صرخة لإنقاذ جيل يحارب الفوضى من أجل حقه في التعلم
وكالة سوا الاخبارية -
2026/09/20

في مشهد تنوء به الجبال، ويقف فيه قطاع غزة على حافة الاختبار الأعظم أمام أزمات غير مسبوقة دمرت البنية التحتية وحولت معظم المدارس إلى مراكز إيواء أو ركام مهترئ، يبرز التعليم باعتباره الحصن الأخير وحبل النجاة الوحيد لمستقبل أجيالنا التي تتجرع مرارة الحرب والنزوح المستمر. غير أن التحركات والمبادرات القائمة لتنظيم العملية التعليمية في المخيمات وأماكن النزوح والمدارس الخاصة –ورغم محاولات التجميل التي تحيط بها– تسير للأسف في اتجاه مقلق يفتقر إلى أبسط قواعد التنظيم والمأسسة، وتغيب عنها المتابعة الرقابية الكفيلة بحماية هذا الحق الأساسي من العبث والعشوائية، في وقت تقف فيه المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأونروا واليونسيف، عاجزة عن توفير مظلة حقيقية تحمي الطلاب وتواجه النقص الحاد في التمويل والإمدادات.
وحين يغيب التنسيق التام بين المرجعيات والمبادرات، تتخلق حتمًا فوضى ضارة يكتوي بنارها الصغير والكبير؛ ويتجلى هذا التخبط بصورة صادمة في المفارقة العبثية بين ما تفرضه وكالة الغوث والجهات الرسمية من منصات وروابط إلكترونية جامدة للامتحانات والدراسة، وبين واقع التعليم الوجاهي النابض بالحياة على الأرض؛ فبينما يصرخ الطلاب يومياً متجاوزين المستحيل ليصلوا إلى خيام الإيواء والنقاط التعليمية، متلقين دروسهم ومحققين نتائج مبهرة، تصعقهم المنصات الإلكترونية للوكالة العام الماضي بنتائج متدنية بشكل شاذ وغريب، معتمدة على نظام رقمي وإجابات عبر الروابط للامتحانات الشهرية دون أدنى مراعاة لظروف النزوح وانقطاع الكهرباء والإنترنت، واستمر ذلك وسط إصرار رسمي غريب على تجاهل الاعتراف المتبادل أو توحيد المعايير.
هذا التخبط الرقمي ليس مجرد أرقام صماء، بل هو جريمة نفسية صامتة تُرتكب بحق أطفالنا الذين يعانون من صدمات عميقة ومتراكمة جراء أهوال الحرب؛ فالطفل الذي يصارع الموت والنزوح ويستوعب درسه على ركام بيته أو داخل خيمة مهترئة، يُصدم بإحباط تقني غبي ينسف عرق جهده ويزيد من تفاقم جروحه النفسية، ليجد نفسه وأسرته عالقين في حلقة مفرغة من التشتت والضياع.
وإذا كان هذا حال التقنية، فالأشد إيلاماً واستفزازاً مع استهلال العام الدراسي هو التعنت الإداري السافر لبعض مدارس الوكالة والحكومة (التي أفرغت حديثاً من النازحين)، وبعض النقط التعليمية والمبادرات، والتي تخرج علينا بشروط تعسفية تفرض زياً مدرسياً محدداً و"جلباباً"، في استخفاف صارخ بوقائع الفقر المدقع والعوز المالي المدمر الذي يسحق العائلات الغزية؛ وهي أسر لا تملك اليوم ثمن رغيف الخبز ناهيك عن المظاهر الشكلية. وإن افتراض قدرة هذه العائلات المنكوبة على تلبية قيود شكلية هو انعزال تام عن الواقع، وكان الأجدر الاكتفاء بملابس لائقة تحفظ كرامة الطالبة، عوضاً عن تحميل الأسر المكلومة بأعباء مادية إضافية تضاعف مرارة النزوح وفقدان المعيل، وكأن المطلوب تحريك السوق التجاري وشراء جلبابات على حساب الأهالي الفقراء.. لحساب مين؟!.
وعلى خط متصل، لم تسلم المبادرات الفردية والنقاط التعليمية البديلة من هذا العبث؛ إذ تحول بعضها بفعل غياب الرقابة الرسمية إلى عبء مالي ثقيل برسوم غير مبررة، لتتكدس الأزمات فوق بعضها بين دمار الأماكن، وإطالة أمد النزوح، وغياب المناهج الموحدة، وشح القرطاسية والمستلزمات الأساسية في ظل قصور حاد في الدعم الدولي.
وفي مقابل هذه القتامة المؤسساتية، تقف الإرادة الشعبية شامخة؛ حيث يُسطّر المعلمون المتطوعون وأهالي الحي ملاحم من البطولة الحقيقية، مبادرين بإمكانيات صفرية لإنقاذ العام الدراسي في الخيام، مما يفضح بوضوح الفارق الشاسع بين حيوية المجتمع وإرادته الحية، وبين عشوائية وتكلس القرارات الإدارية والبيروقراطية، لا سيما أن استمرار هذا التخبط في ظل غياب القانون يحول التعليم –وهو الرسالة الوطنية والإنسانية المقدسة– إلى سيف مسلط وعبء يقع على الكاهل، ما يستدعي تدخلًا عاجلاً لا يحتمل التسويف.
ومن هذا الوجع المتأصل، نطلق هذه الصرخة لتتحول إلى نداء مطلبي لا يقبل المساومة ولا الترحيل؛ فنحن نضع وكالة الغوث (الأونروا)، ووزارة التربية والتعليم، ومنظمة اليونسيف، وكافة الجهات الدولية والمحلية الممولة، أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية، مطالبين بتبني فوري لخطة إنقاذ وطنية ترتكز على مطالب ملحة ومحددة: أولها، التدخل الفوري لردم الهوة التقنية الفاشلة لمنصات الوكالة وربطها عضوياً بالواقع الوجاهي للطلبة. وثانيها، الإلغاء الفوري لكل القيود والاشتراطات الشكلية المتعلقة بالزي المدرسي والاكتفاء بالملابس اللائقة والممكنة مراعاةً للفقر المدقع. وثالثها، فرض رقابة صارمة تضع حداً نهائياً للرسوم غير المبررة والارتجالية التي تستنزف الجيوب الفارغة. ورابعها، تبني ودعم وإسناد الجهود التطوعية والمجتمعية التي تبقي شعلة التعليم متوهجة.
إن غاية ما يطمح إليه الأهالي والطلبة هي رؤية واضحة ومسؤولة تحمي صمودهم، لا أن تتحول المنظومة التعليمية إلى عبء إضافي يكسر ما تبقى من أرواحهم؛ فأنقذوا تعليم غزة اليوم.. قبل أن يُحفر في تاريخنا أننا ضيعنا مستقبل جيل كامل تحت جرافات الإهمال والتقاعس.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد