حين ينسج الثعلب روايته حول مكر الدجاج
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. محمد عودة

يقال: تُصبح كل الدجاجات ماكرة إذا كان الراوي ثعلبًا. قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد مفارقة ساخرة، لكنها تفضي إلى سؤال يتجاوز الحكاية نفسها: ماذا يحدث حين يكون الراوي هو الطرف الذي يملك القدرة على تحديد أبطال الحكاية وأدوارهم ومكان وقوعها، ثم يكرر روايته حتى تتحول مع الزمن إلى حقيقة تبدو وكأنها لا تحتاج إلى مراجعة؟ في القضية الفلسطينية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا؛ لأن الرواية لم تكتفِ بوصف الصراع، بل أسهمت في تشكيل صورته، وفي تحديد من هو صاحب الأرض، ومن هو الدخيل، ومن هو الضحية، ومن هو الإرهابي.

القضية الفلسطينية لم تبدأ رواية الثعلب حولها مع بن غفير أو سموتريتش، وإن كانا من أكثر الأصوات صخبًا حولها اليوم، فقد سبقتهما رواية أقدم تشكلت في سياقات استعمارية، ثم تبنتها الحركة الصهيونية وطورتها، ولم تكتفِ بإعادة تعريف الإنسان والأرض، بل أعادت أيضًا قراءة النصوص القديمة، وتحديد جغرافيتها، وإسقاط أسمائها على خريطة بعينها، خريطة تنسجم مع رؤية الاستعمار، ومع تكرار هذا الإسقاط، أخذت الخريطة تكتسب صفة النص، حتى بدا ما هو تفسير وكأنه جزء أصيل منه، وأصبح السؤال عن جغرافيا أخرى خروجًا عن المألوف، وحين تتردد الرواية اليوم على ألسنة رموز متطرفة، يصبح الفلسطيني في الخطاب الاستعماري إرهابيًا بحكم الرواية.

هذا التشابك بين الرواية السياسية والجغرافيا المفترضة والمغرضة يقودنا إلى سؤال جوهري: ماذا لو بدأنا من السؤال لا من الإجابة؟ ماذا لو لم نفترض أن الجغرافيا التي نعرفها اليوم هي بالضرورة الجغرافيا التي كانت في ذهن كاتب النص؟ وهل كانت الأسماء والجبال والأودية ومسارات الحركة قد قُرئت من خلال خريطة ترسخت في الوعي قبل أن تُقرأ هي نفسها؟ عندها يصبح من حقنا أن نعيد القراءة من النص إلى المكان، لا من الخريطة إلى النص؛ من لغته وأسمائه ووصفه للطبيعة وحركة الأشخاص بين الأماكن، ثم نبحث عن الجغرافيا التي تنسجم مع هذه العناصر.

ولعل فلسطين نفسها تقدم مدخلًا حيًا إلى هذا السؤال؛ فهذه الأرض ليست صفحة بيضاء بدأت حكيتها مع الروايات السياسية الحديثة، بل تحتفظ طبقاتها بذاكرة إنسانية عميقة. ففي أريحا، مدينة القمر، تشير الآثار إلى استقرار بشري يعود إلى أكثر من عشرة آلاف عام، بما يجعل وجود الإنسان في هذه الأرض سابقًا بآلاف السنين على كثير من الروايات التي جاءت لاحقًا لتعيد تعريف المكان وسكانه، وبغض النظر عن الأسماء التي حملتها الجماعات والسلالات والدول التي تعاقبت على الأرض، فإنها لم تكن أرضًا بلا شعب ولا أرضًا بلا تاريخ؛ كانت أرضًا عاش فيها الإنسان ولا يزال، واستقر وبنى، وبقيت بصماته شاهدًا حيًا.

إن غنى هذا التاريخ الإنساني وعمقه يفتحان الباب على سؤال آخر: إذا كانت الأرض تحمل هذا القدر من الذاكرة، فكيف جرى تحديد المواقع الواردة في النصوص القديمة؟ من قرر أن هذا الجبل هو ذاك الجبل، وأن هذا الوادي هو ذاك الوادي، وأن هذه المدينة هي المدينة المقصودة؟ وهل جاءت هذه المطابقات من النص نفسه، أم أن تراكم التفسير جعلها تبدو مع الوقت وكأنها جزء من النص لا يحتاج إلى مراجعة؟ هنا لا يتعلق الأمر باسم منفرد، بل بمنهج كامل في قراءة النص وتحديد المكان الذي تتحرك فيه شخصياته وأحداثه.

فالجغرافيا ليست مجرد أسماء صماء على الخريطة؛ حين يُنسب اسم قديم إلى مكان معين، ثم تُبنى حوله مسارات الهجرة والحروب والاستقرار والحدود، يصبح المكان جزءًا من الرواية التاريخية نفسها. وإذا تغير المكان، تغيرت معه شبكة من العلاقات التي بُنيت فوقه. لذلك فإن إعادة فحص الجغرافيا ليست هامشًا على قراءة النص، بل هي سؤال في صميم الرواية: هل فهمنا النص من داخله، أم من خلال خريطة استقرت في أذهاننا أولًا ثم أصبحنا نقرأ النص من خلالها؟

ومن هنا تبرز القرائن التي تستحق أن تُقرأ معًا: أسماء المواضع، والتحولات اللغوية، وطبيعة الجبال والأودية، واتجاهات الحركة، وطرق القوافل القديمة، والمسافات بين المواقع، وطبيعة المناخ والبيئة، وما تقوله الآثار عن أنماط الاستقرار والحركة والتجارة. وحين توضع هذه العناصر في سياق واحد، لا يعود السؤال عن الخريطة التقليدية ترفًا فكريًا، بل يصبح جزءًا من البحث نفسه: هل تتوافق تفاصيل النص فعلًا مع الخريطة التي استقر عليها التفسير، أم أن النصوص تفتح الطريق أمام جغرافيا أخرى؟

ومن هذا المنطلق يأتي الاحتمال اليمني، لا كقفزة خارج السياق، بل كجغرافيا تستحق أن تدخل إلى دائرة الاختبار والمقارنة. فالمطلوب ليس نقل الرواية تعسفًا من خريطة إلى أخرى، وإنما إعادة قراءة المواضع والأسماء والمسارات في ضوء تضاريس اليمن وتاريخه اللغوي والأثري. ماذا لو اختبرنا شبوة وحضرموت ومأرب والسراوات ويافع كما اختُبرت المواقع التي استقرت عليها الجغرافيا التقليدية؟ وعند اختبارها، يمكن أن تكشف المقارنة عن تطابقات تستحق التوقف عندها، وعن قدرة هذه الجغرافيا على تفسير مواضع بدت غامضة أو بعيدة عن الوصف الذي تقدمه النصوص.

وعند هذه النقطة تصبح الأسماء نفسها جزءًا حيويًا من البحث؛ فالاسم القديم قد يتغير صوته أو كتابته أو نطقه عبر انتقاله بين اللغات، وقد يبقى في المكان بينما تتغير صورته. لذلك فإن المقارنة بين «يأور» و«يغور»، أو بين «أور» وما يرتبط بها من أسماء، أو البحث في مواضع مثل جِردان وجبل كساد، تفتح بابًا للبحث اللغوي والجغرافي معًا. فالأسماء لا تعيش منفصلة عن المكان، وإذا أمكن تفسير تحولها اللغوي، فإنها تصبح جزءًا من شبكة أوسع من القرائن التي تتكامل مع سواها.

والأمر نفسه ينطبق على حركة الشخصيات داخل النصوص؛ فإذا تحرك إبراهيم ولوط من مكان إلى آخر، وارتبطت الحركة بوادٍ أو جبل أو طريق أو جهة معينة، فإن مسار الرحلة يصبح قرينة جغرافية لا تقل أهمية عن الاسم. وهنا يمكن مقارنة المسارات التقليدية بالمسارات المحتملة في جغرافيا أخرى، والنظر في المسافة والاتجاه والتضاريس ومدى انسجامها مع تفاصيل النص. فالمسار لا يعود تفصيلًا ثانويًا عندما يكون النص نفسه قائمًا على حركة الأشخاص بين الأماكن.

ثم يأتي الأثر ليطرح سؤاله الخاص والمستقل. فالمباني والطرق القديمة وطرق التجارة ومراكز الاستقرار والعمارة والبيئة التي عاش فيها الإنسان تضيف طبقة أخرى إلى قراءة النص. وإذا التقت بيئة أثرية وجغرافية ولغوية في منطقة معينة مع مجموعة من أوصاف النص، فإنها تستحق أن تدخل في المقارنة، حتى لو كانت خارج الخريطة التي استقر عليها التفسير. فالحجر، مثل الاسم والمسار، يمكن أن يكون جزءًا من إعادة قراءة المكان.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: المسألة ليست مجرد خطأ في قراءة الأسماء، بل في افتراض الخريطة التي ينبغي أن تُقرأ الأسماء داخلها. ولهذا لا يكفي أن نقرأ النصوص من خلال خريطة ورثناها، ثم نعامل الخريطة باعتبارها حقيقة سابقة على البحث. علينا أن نضع الخريطة أمام النص مرة أخرى، وأن نسمح للعقل والمنطق والأسماء والجبال والأودية والطرق واللغة والآثار بأن تتحدث قبل أن تتدخل القراءة الموروثة لتحدد لها مواقعها. والمسألة هنا أوسع من عبارة «التوراة في اليمن»؛ إنها قراءة لجغرافيا النصوص من خارج الخريطة المفترضة، وفتح المجال أمام احتمالات جغرافية جديدة كليًا وأقرب إلى معطيات النص.

وحين تتغير الجغرافيا، لا تبقى المسألة عند حدود تحديد موقع جبل أو وادٍ؛ فالجغرافيا هي الإطار الأوسع الذي تتحرك داخله الشخصيات والأحداث، ومن خلالها تُبنى خرائط الذاكرة والتاريخ والهوية. وحين يتغير المكان، يعاد ترتيب العلاقات التي أقيمت بين النص والمكان والتاريخ، وتفتح أسئلة تتجاوز موضعًا جغرافيًا محددًا لتطال الطريقة التي تشكلت بها الرواية التاريخية برمتها.

ولهذا تستحق الخريطة أن تُقرأ كما يُقرأ النص تمامًا؛ فإذا كان الثعلب هو الذي روى حكاية الدجاج، فلا يكفي أن نناقش صفات الدجاج التي وردت في الحكاية؛ علينا أولًا أن نسأل: من كتب الحكاية؟ ومن اختار المكان؟ ومن قال إن هذه هي الخريطة التي كان النص يتحدث عنها؟ فالبحث الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن اعتبار الخريطة جوابًا نهائيًا، ونبدأ في قراءتها باعتبارها سؤالًا مفتوحًا؛ لا انطلاقًا من الخريطة التي ورثناها، بل من النص الذي لم ينتهِ بعد من قول ما لديه.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد