قراءة نقدية لمقابلة دلال عريقات في مجلة "صبرا" العبرية (الحلقتان الرابعة والخامسة)
شبكة قدس الإخبارية -

​حين تقول الدكتورة دلال عريقات إنّ "أمن الإسرائيلي لن يتحقق من دون أمن الفلسطيني"، فهي تطرح فكرة مفادها أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق في ظل الاحتلال والعنف وغياب الحقوق. وهنا يظهر سؤالٌ فلسطينيٌ أساسي: ماذا عن الخطاب الموجّه إلى الجمهور الفلسطيني نفسه؟ وما الذي يُقال له بشأن سنوات الانقسام والتراجع السياسي، ومسؤولية القوى والمؤسسات الوطنية عن الوصول إلى هذا الواقع؟

​أما عن مخاطبة المجتمع الإسرائيلي فقد تباينت حولها الآراء؛ إذ يرى فريقٌ فيها منبرًا لإيصال الموقف الفلسطيني مباشرة إلى الجمهور الآخر —وهو نهج اتبعته قيادات وشخصيات عدة على مدى سنوات— في حين يُبدي فريق آخر تحفظات جادة، ولا سيما بعد تجارب ظهرت فيها التصريحات الفلسطينية في وسائل الإعلام العبرية مجتزأة أو منزوعة من سياقها.

​وقراءتي الشخصية لا ترى جدوى كبيرة في هذا النوع من الظهور الإعلامي والحوار باللغة العبرية. فالسؤال الأهم ليس: هل نستطيع مخاطبة المجتمع الإسرائيلي؟ وإنما: ما الجدوى الفعلية من هذه المخاطبة؟ وماذا غيّرت هذه الخطابات خلال السنوات الماضية؟ وهل تمكنت من التأثير في المواقف والسياسات، أم بقيت في حدود الحضور الإعلامي؟

​وإذا كان لا بد من مخاطبة هذا المجتمع، فإن ذلك ينبغي أن ينطلق من الندية ووضوح الموقف والتمسك بسردية الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي، لا من موقع استرضاء الطرف الآخر أو تقديم القضية من موقف دفاعي انهزامي. فالخطاب السياسي قد يتوجه إلى أطراف متعددة، لكن مخاطبة الآخر لا تعني التنازل عن الثوابت أو إعادة صياغة القضية لتلائم توقعاته؛ إنها مخاطبة صاحب الحق ، لا محاولة طرف مغلوب استعطاف الطرف الأقوى لإقناعه بشرعية حقوقه.

​من هنا، فإن تقييم هذا الظهور لا ينبغي أن ينصب على مجرد اختيار الوسيلة الإعلامية العبرية، بل على مضمون الخطاب وحدوده : ماذا نقول؟ ومن أي موقع نقوله؟ وهل نضع الاحتلال وحقوق الفلسطينيين في مركز القضية، أم ننجرف إلى خطاب هجين لا يحق حقاً ولا يبطل باطلاً؟

​وعندما تتحدث عريقات عن تيار إسرائيلي يدافع عن "الديمقراطية والمساواة وسيادة القانون" في مواجهة تيار يدفع نحو التطرف والضم، فإني أتساءل: هل تعتقد عريقات أنّ هذه المفاهيم تمتد لتشمل الفلسطينيين وحقوقهم، أم تظل محصورة في إدارة الخلافات الداخلية للمجتمع الإسرائيلي؟ إذ أن وجود تيارات معارضة داخل" إسرائيل "لا يعني بالضرورة مناهضتها للاحتلال أو الاستيطان، أو تبنيها رؤية تعترف بالحقوق الفلسطينية؛ ولذا فإن الحديث عن "الديمقراطية" في هذا السياق يحتاج إلى تدقيق شديد، في ظل واقع سياسي وقانوني يمارس الإبادة الجماعية والممنهجة بحق الفلسطينيين في غزة، والتضييق والتهجير القسري في الضفة والداخل.

​وينطبق الأمر ذاته على مفهومي الاحتلال والاستيطان؛ إذ إن اختزال الأزمة في صعود "التطرف" أو "عنف المستوطنين" قد يحجب حقيقة أن هذه الجماعات تعمل بإيعاز ورعاية مباشرة من المؤسسة الإسرائيلية، وليست ظاهرة منفصلة أو سلوكاً عبثياً فردياً.

​كما أن دعوة حلفاء إسرائيل للضغط من أجل إنهاء الاحتلال تثير سؤالاً آخر حول جدوى الرهان على المجتمع الدولي والوسطاء: فإذا كانت القرارات الدولية قد أقرّت حقوق الفلسطينيين عقوداً، فلماذا لم تتحول إلى إجراءات ملزمة؟ أما القول إن إنهاء الاحتلال يخدم الطرفين، فيحتاج إلى تفكيك؛ إذ ترى تيارات واسعة في إسرائيل أن الاستيطان والضم مشروع وجودي، وفي كل الأحوال، يظل أمن الفلسطيني وحقه في الحرية والكرامة حقاً أصيلاً وقائماً بذاته.

​وفي الشأن الداخلي، تتقاطع المطالب المتعلقة بوقف العدوان، ورفع الحصار، وإعادة الإعمار، وتحقيق الوحدة الوطنية مع التطلعات الشعبية الجامعة. غير أن استدعاء "الشرعية الديمقراطية" كمدخل للحل يستدعي قراءة نقديّة لتجربة انتخابات 2006 وما أعقبها من انقسام سياسي ومؤسسي محتدم. ومن ثمّ، فإن الحديث عن تجديد الشرعية لا ينفصل عن مراجعة البيئة المؤسسية، لضمان ألا تُختزل الديمقراطية في صندوق الاقتراع، بل تتعداه إلى احترام النتائج والتداول السلمي للسلطة.

​إنّ الذهاب إلى الانتخابات دون إصلاح بنيوي ومؤسسي يترك الباب مفتوحاً لتكرار الأزمات. وتكمن هنا الحاجة إلى مسار توافقي يحدد المرجعيات الوطنية، ويعيد بناء التفاهمات، ويعزز استقلال القضاء، ويضمن تحصين القرار الفلسطيني من التدخلات الخارجية.

​ونسحب هذا الطرح على مشاركة الشباب والمرأة؛ إذ لا يمكن معالجة عزوف الشباب أو تهميش المرأة بدعوات تحفيزية أو شكليات عددية ("كوتا")، بل بفتح المجال العام، واحترام الكفاءات، وحماية الحريات والعمل النقابي، وإتاحة قنوات فعلية للتأثير وصناعة القرار على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص.

​ختاماً، إن تحويل مبادئ الحرية والديمقراطية والمساءلة إلى ممارسة فعلية يتطلب الانتقال من الأطر النظرية إلى الآليات التنفيذية القابلة للتطبيق.

فبناء مشروع يرمم ثقة الشارع يحتاج مؤسسات تخضع للمواطنة والمساءلة، ومراجعة صريحة للتجربة السابقة.

​والأسئلة الشاخصة اليوم هي: كيف تُستعاد ثقة الشارع الفلسطيني؟ وكيف تُبنى مؤسسات جامعة ومسؤولة؟ هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الرسائل الموجهة إلى الخارج، بل هي الحجر الأساس لأي مشروع سياسي قادم. فإذا كان المطلوب إيصال الصوت الفلسطيني للعالم، فالأولى أن نسأل أولاً: من يخاطب الفلسطينيين، وماذا يقدم لهم عن مستقبلهم وحقوقهم؟