاف بين يمين ويسار، ولا مجرد صراع انتخابي على السلطة، بل باتت تمس قدرة المجتمع الإسرائيلي نفسه على التعايش مع الأصوات التي تكشف تناقضاته الداخلية. فكلما خرج صوت من داخل المؤسسة الأمنية أو العسكرية أو الثقافية أو الأكاديمية ليكشف جانبًا من واقع الاحتلال والحرب، بدا أن الجدار الداخلي يتشقق أكثر، وأن الصراع لم يعد فقط على مستقبل الحكومة، وإنما على صورة الدولة نفسها وعلى الرواية التي تبرر وجودها وممارساتها.
ويظل السياسيون، رغم ذلك، أكثر قدرة على جعل هذا التحول رأسمالًا انتخابيًا، بما يعكس عمق الهوة ومأزق الكيان التاريخي الذي بات يأكل نفسه من الداخل ببطء. فثمة أصوات في إسرائيل تدرك أن الخطر الحقيقي على الدولة ليس خارجيًا فحسب، بل يكمن في داخلها، وأساسه الإصرار على تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني والتمترس خلف مقولة «شعب الله المختار».
هؤلاء يدركون أن الوقت ينفد، وأن استمرار هذا النهج يضع إسرائيل أمام أزمة متفاقمة في صيغتها السياسية والأخلاقية الحالية؛ فاحتلال فلسطين لا يصنع أمنًا دائمًا، بل يشكل حالة مستمرة من عدم الاستقرار في المنطقة والعالم، بينما يشكل تمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم عامل استقرار، بل وازدهار، لإسرائيل والفلسطينيين والمنطقة بأسرها.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


