شبكة راية الإعلامية - 9/20/2026 1:20:26 PM - GMT (+2 )
الكاتب: منير عارف قليبو
كعادتي في كل سبت، أنزل لأرى، وأصوّر، وأوثّق، وأستشعر، وأستشفّ، وأستكشف الجديد في القدس، عالمي الاصغر .
وهذا السبت لفتني وبشكل ملحوظ مشهدٌ سياحي مختلف : البلدة القديمة تتنفّس، لكن بأنفاسٍ غير أنفاسنا. عند باب العمود، وتحت ظلال الأشجار، وفي المساحات الخضراء، وعلى عتبات الدكاكين — عمّالٌ وعاملات آسيويون، منتشرون بكثرة في يوم عطلتهم الوحيد، يشترون ويجلسون ويشربون العصير ويضحكون ويجتمعون في البساتين العامة تحت ظلال الاشجار وفي اسواقنا التجارية . إنها سياحة السبت… سياحةٌ مستحدثة ومن نوعٍ آخر.
يقفون بالطوابير عند الصرافين لتحويل جزءٍ من أجورهم إلى أسرهم في بلادٍ بعيدة فوراء كل حوالةٍ حكاية: أمٌّ وأب، أطفالٌ ينتظرون، دراسةٌ أو علاجٌ أو بيتٌ يُبنى على مهل. هؤلاء لا يقضون سبتهم في العقبة ولا في جرش ولا في قرطاج؛ يومهم الحرّ محدود، فيصنعون فسحتهم هنا، في مدينتنا.
وخلف هذا المشهد الإنساني رقمٌ يشرح كل شيء.
قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يكن العامل الفلسطيني تفصيلاً في سوق العمل: بلغ عدد العاملين داخل الخط الأخضر وفي المستوطنات في الربع الثالث من عام 2023 نحو 178 ألفاً — منهم 153 ألفاً داخل الخط الأخضر و25 ألفاً في المستوطنات — وثُلثاهم في قطاع البناء، بمتوسط أجرٍ يومي 298 شيكلاً، وكان ذلك يشكّل نحو ثلث إجمالي دخل العمالة في فلسطين. 
ثم جاء القرار. ففي التاسع والعشرين من نيسان/أبريل 2026، لم يصل إلى أماكن عمله سوى 26,855 عاملاً فلسطينياً في ذلك اليوم: 5,972 داخل الخط الأخضر، و2,472 في المناطق الحدودية، و18,411 في المستوطنات. من مئةٍ وثمانية وسبعين ألفاً… إلى أقل من سبعةٍ وعشرين ألفاً. ويؤكد تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي في نيسان/أبريل 2026 أن السوق فقد نحو 110 آلاف عاملٍ غير إسرائيلي، 91% منهم فلسطينيون.  
والفراغ لا يبقى فراغاً. فقد ارتفع عدد العمال الأجانب في إسرائيل من نحو 140 ألفاً قبل الحرب إلى نحو 240 ألفاً، والهدف المعلن هو الوصول إلى 330 ألفاً، بإضافة 100 ألف عاملٍ جديد حتى عام 2027، إلى جانب 26 ألفاً مخصصين لمشروع مترو الأنفاق، بسقفٍ حكومي لعام 2026 بلغ 335,874 عاملاً. وهم اليوم ركيزة قطاعاتٍ كاملة: الرعاية المنزلية 80,884 عاملاً، والبناء والترميم 73,432، والزراعة 48,908؛ وفي عام 2026 أُضيفت قطاعات جديدة كالترميم والتجارة والخدمات بعد توقّف دخول العمال الفلسطينيين. وفُتحت الأبواب للاستقدام من الهند وسريلانكا وتايلاند والصين والفلبين وأوزبكستان للعمل في المصانع والمتاجر الكبرى والفنادق وورش الصيانة — وهي قطاعاتٌ كانت تعتمد شبه كلياً على العمال الفلسطينيين. 
فهذا الذي أراه في السبت ليس صدفةً عابرة. إنه الوجه الاجتماعي لعمليةِ إحلالٍ كاملة: عاملٌ فلسطيني أُخرج من السوق، وعاملٌ آسيوي أُدخل مكانه، ثم صار هذا الأخير — في يوم عطلته — زبوناً شبه داءم ومؤثر في أسواقنا نحن.
وهنا المفارقة التي تستحق التفكير.
قبل الحرب كان السبت في البلدة القديمة يوم أهلنا من الداخل الفلسطيني؛ حركتهم كانت تعني الكثير للتاجر المقدسي. كما وكان قلة من القادمين من شرقي أوروبا ، روس ورومانيين وأوكرانيين كانت سباحتهم للقدس دينية لزيارة الاماكن المسيحية المقدسة. أما اليوم، فقد صار حضور العمال الآسيويين في بعض الزوايا أوضح من حضور الجميع ايام السبت ونحن ما زلنا نعزف عن النزول لأسبابٍ بعضها مفهوم وبعضها تحوّل إلى حججٍ نكررها: «فش محل أصفّ السيارة»، «وين بدنا ناكل؟»، «الدنيا أزمة»…
لكن السوق لا يُحمى بالشعارات والسوق يُحمى حين نمشي فيه، ونشتري منه، ونأكل في مطاعمه، ونشرب قهوتنا فيه. كل عشرين أو خمسين أو مئة شيكل تُصرف في دكانٍ مقدسي هي جزءٌ صغير من بقاء ذلك الدكان مفتوحاً.
ولا ألوم العامل الآسيوي الذي جاء يستريح تحت شجرةٍ عند باب العمود ويرسل ما تبقّى من أجره إلى أهله. بالعكس، أقول له: أهلاً وسهلاً، وبارك الله في تعبك ورزق تجارنا من حضورك. وأقول لتجارنا: رحّبوا بهم وسهّلوا عليهم؛ فالمدينة الحيّة هي التي تعرف كيف تستقبل من يدخل أسواقها وينفق فيها ويحترمها.
لكنني أسأل نفسي وأسألنا جميعاً: إذا كان القادم من آلاف الكيلومترات قد وجد في بلدتنا القديمة مكاناً يقضي فيه يوم عطلته، فكيف أصبحت القدس بعيدةً علينا نحن؟
القدس لا تطلب منا الكثير: زيارة، فنجان قهوة، وجبة غداء، قطعة حلوى لطفل، هديةً صغيرة، حاجةً من دكانٍ قديم. وربما الأهم: أن نمسك بأيدي أبنائنا وأحفادنا ونقول لهم: هذه مدينتكم… وهذه أسواقكم… فلا تجعلوها غريبةً عنكم.
عدستي هذا السبت لم توثّق حجراً ولا قبةً ولا باباً فقط. وثّقت بشراً، وحركةً، ورزقاً، ومدينةً تبحث كل يومٍ عمّن يُبقي أسواقها حيّة.
ومن عدسة السبت أقول: الحمد لله على كل رزقٍ يدخل دكاكين البلدة القديمة… ولكن القدس أولى بأهلها، وأسواقها أولى بنا.
تصوير وملاحظات: منير عارف قليبو – القدس
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


