حين يصبح الطريق إلى المدرسة مصدر خوف.. أطفال دوما في مواجهة المستوطنين
شبكة قدس الإخبارية -

خاص - شبكة قُدس: كانت الساعة السابعة والربع صباحًا حين جاء السائق أحمد عدنان إلى منزل عبدالرزاق دوابشة في قرية دوما، كما يفعل كل صباح، ليقلّ طفليه فاطمة وعميد إلى الروضة الحكومية.

منزل العائلة يقع في منطقة مكشوفة وقريبة من المستوطنين، ولذلك لا تسمح أم عميد لطفليها بالخروج وحدهما، خصوصًا أن الطريق المحيطة بالمنزل تشهد أحيانًا تواجدا للمستوطنين. لهذا السبب استعانت بالسائق أحمد، الذي يتولى نقل الأطفال من منازلهم إلى الروضة ثم إعادتهم إليها عند انتهاء الدوام.

في ذلك الصباح، كان في سيارة أحمد سبعة أطفال؛ وبينما كان يتجه نحو أحد المنازل لاصطحاب ثلاثة منهم، لمح مستوطنًا على بعد نحو خمسين مترًا من البيوت، كان يرعى الأغنام. رآه أحمد، لكنه لم يكن يستطيع التراجع، لأنه كان قد وصل إلى المنطقة التي ينتظر فيها الأطفال.

اصطحب الأطفال الثلاثة، ثم بدأ بالعودة. وفي الطريق، ارتطم حجر كبير بالزجاج الأمامي للسيارة، فتحطم الزجاج وتناثر جزء منه داخل المركبة وعلى المقاعد. كان الأطفال في الداخل.

لم يفهموا في اللحظة الأولى ما الذي حدث، لكن الصوت المفاجئ والحجر والزجاج المتناثر كان كافيًا لإدخالهم في حالة من الهلع. حاول أحمد إبعاد السيارة عن المكان وتهدئتهم في الوقت نفسه، قبل أن يواصل طريقه بهم إلى الروضة.

وصل الأطفال سالمين، لكن الصباح الذي دخلوا فيه إلى الروضة لم يكن يشبه الصباح الذي خرجوا فيه من منازلهم.

في الروضة، حاول العاملون تهدئتهم وإضحاكهم وإعادتهم إلى أجواء اليوم الدراسي، إلا أن الخوف ظل ظاهرًا على وجوههم. كانوا يعيدون سرد ما حدث، ويتذكرون الصوت والحجر والزجاج المكسور.

أما أم عميد، فلم تعرف بما حدث فورًا. كان عبدالرزاق، والد الطفلين، قد علم بالحادثة، لكنه لم يخبر زوجته حتى لا يزيد خوفها، خصوصًا أن الطفلين وصلا إلى الروضة بسلام. وعند الساعة الثانية عشرة والربع ظهرًا، عرفت الأم بما جرى.

تقول أم عميد إن السائق أخبرها أن الأطفال تعرضوا لهجوم، وإن التوتر كان واضحًا على وجهيهما. وعندما عادا إلى المنزل، ظلا يكرران تفاصيل الحادثة أمامها. «هجم علينا، وضربنا حجرًا، وخرج صوت قوي، وانكسر الزجاج، وخفنا وبكينا»، تقول الأم إن هذه الكلمات ظلت تتردد على لسان طفليها.

فاطمة وعميد، اللذان كانا يستعدان في الصباح ليومهما الدراسي، أصبحا يتحدثان عن الخوف من الطريق بدلًا من الحديث عن الروضة. وبحسب والدتهما، فإنهما حتى الآن لا يريدان الذهاب في اليوم التالي، ويقولان لها: «نخاف أن يعود ويأتي إلينا أو يهجم علينا».

ولا يعود خوف الطفلين، بالنسبة لأم عميد، إلى الحادثة وحدها، بل إلى المكان الذي يعيشان فيه. فالمنزل يقع في منطقة قريبة من المستوطنين، والطريق المؤدية إليه ليست دائمًا آمنة، ما يجعل خروج الأطفال وحدهم أمرًا غير ممكن.

تقول: «نحن نسكن في منطقة متطرفة وقريبة من المستوطنين، ولذلك لا أستطيع أن أخرج أطفالي وحدهما، ولا بد أن يكون معهما شخص بالغ. لهذا السبب أحضرت لهما السائق».

وتضيف أن ما حدث ترك أثرًا واضحًا في نفسيتهما، رغم محاولات العاملين في الروضة تخفيف الخوف عنهما: «حاولوا في الروضة أن يضحكوهما وأن يجعلوهما يشعران بالسعادة، لكن الخوف كان ظاهرًا على وجهيهما».

وتحاول الأم الآن أن تدفعهما إلى العودة للروضة، حتى لا يتحول الخوف الذي زرعته الحادثة إلى خوف من الخروج نفسه. «والله إنهما كثيرًا ما زالا متعبين وخائفين، لكنني أحاول معهما أن يداوما حتى تقوى شخصيتهما، ومن هنا إلى الصباح نرى، إن شاء الله خير».

أما أحمد، فلم يتوقف يومه عند اللحظة التي تحطم فيها زجاج سيارته. بعد أن أوصل الأطفال إلى الروضة، عاد ليجمع بقية الطلبة ويوصلهم، ثم عاد عند الظهر ليعيد كل طفل إلى منزله.

لكن السيارة التي يستخدمها لنقل الأطفال لم تعد صالحة للعمل بالطريقة نفسها.

إصلاح الزجاج الأمامي سيكلفه نحو 1500 شيكل، فيما يحصل من نقل ثلاثة أطفال على مبلغ شهري لا يتجاوز نحو 200 شيكل. وبذلك، فإن قيمة الضرر الذي أصاب السيارة تعادل تقريبًا ما يحصل عليه خلال أشهر طويلة من عمله.

يقول أحمد إنه لا يبحث عن مبلغ كبير، ولا يريد تعويضًا يثقل على أحد، بل يريد أن يجد من يقف إلى جانبه في إصلاح الضرر حتى يتمكن من مواصلة نقل الأطفال بأمان.

ولديه تأمين على السيارة يعتقد أنه قد يغطي الأضرار الناتجة عن اعتداءات المستوطنين، لكنه لا يعرف بعد كيف ستسير إجراءات المطالبة بالتعويض.

ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يؤرقه أكبر من كلفة الزجاج: ماذا لو لم يصب الحجر الزجاج؟ ماذا لو أصاب أحد الأطفال في وجهه أو رأسه؟

لهذا يسأل أحمد أيضًا عن إمكانية الوصول إلى مختصين نفسيين يمكنهم زيارة الأطفال في منازلهم، والجلوس معهم ومع ذويهم، ومساعدتهم على تجاوز الخوف الذي تركته الحادثة قبل أن يتحول إلى أثر طويل الأمد.

فالأطفال، كما يقول، لم يكونوا مجرد ركاب في سيارة تعرضت للاعتداء؛ كانوا أطفالًا في طريقهم إلى الروضة.

وفي اليوم نفسه، لم يكن أحمد وطفلا عبدالرزاق دوابشة وحدهم أمام طريق غير مضمون إلى المدرسة.

ففي محيط طوباس، شُددت الإجراءات على الحواجز، ما أعاق وصول 104 من المعلمين والمعلمات والإداريين إلى مدارسهم في الأغوار الشمالية، الأمر الذي انعكس على سير العملية التعليمية هناك. وفي منطقة الرأس الأحمر، حُرم عشرات الطلبة من الوصول إلى مدرستهم في عاطوف بعد حفر خندق وإقامة بوابة أعاقت مرورهم، فيما تعطلت المدارس في المغير على خلفية اقتحام البلدة.

في كل هذه الحالات، يصبح الطريق إلى المدرسة جزءًا من يوم الطفل الدراسي قبل أن يصل إلى مقعده.

قد يغادر الطفل منزله بحقيبته، لكنه لا يملك ضمانة أن يصل إلى المدرسة. وقد ينتظر المعلمون عند أبواب مدارسهم دون أن يتمكنوا من الوصول. وقد تتحول بوابة أو خندق أو وجود مستوطنين إلى سبب كافٍ لتأخير يوم دراسي أو منعه بالكامل.

أما فاطمة وعميد، فقد وصلا في ذلك الصباح إلى الروضة، لكنهما حملا معهما شيئًا لم يكن في حقائبهما: الخوف.

وفي المساء، بدل أن يكون حديثهما عن ألعاب الروضة وأصدقائهما، ظل الحجر والزجاج والصوت المرتفع حاضرًا في ذاكرتهما.

وفي صباح اليوم التالي، ستقف أم عميد أمام السؤال الأصعب: هل تستطيع إقناعهما بالخروج من المنزل والعودة إلى الروضة؟

فبالنسبة للأطفال، يفترض أن تكون الرحلة إلى المدرسة أقصر حكايات يومهم، لا أكثرها خوفًا. لكن في دوما، كما في أماكن أخرى من الضفة الغربية، قد يبدأ الدرس الأول قبل أن يصل الطفل إلى مدرسته؛ درسٌ عن طريق لا يضمن الوصول، وعن خوفٍ لا ينبغي لطفل في عمر فاطمة وعميد أن يعرفه أصلًا.