جغرافيا التوراة من داخل النص: هل تقود الأسماء والجبال والأودية إلى اليمن؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. محمد عودة

إن من منح جزر المالفيناس وجبل طارق وقبلهما فلسطين لبريطانيا لن يجد صعوبة في منح فلسطين مرة أخرى لنصوص وضعها وفسرها البشر، رغم أن النصوص براء مما يقولون ويفسرون، فالدين والشرائع أسمى من أن تلغي شعوبًا وتسلب أراضيها لتمنحها لقبائل شكّلت جزءًا من منظومة قبلية لها جغرافيتها البعيدة والخاصة.

بناء على ما سبق فقد آن الأوان لأن نقرأ جغرافيا التوراة بطريقة معكوسة، لا أن نبدأ بالخريطة التي استقرّت في الوعي، ثم نبحث داخل النص عما يؤيدها، بل أن نبدأ من النص نفسه، ومن أسماء الأماكن والجبال والأودية والأنهار ومسارات الحركة، ثم نسأل، أي أرض تنسجم مع هذه المعطيات أكثر؟ والغاية هنا اختبار فرضية ظلّت بعيدة عن البحث التقليدي، هل أُسقطت الجغرافيا التي نقرأها اليوم على مواقعها الحالية بفعل التفسير المتراكم أو المغرض، بينما تقود بعض القرائن النصية والطبوغرافية واللغوية إلى جنوب الجزيرة العربية، ولا سيما اليمن؟

علينا أن نبدأ من الأرض قبل الأسماء، فاليمن القديم شكّل بيئة جبلية كثيفة الأودية، تعرف الأمطار والسيول والفيضانات، وتجمع بين المرتفعات والسهول الزراعية، وقد طوّر أنظمة للري والسدود والمدرجات، ونشأت فيه ممالك ومدن ومعابد وحصون وشبكات تجارية واسعة، فمأرب وشبوة وحضرموت وشبام ويافع شواهد على بيئة حضارية قادرة على إنتاج مجتمع مديني منظم ومعقد.

فرواية الطوفان ليست حدثًا مجردًا، فهي مرتبطة بجبل وبهبوط الناس من المرتفعات إلى الأرض المنبسطة، وإذا كان المطلوب تحديد الموقع، فإن «أرارات» أو «جودي» لا ينبغي أن يكونا نهاية البحث، بل بدايته، ما طبيعة الجبل؟ وما البيئة المحيطة به؟ وكيف تتحرك المياه؟ وهل تنسجم طبيعة المكان مع الحدث ومسارات الحركة التي يصفها النص؟ ومن هنا يصبح سؤال الحركة جزءًا من سؤال الجغرافيا؛ فإذا بدأنا من بلاد الرافدين، فلا يكفي أن نسأل: أين كانت «أور»؟ بل يجب أن نسأل أيضًا، إلى أين كانت الطرق القديمة تتجه؟ فقد كانت طرق القوافل، ولا سيما طرق البخور، تنقل السلع والأفكار والجماعات والأسماء، ولذلك فإن تشابه الأسماء لا ينبغي أن يُدرس منفردًا، بل داخل شبكة الحركة القديمة، وهي شبكة تجعل البيئة اليمنية جديرة بالدخول في المقارنة بدل استبعادها مسبقًا.

وفي هذا السياق تبرز «أور الكلدانيين»، فالتحديد التقليدي لأور في جنوب العراق معروف، لكن هناك طرحًا جغرافيًا بديلًا يختبر وجود «أور كسدم» أو «عُر كسدم» في منطقة جبل كساد بيافع في جنوب الجزيرة، ولا تعتمد قيمة هذا الطرح على تشابه اسم منفرد، بل على تراكم اسم «كساد» في المنطقة نفسها، من جبل كساد إلى آل كساد، ثم إلى الإمارة الكسادية في عصور لاحقة، كاستمرار لاسم محلي عبر مراحل تاريخية مختلفة.

هل تُشكل هذه الأسماء جزءًا من ذاكرة جغرافية أقدم من تلك المعروفة تقليديًا؟ لذلك من الضروري اختبار فرضية أخرى أمام النص والأرض والآثار، فإبراهيم ولوط في الرواية كانا يتحركان مع أهلهما وأنعامهما، حتى إن كثرة المواشي أصبحت سببًا في عدم اتساع الأرض لهما معًا، وفي عالم لا تتوافر فيه وسائل النقل الحديثة، تصبح الطرق والمياه والمراعي والحواجز الطبيعية جزءًا من اختبار الموقع، فإذا كانت مجموعة من الأسماء تتجمع في نطاق جغرافي متصل، فهل تقتضي الرواية فعلًا افتراض أن إبراهيم قطع آلاف الأميال بين مواقع متباعدة، أم أن علينا أن نختبر أولًا احتمال وجود مسار أقرب؟ إن القرب يصبح قرينة تستحق النظر عندما يترافق مع الأسماء والطبوغرافيا ومسارات الحركة.

أما «حرّان» في قصة يعقوب ولابان، فبدل الاكتفاء بالموقع المعروف في شمال بلاد الرافدين، فإن وجود اسم حرّان في بيئة جنوبية مرتبطة بطرق القوافل والمرتفعات وقريبة من اور يجعل من تطابق الاسم مع الطريق والطبوغرافيا والسياق قرينة مهمة.

إذا كان كل ما سلف قابلًا للاختبار في مرحلة الآباء، فإنه يصبح أكثر حساسية عند الوصول إلى يوسف وموسى، إذ تظهر «مصر» بوصفها جزءًا مركزيًا من الرواية، والتفسير التقليدي يجعل مصر هي وادي النيل، ويربط «اليأور» بالنيل أو بالمجاري المائية المصرية، فـ«يأور» لفظ استُخدم في العبرية وفُسّر على أنه النيل والمجاري المائية، علمًا أن اسم النيل لم يرد مطلقًا في التوراة.

في قصة موسى، نجد طفلًا يوضع في سفط على الماء، ثم يُلتقط قريبًا من مركز السلطة، فلو كان المقصود النيل، وهو نهر عظيم وغزير، فإن حركة المياه تصبح قرينة تستحق السؤال: كيف يستقر سفط صغير في الماء دون أن يجرفه التيار؟ أما «يأور» ـ واصل الكلمة وادي ياغور في اليمن ـ فهو مجرى ضحل ويمكن أن يستقر فيه سفط موسى، وفي الخروج، نجد وصفًا لصناعة الطوب من الطين والتبن، وهذه التفاصيل تصف بيئة مائية وعمرانية واقتصادية أقرب ما تكون إلى اليمن، لأن الأهرامات برهنت على أن البناء في مصر الدولة اعتمد على الحجر.

ومن هذه الزاوية يبرز جنوب الجزيرة مرة أخرى، فمدن حضرموت، ومنها شبام، تقدم نموذجًا لافتًا للعمارة الطينية متعددة الطوابق؛ إذ بُنيت أبراجها من الطوب المصنوع من الطين والتبن، وبلغ بعضها سبعة طوابق، وقد تتيح نموذجًا عمرانيًا يستحق المقارنة مع الوصف التوراتي للبناء بالطين والتبن، وتكشف عن تقليد معماري جنوبي متقدم يجعل البيئة العمرانية الجنوبية جديرة بإعادة الفحص في ضوء النص، فناطحات السحاب اليمنية أيضًا قرينة مهمة في سياق المقارنة.

وعندما نضع العمران والماء إلى جانب الاسم، تظهر قرينة أخرى، فاسم «مصر» لا ينبغي افتراض أنه لا يمكن أن يكون إلا اسم الدولة المصرية المعروفة اليوم، ولا سيما أن «مصرايم» هي الصيغة العبرية الواردة في النص للدلالة على مصر، ويشير أهل اليمن إلى عدة مواضع تحمل اسم «مصر»، منها موضع في منطقة آل باعوضة المنسوبة إلى حمير، التي تمركزت في جنوب محافظة شبوة، ولا سيما في مديرية ميفعة ومحيط عزان وجول الريدة ووادي ميفعة، وترتبط بالمياه والأودية، حيث إن وجود اسم جغرافي قديم يستحق أن يُقرأ في ضوء بقية القرائن.

تقتضي القراءة التقليدية أن ينطلق موكب يعقوب الجنائزي من مصر، أي من وادي النيل، إلى حبرون، مدينة الخليل، مرورًا بـشرق الأردن لإقامة المناحة؛ أي وفق الترتيب: مصر → الأردن → حبرون، وهنا تظهر المفارقة: فبدل أن يواصل الموكب اتجاهه نحو حبرون، ينحرف شرقًا إلى الأردن(لم تكن الأردن كبلد موجودة) ثم يعود غربًا إليها، بما يجعل المسار أطول وأكثر التواءً من الطريق المباشر.

أما في القراءة اليمنية، فيصبح الترتيب: مِصر ، جِردان( لا زال اهل المنطقة يلفظونها الاردن) ، حبرون، فمِصر تقع في نطاق آل باعوضة بمحافظة شبوة، ويأتي جِردان ضمن المجال الممتد نحو ميفعة ورضوم، بينما تُطرح حبرون في نطاق رضوم، ووفق هذا التطبيق، تقع محطة الحداد على امتداد المسار نفسه، ضمن إقليم جغرافي متصل، بدل أن تشكل انحرافًا عنه؛ وهو ما يجعل تقارب المواضع واتساق ترتيبها قرينة جغرافية تستحق أكثر من المقارنة.

وهنا لا تعود مصر اسمًا منفردًا، بل يصبح مدخلًا لاختبار أسماء أخرى، وفي مقدمتها «أون»، فالمدينة التي يُنسب إليها كاهن يوسف «فوطيفارع» يحددها التفسير التقليدي بهليوبوليس في مصر، لكن إذا ظهر اسم مشابه في الجنوب، فإن قيمته لا تُقاس بالاسم وحده، بل بمدى انسجامه مع البيئة والمسار وبقية الأسماء.

وتدخل اللغة هنا بوصفها أداة اختبار، فالانتقال بين العربية والعبرية واللغات الجنوبية القديمة لم يكن نقلًا آليًا للأصوات، وقد يتغير شكل الاسم من لغة إلى أخرى، ومثال «يغور» التي تظهر في العبرية بصورة «يأور» يوضح أن تمثيل الأصوات بين اللغات يمكن أن ينتج فروقًا في شكل الاسم، فالعبرية لا تمثل الصوت العربي «غ» بالطريقة نفسها، ولذلك فإن البحث في «أون» لا ينبغي أن يقتصر على التطابق الكتابي الحديث، بل يشمل النطق القديم والكتابة والتحولات الصوتية الممكنة.

وعند هذه النقطة تتضح قيمة المقارنة، ليست المسألة أن نجد «مصراو مصرايم» في اليمن، أو اسمًا يشبه «أون»، ثم نعلن اكتشاف الموقع، بل أن نرى هل تتساند هذه الأسماء مع روايات يوسف وموسى، ومع البيئة الجغرافية والعمرانية ومسارات الحركة، عندها تنتقل المسألة من «تشابه أسماء» إلى احتمال وجود شبكة جغرافية متكاملة.

وهذا المنطق نفسه يمكن تطبيقه على بقية الجغرافيا التوراتية، فـ«اهبطوا» يمكن أن يُقرأ في سياق الانتقال من المرتفعات إلى السهول والأودية، و«طور سينين» يستحق اختبار الاسم والبيئة الجبلية قبل ربطه تلقائيًا بشبه جزيرة سيناء المصرية خاصة وان سيناء ايضا في اليمن وبنفس منطقة شبوة ، فما الذي يغري قبائل رعوية بالإقامة في صحراء قاحلة؟ بدل ان ترعى مواشيها في ارض خصبة،اماهار مجدون، فإذا كان هار يعني جبلًا، فإن السؤال ليس فقط أين تقع مجدو المعروفة، بل أي موقع ينسجم فيه معنى الاسم مع التضاريس ومسارات الحركة وبقية النص.

ثم نصل إلى الصورة الحضارية الأوسع، فإذا كان النص يتحدث عن ممالك ومدن محصنة وقصور ومعابد وطرق ومياه، فإن اليمن القديم يقدم بيئة تاريخية لهذه العناصر: ممالك سبأ وحمير وقتبان وحضرموت، ومدن وأسواق ومعابد وحصون ومراكز سياسية، وشبكات ري معقدة، وفي مقدمتها سد مأرب، وهنا لا نبحث عن «تشابه حضاري» مجرد، بل عن اختبار ما إذا كانت البيئة التي يصفها النص موجودة بالفعل في اليمن.

وهنا تلتقي اللغة مع الآثار لتختبرا ما تقوله الجغرافيا، فوجود صلات بين العربية الجنوبية القديمة والعبرية لا يثبت وحده أن جغرافيا التوراة كانت يمنية، كما أن وجود اسم مشابه لا يثبت وحده موقعًا، وإنما تصبح القرينة أقوى حين يلتقي التشابه اللغوي مع الطبوغرافيا، والطبوغرافيا مع الطريق، والطريق مع الآثار، والآثار مع السياق الحضاري. لذلك فإن حسم القضية يكمن في وجود قرائن متقاطعة، جبل يطابق الوصف، ووادٍ يفسر حركة المياه أو البشر، واسم يحتمل التحول اللغوي، ومدينة تنسجم مع الوصف العمراني، وطريق يفسر انتقال الجماعات، ونقوش وآثار تؤكد وجود مجتمع قادر على إنتاج البيئة الحضارية التي يصفها النص.

ويبقى السؤال الأعمق، كيف تشكلت الخريطة التي نقرأ التوراة من خلالها؟ فقد يتحول التفسير إلى خريطة، ثم تتحول الخريطة، مع مرور الزمن، إلى حقيقة تبدو وكأن النص نفسه طرحها، وعندما نعود إلى النص من جديد، ونضعه أمام الأرض واللغة والآثار ومسارات المياه والقوافل، قد نكتشف أن المواقع لم يحسمها النص بالقدر الذي نتصوره، إن تكرار القرائن الجغرافية واللغوية والطبوغرافية والحضارية في جنوب الجزيرة يجعل من غير العلمي إغلاق الباب قبل فتحه.

اليمن ليس مجرد احتمال يفرضه تشابه اسم أو اسمين؛ إنه بيئة تاريخية تجمع الجبل والوادي والماء والمدينة والتحصين والزراعة والتجارة والبحر، وتملك آثارًا ونقوشًا وممالك وطرقًا قديمة. وإذا أضفنا إلى ذلك إمكانات التحول اللغوي وانتقال الأسماء والجماعات عبر طرق التجارة، فإن فرضية «جغرافيا جنوبية للتوراة» تصبح سؤالًا بحثيًا يستحق الدراسة، لا فكرة تُرفض مسبقًا.

وربما تكون الخطوة الأكثر علمية ،أن نعيد رسم الخريطة من الصفر، نحكم المنطق والعقل ثم نضع النص أولًا، ثم اللغة، ثم الأرض، ثم الآثار، ثم مسارات المياه والقوافل، وبعد ذلك فقط نضع الأسماء على الخريطة، فالسؤال في النهاية ليس، أي خريطة نعرفها اليوم تقول لنا أين وقعت الأحداث؟ بل: أين كانت هذه الأحداث فعلًا، إذا تركنا النص والأرض واللغة والآثار تتحدث قبل أن تتحدث الخريطة؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد